أميركا وفنزويلا.. الصين وتايوان

سامر خير أحمد

بعد إقدام الولايات المتحدة على اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كاراكاس، ونقله إلى نيويورك لمحاكمته أمام محكمة فيدرالية بتهمٍ (نفاها مادورو) تتعلق بتجارة المخدّرات، شاعت في الإعلام مقاربة أن الصين ستفعل مع تايوان ما فعلته الولايات المتحدة مع فنزويلا، أي أنها ستفرض إرادتها عليها بالقوة، وقد تقوّض أركان النظام الحاكم في جزيرة تايوان بطريقة مشابهة لما فعلته أميركا. بل ثمّة من ذهب إلى وجود تفاهم بين الدولتين الكبيرتين على ترك فنزويلا لقمة سائغة للولايات المتحدة مقابل إعطاء واشنطن الضوء الأخضر لبكين لتلتهم تايوان، وبينهما أيضاً منح أوكرانيا للدب الروسي المفترس.
لا ريب أن مصدر تلك الرواية غربي، لأنها تتوافق مع ما ظل الإعلام الغربي يروّجه عن الصين في السنوات الخمس الأخيرة، قائلاً إنها تريد ابتلاع تايوان بالقوة العسكرية، وإن الولايات المتحدة والغرب التقليدي يدافعان عن حق شعبها الذي ينتمي إلى قومية هان الصينية، في عدم الانضمام إلى الصين الأم. واليوم تعد تلك المقاربة تبريراً لما فعلته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فنزويلا، ما يتعارض مع كل القوانين الدولية من غير شك.
ولكن التحليل الموضوعي للمسألة يكشف كم أن تلك المقاربة متهافتة، فالمسألة في شأن الصين وتايوان ليست هي نفسها في شأن الولايات المتحدة وفنزويلا. في الأولى، ينتمي “البلدان” إلى قومية واحدة، ويُعَدّ ضم تايوان إلى الصين بمثابة إعادة لها إلى الوطن الأم، إذ قامت حكومة تايوان في ضوء نتائج الحرب الأهلية في الصين التي انتهت عام 1949 بفرار حكومة الحزب الوطني الذي كان حاكماً في بكين إلى تلك الجزيرة، واعتراف الغرب بها هناك حكومة صينية شرعية، عوضاً عن الاعتراف بحكومة الحزب الشيوعي التي تولت السلطة الجديدة في الصين. أما في شأن فنزويلا، فالحال مختلف جوهرياً، إذ لا ينتمي ذلك البلد اللاتيني إلى تاريخ الولايات المتحدة وديمغرافيتها، ولا حتى إلى ثقافتها. ولا يعني وجود مصالح اقتصادية لواشنطن في كاراكاس أن الصين تتطلع إلى ضم تايوان على أساس البحث عن المصالح الاقتصادية، وكأن لا أغراض وطنية لها.
المسألة في شأن الصين وتايوان ليست هي نفسها في شأن الولايات المتحدة وفنزويلا
ما هو أعمق من هذا في شأن تهافت تلك المقاربة، أنها تطابق الممارسات الإمبريالية الأميركية مع السياسة الصينية، وهذا جوهر الخطاب الإعلامي الغربي تجاه الصين الذي يغلق أذنيه عن كل التوضيحات الصينية في تلك المسألة. يقول ذلك الخطاب ما معناه أن الجميع إمبرياليون، وأن أي دولة كبرى يجب أن تكون ذات أطماع وسلوكيات استعمارية كما هو الحال لدى القوى الغربية. ووفق هذه القاعدة، تجري محاكمة السياسات الصينية وتقرير النيات الصينية مسبقاً في الإعلام الغربي، وكأن تلك الممارسات الاستعمارية والإمبريالية والعدوانية مسار وحيد لا بديل له في سلوكيات الدول الكبرى.
أما الصين فتقول دائماً إن أدواتها مختلفة: لماذا أقوم باحتلال دولة ما عسكرياً ونهبها إمبريالياً والدخول في دوامة من العداء معها، بينما يمكنني بناء علاقات تجارية تربطني بها وتجعلها في حاجة مستمرّة لي، وتمكنني أيضاً من تحقيق أرباح طائلة وبناء علاقات وثيقة معها؟ كانت تلك استراتيجية الصين في مسألة تايوان قبل أن تخترع إدارة جو بايدن حكاية أن الصين تريد مهاجمة تايوان عسكرياً، ذريعةً لكي تنشر القوات الأميركية في شرق آسيا ضمن استراتيجية الردع الأميركي المتكامل تجاه الصين. بل إن تلك نفسها استراتيجية الصين تجاه العالم كله، كما يتبدى في مبادرة الحزام والطريق، إذ عوضاً عن استعمال القوة العسكرية يجري استعمال القوة التجارية، وعوضاً عن نهب خيرات الآخرين وتوريث الكراهية والعنف معهم يجري الحصول على مواردهم بالتراضي، وعلى أساس الربح المشترك. هي إذاً استراتيجيات مختلفة، ولا يمكن التلاقي بينها للقول إن واشنطن وبكين اتفقتا على التهام خصومهما أو البلاد التي يطمعان بخيراتها.
أما قول الرئيس الأميركي ترامب إن الصين لن يكون عندها مشكلة في شأن ما فعله في فنزويلا، لأن الصين ستحصل على النفط، فذلك لأنه لا يفكر وفق منطق الأخلاقيات، ولا ينظر إلى الدنيا إلا من ثقب المال، إذ كما كانت الصين تشتري النفط من مادورو فإنها ستشتريه منه حين يتسلط على خيرات تلك البلاد، ولن يتغيّر (من وجهة نظره) شيء.
لا يمكن فهم الصين من دون فهم استراتيجيتها التجارية
وإذا كانت الصين لا يمكنها فعل شيء لنجدة حليفها مادورو، نظراً إلى القوة العسكرية الأميركية الغاشمة التي تحتل الكوكب، سوى المطالبة بالإفراج عنه في بيانات حكومية رسمية، فإنها تجد أمامها في اختطاف مادورو فرصة واحدة: إدانة الولايات المتحدة أخلاقياً، ومعها نظامها الدولي أحادي القطبية، تبشيراً بنظام دولي مختلف ومتعدّد الأقطاب لا يقوم على الإمبريالية والنهب، بل على تبادل المصالح والربح المشترك. هذا نفسه ما فعلته الصين في شأن الحرب على غزّة، ما يعني أنها محدودة الأدوات السياسية والعسكرية حالياً، ولا تتوفر إلا على عصاها التجارية.
ومن هذا الباب، غلّظت الصين قيود تجارتها مع العالم في مراجعتها قبل أيام لقانون التجارة الخارجية، بحيث بات يمنح الحكومة صلاحيات واسعة للرد على القيود التي قد تُفرَض على الصادرات الصينية، سواء عبر فرض رسوم جمركية مقابلة أو قيود مباشرة على التصدير، بما في ذلك تصدير المعادن النادرة التي باتت الورقة الأقوى في يد بكين حالياً.
في المحصلة، لا يمكن فهم الصين من دون فهم استراتيجيتها التجارية، ولا يمكن بناء تصوّر واضح عن سياستها عبر الاكتفاء بإسقاط الممارسات والآليات الاستعمارية الغربية عليها لمجرّد أنها صارت دولة كبرى. العالم ليس واحداً.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى