فنزويلا والشرق الأوسط

محمود سمير الرنتيسي

إن ما حدث في فنزويلا من إسقاطٍ لرئيسٍ منتخب بالقوة وخطفه، وضعف ردة الفعل، ووضوح تآكل شرعية القانون الدولي، ليست أحداثاً معزولة أو مخصوصة بفنزويلا، فهناك توقّع في كثير من عواصم العالم والمنطقة أن ما حدث هو نموذج لاستخدام القوة خارج الشرعية الدولية، وقد يمتد إلى أي بلد في أي لحظة، ومنطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق المرشّحة لذلك.
وفيما حدث أيضاً منح غطاءً ضمنياً من واشنطن لحلفائها لعمل الشيء نفسه في معاملة خصومهم الإقليميين، فمع تراجع التخوّفات من حصول ردع قانوني فإن دولة مثل دولة الاحتلال الإسرائيلي تُعد من أكثر الدول التي يمكن أن تستغل هذا الحدث تجاه دول المنطقة، وقد شاهدنا سوابق لها في غزة وقطر وسوريا ولبنان، واستمرت من دون محاسبة، ولكن فعل ترمب قد يزيد من هياج دولة الاحتلال الإسرائيلي، إلا إذا تعارض مع استراتيجية مؤقتة لتحسين صورتها بعد حرب الإبادة.
قبل الحديث عن الدول المناوئة للولايات المتحدة، فإن على الدول الحليفة للولايات المتحدة أيضاً أن تأخذ في الحسبان عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات هذه الإدارة الأميركية. فحتى أيام قليلة، وليس فقط منذ توليه منصبه، تعهّد الرئيس دونالد ترمب بعدم رغبته في خوض المزيد من الحروب، ورغبته في إنهاء الصراعات والحصول على جائزة نوبل للسلام، ولكن مع ذلك فقد قام بهذا الهجوم العسكري المفاجئ في فنزويلا، وقام قبل ذلك بشن ضربة عسكرية على إيران، ومن الواضح أن هناك ابتهاجاً وافتخاراً في أوساط عدة في الولايات المتحدة بالعودة لاستخدام القوة.
لعل ما حدث في فنزويلا أعاد التذكير من جديد أن الخطر الأكبر على أمن الدول المتوسطة والضعيفة قد لا يأتي دوماً من العدو المعلن، بل من الحليف الأقوى.
بالتأكيد يمكننا القول إن حتى حلفاء الولايات المتحدة منذ الحرب الباردة لن يشعروا بالقلق أكثر مما يشعرون به في الفترة الثانية لحكم دونالد ترمب، الذي يتحدث عن السيطرة على فنزويلا وإدارتها حتى يتم “انتقال السلطة”، وهو أمر ليس مرتبطاً فقط بشخص دونالد ترمب، بل ينسجم مع وثيقة استراتيجية الأمن القومي التي تركز على السيطرة على “نصف الكرة الغربي”.
وفيما يتعلق بحلفاء الولايات المتحدة من دول المنطقة مثل السعودية وبقية دول الخليج وتركيا ومصر وباكستان، فإن السيادة ومفاهيم القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة لا تُعد ضمانة أمام الولايات المتحدة، بل إن التحالفات مع دول أخرى والقدرة على تحسين قوة الردع والتماسك الداخلي أصبحت في مقدمة المواضيع على أجندة هذه الدول.
ولعل ما حدث في فنزويلا أعاد التذكير من جديد أن الخطر الأكبر على أمن الدول المتوسطة والضعيفة قد لا يأتي دوماً من العدو المعلن، بل من الحليف الأقوى، وهو ما تؤكده نظرية الواقعية، أن الاعتماد المفرط من بلد ما على حليف قوي يجعل هذا البلد عرضة للابتزاز أو حتى الترك لمواجهة المصير، ويمكن أن يُفرض عليه شروط قد تهدد أمنه وسيادته، ولعل اختلاف رؤية ترمب للحل في أوكرانيا عن رؤية زيلينسكي يشير إلى هذه النقطة.
وإذا كان الإطاحة بحكم لشخص غير صديق للولايات المتحدة سهلاً لهذه الدرجة بالنسبة لواشنطن، فإن الإطاحة بأي حليف قد لا يلبي مطالب الولايات المتحدة قد يكون أسهل من ذلك بكثير، وبالتالي فإن مفهوم التحالف نفسه أصبح متغيراً، وهو من يلبي مصالح الولايات المتحدة ومن لا يلبيها، وهذه ليست نظرة مرتبطة برؤية البلد لما قد يقدمه للولايات المتحدة، بل لرؤية الولايات المتحدة لما يمكن أن يقدمه لها هذا البلد. ولعل موضوع غرينلاند الذي عاد للأجندة مرة أخرى أوضح مثال، وهو في حالة غربية لديها نوع من التفوق، فكيف الأمر لو كان مع دولة عربية.
إن حدث فنزويلا واختطاف مادورو حدث مفصلي، ولكنه لا يغير توازنات الشرق الأوسط، ومع ذلك يزيد من حالة عدم اليقين في أي موقف في حال تعارض موقف دولة ما مع مصالح الولايات المتحدة، ولعل أكثر الدول تأثراً هي إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي ودول الخليج.
إيران الأكثر قلقاً
كانت فنزويلا صديقة لإيران، وساعدتها في الالتفاف على العقوبات، وتحولها لساحة نفوذ أميركي يجعل إيران الأكثر تضرراً وقلقاً. ومن جهة ثانية أشارت العملية الخاطفة في فنزويلا إلى أن ترمب يمكن أن يكررها في إيران، ومع تزامن الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي الظاهري في إيران مع حدث فنزويلا، فإن مستوى القلق والتوتر في إيران سيكون أكثر من أي وقت مضى.
وبالتأكيد تشعر القيادة الإيرانية أن أي خطأ في إدارة الشارع قد يُستغل كفرصة لتدخل أميركي أكبر، مما يعقّد خيارات الحكومة في إيران في التعامل مع الاحتجاجات، لكن بحسب التجربة أيضاً فإن إيران لديها أساليب عدة في تنفيس التظاهرات الاحتجاجية في حالات أكبر من الحالة الموجودة.
غزة قد تستفيد
فيما يتعلق بالحالة المعقدة والمجمدة في غزة، في ظل رفض حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بسبب تعقيدات ملف نزع السلاح ومشاركة القوات الدولية، فإن بعض الخبراء يشيرون إلى أن انخراط أميركا العميق في فنزويلا في المرحلة القادمة، خاصة في حال تطورت الأمور بشكل دراماتيكي، سيشغل البيت الأبيض عن ملفات أخرى في منطقة الشرق الأوسط، وسيقلل من قدرته على فرض إيقاع حاسم في ملف غزة أو دعم حرب إسرائيل – إيران في حال انفجارها. ولكن هناك دراسات تشير أيضاً إلى العكس، وأن دونالد ترمب قادر على إدارة عدة مسارح صراع في آن واحد.
ومع ذلك فإنه من المؤكد على المدى المتوسط أنه في حال تحول فنزويلا إلى مستنقع لأميركا فإن دور الولايات المتحدة في ملفات الشرق الأوسط، وعلى رأسها ملف غزة، سيكون أضعف، وسيكون أكثر حرصاً على الضغط على إسرائيل لمنع توريط واشنطن في صراعات أكبر.
إن حدث فنزويلا واختطاف مادورو حدث مفصلي، ولكنه لا يغير توازنات الشرق الأوسط، ومع ذلك يزيد من حالة عدم اليقين في أي موقف في حال تعارض موقف دولة ما مع مصالح الولايات المتحدة، ولعل أكثر الدول تأثراً هي إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي ودول الخليج، وبالتأكيد ما يتصل بها من قضايا إقليمية.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى