أزمة إيران بين الضغوط الداخلية والتدخلات الخارجية: “إسرائيل” ورهان الإقليم

زكريا ملاحفجي

تعيش إيران أزمة مركبة ذات بعدين متداخلين: سياسي واقتصادي، حيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر في فهم طبيعة المشهد الداخلي والتطورات الإقليمية المحيطة بها. فعلى المستوى الاقتصادي، تعود جذور الأزمة إلى عوامل داخلية تراكمت عبر سنوات طويلة من سوء الإدارة، إلى جانب العقوبات الأميركية والدولية المفروضة على إيران منذ أكثر من ثلاثة عشر عامًا، والتي انعكست بشكل مباشر على قيمة العملة الوطنية ومستوى المعيشة. وقد أدى الانهيار السريع للعملة إلى تعميق الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وخلق حالة تذمر شعبي حقيقية، خصوصًا في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة.
إلا أن هذه الأزمة الاقتصادية، رغم عمقها، لم تبقَ في إطارها الداخلي، بل تداخل معها عامل خارجي لعب دورًا أساسيًا في تأجيج الأوضاع. فبحسب الرؤية الإيرانية، كان لإسرائيل دور مباشر وغير مباشر في استثمار موجة الاحتجاجات، عبر التسلل إليها وتحويلها من مطالب معيشية واقتصادية إلى أعمال عنف غير مسبوقة، استهدفت المؤسسات العامة والمقامات الدينية، وحملت رسائل سياسية وأيديولوجية واضحة، أبرزها تصوير الاحتجاجات على أنها «علمانية» ومعادية لأسس النظام، والدعوة العلنية لعودة نجل الشاه، المعروف بعلاقته الوثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
في هذا السياق، ترى طهران أن ما جرى يتجاوز كونه احتجاجات مطلبية طبيعية، ليصبح جزءًا من مشروع سياسي ممنهج يستهدف بنية النظام الإيراني نفسها، وليس مجرد الضغط عليه لإجراء إصلاحات داخلية. ويعزز هذا الطرح ما تعتبره إيران حماسة إسرائيلية متزايدة لتوجيه ضربة عسكرية لها، في وقت تكتفي فيه الولايات المتحدة برفع مستوى الجاهزية العسكرية من دون الذهاب نحو مواجهة شاملة.
يواصل نتنياهو التصريح علنًا برغبته في إسقاط النظام الإيراني وإعادة نموذج الشاه، معتبرًا أن ذلك سيعيد العلاقات الإيرانية–الإسرائيلية إلى ما كانت عليه في الماضي.
إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفق هذا التصور، لا تسعى بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني، بل إلى إرغامه على الرضوخ لشروط أميركية تتعلق بملفيه النووي والصاروخي. ومع ذلك، يبقى خيار الحرب الشاملة مستبعدًا، ليس فقط بسبب كلفته العالية، بل أيضًا بسبب القيود التي فرضها الكونغرس الأميركي على صلاحيات الرئيس في إعلان الحروب، خاصة بعد تجارب سابقة كقضية فنزويلا. هذا الواقع يجعل من إسرائيل الطرف الأكثر اندفاعًا نحو التصعيد، في مقابل حذر أميركي محسوب.
داخليًا، يعتمد النظام الإيراني بشكل أساسي على قوات «البسيج»، التي تُعد العمود الفقري للنظام، وتشكل عنصر توازن حاسم في مواجهة أي محاولات لإسقاطه من الداخل. ويُدرك صناع القرار في طهران أن أي تغيير جذري في موازين القوى لا يمكن أن يتم عبر احتجاجات أو اختراقات أمنية فحسب، بل يحتاج إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وهو خيار لا تملك واشنطن ولا تل أبيب ترف الذهاب إليه في هذه المرحلة.
في المقابل، يواصل نتنياهو التصريح علنًا برغبته في إسقاط النظام الإيراني وإعادة نموذج الشاه، معتبرًا أن ذلك سيعيد العلاقات الإيرانية–الإسرائيلية إلى ما كانت عليه في الماضي. غير أن شريحة واسعة من الإيرانيين، بمن فيهم بعض المحتجين، تدرك مخاطر هذا السيناريو، وترى في الشاه حليفًا لإسرائيل ومعاديًا لمحيط إيران الإقليمي، فضلًا عن كونه رمزًا لمرحلة يعتبرها كثيرون مرحلة تراجع في الاستقلال والسيادة الوطنية.
على المستوى الإقليمي، يتجاوز الخطر الإسرائيلي حدود إيران ليهدد مجمل الإقليم. فإسرائيل لا ترى في إيران الخصم الوحيد، بل تعتبر كل قوة إقليمية صاعدة أو مستقلة هدفًا محتملاً في المدى المتوسط، بما في ذلك تركيا ومصر. وقد شهدت العلاقات التركية–الإسرائيلية توترًا ملحوظًا خلال العام الماضي، على خلفية ملفات متعددة أبرزها سوريا وشرق المتوسط، وهو ما دفع أنقرة إلى إعادة تقييم موقعها في معادلات الأمن الإقليمي.
تشهد العلاقات الإيرانية–التركية توجهًا نحو تعاون أكبر، رغم تاريخ طويل من التنافس الإقليمي. فالتحدي الإسرائيلي المتصاعد فرض نفسه كعامل جامع، يدفع الطرفين إلى تنسيق أوسع في مواجهة مخاطر مشتركة.
أمام هذا المشهد، اتجهت إيران أكثر نحو تعميق شراكتها مع الصين، بعد فشل رهان «التوازن» مع الغرب. فقد قدمت بكين دعمًا اقتصاديًا وسياسيًا لطهران، ساعدها على الصمود في وجه العقوبات، من دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة، انطلاقًا من حسابات جيوسياسية ترى في استقرار إيران عنصرًا مهمًا لتوازنات الطاقة والأمن الإقليمي. أما روسيا، فظل دعمها لإيران محدودًا نسبيًا، بسبب انشغالها بحرب أوكرانيا وحساباتها الدولية المعقدة، الأمر الذي جعل الصين شريكًا أكثر موثوقية بالنسبة لطهران في هذه المرحلة.
في المقابل، تشهد العلاقات الإيرانية–التركية توجهًا نحو تعاون أكبر، رغم تاريخ طويل من التنافس الإقليمي. فالتحدي الإسرائيلي المتصاعد فرض نفسه كعامل جامع، يدفع الطرفين إلى تنسيق أوسع في مواجهة مخاطر مشتركة. وترافق ذلك مع توجه تركي نحو بناء اصطفافات إقليمية جديدة، شملت تقاربًا مع السعودية وباكستان، في إطار محاولة لتعزيز موازين القوة في المنطقة، في ظل ما يُنظر إليه على أنه تصاعد في النزعة الإسرائيلية للهيمنة الإقليمية.
في المحصلة، تبدو الأزمة الإيرانية اليوم جزءًا من مشهد إقليمي ودولي أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية الداخلية مع التدخلات الخارجية، وتتشابك الاحتجاجات المعيشية مع صراعات النفوذ الكبرى. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي قراءة للأحداث بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي تظل قراءة ناقصة، لا تفسر عمق الأزمة ولا تبيّن مآلاتها المحتملة.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى