لغتنا والتحديات

د- عبد الناصر سكرية

في الثامن عشر من شهر ديسمبر 1973 , إعتمدت الأمم المتحدة اللغة العربية لغة رسمية فيها وفي المؤسسات الدولية التابع لها..ومذاك أتخذ هذا التاريخ ” اليوم العالمي للغة العربية ” .. حصل هذا يوم كان للعرب وهج ودور وحضور ثقافي وسياسي عالمي..على إثر ذلك الدور وبفضله ، إتخذت الأمم المتحدة القرار رقم 3379 بإعتبار ” أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري ” ..ثم توالت أحداث وتطورات وحصلت مستجدات على كل صعيد عربي وعالمي ؛ حملت تأثيرات سلبية كثيرة على الوضع العربي العام وشكلت – ولا تزال – تحديات مصيرية على اللغة العربية ذاتها..تحديات باتت واضحة للجميع – تقريبا – وإن تكن غير معالجة حتى اليوم بشكل جدي يحفظ لغتنا الجميلة كدور ووظيفة وليس ككلمات وصور ومعاني ومعاجم..
وظيفة اللغة – أية لغة – التعبير عن الإنسان الفرد أولا ثم التواصل مع غيره من البشرية..وفي كل أمة ومجتمع تشكل اللغة أداة تواصل أبناء الأمة مع ذواتهم وفيما بينهم إستكمالا لكونهم مجتمعا واحدا يمتلك شخصية ثقافية وإجتماعية واحدة هي تعبير عن الهوية القومية الخاصة بالمجتمع ذاته..
واللغة العربية فضلا عن ثرائها الواسع ، بحيث تتفوق على كل لغات العالم من حيث عدد المفردات التي لا تترك معنى إلا وله تعبيراته الخاصة به..
و فضلا عن جمالها في الشكل والصوت والنطق وغناها في القدرة على التعبير الوجداني والعاطفي والحياتي والعلمي ؛ إلا أن إرتباطها بالإسلام كونها لغة القرآن الكريم ؛ طرح عليها عدة مسؤوليات مصيرية باتت متلازمة لها وملزمة لمن يحمل هويتها ويتحدث بها تعبيرا عن ذاته ورؤاه ..أبرزها :
1 – أصبح الحفاظ عليها وتدعيمها المستمر واجب على المتحدثين بها حتى لا تنقطع الصلة المتجددة بها ليس كلغة تعبير فقط بل كلغة تواصل ديني ملزم..
2 – باتت جزءا من الأهداف المطلوب القضاء عليها ضمن دائرة الإستهداف الإستعماري للوجود العربي برمته : دورا وخصائص ومقومات حضارية وتاريخية..
3 – إن حالة التراجع والتشتت التي بات يعاني منها العرب خاصة وبلاد المسلمين عامة أضعفت الإهتمام باللغة العربية ولا سيما في مؤسسات التعليم والتدريس حتى تراجع دورها وإنتشارها بين الأجيال الجديدة..بلغ التراجع حدا جعل من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( الألكسو ) غائبة تماما عن ممارسة أي دور في حماية اللغة وأي نشاط يبشر بالثقافة العربية ..
ومع تطور وسائل التعبير والإعلام ودخول العلوم والتقنيات الحديثة وأخيرا الذكاء الإصطناعي ؛ حقول التدريس والتعليم واللغات والتبشير الثقافي وما يحمله من قيم سلوكية ؛ برزت جملة تحديات مصيرية على اللغة العربية تهدد دورها التواصلي الحضاري أكثر مما تهدد كيانها الخاص..
أ – منذ أندحار حروب الفرنجة على العرب ( المسماة زيفا الحروب الصليبية ) وإنطلاق حركة الإستشراق بدفع من العالم الغربي الأستعماري بهدف فهم وإدراك مقومات المناعة الذاتية والوجود الحضاري لأمة العرب لتحديد رؤى وبرامج لتفكيكها والقضاء عليها ؛بدت للمستشرقين – رسل المستعمرين – أهمية اللغة العربية بلورة الشخصية العربية المتكاملة ؛ فأطلقوا حملات متنوعة متكاملة لإضعاف اللغة العربية ومحاصرتها وتفكيك دورها وتهميشه..وهي الحملات المستمرة المتجددة دائما وباتت تستخدم كل وسائل التعبير الحديثة في مزيد من تهميش اللغة العربية وقطع صلتها بالعالم..
إن إستخدام أحدث وسائل وتقنيات التدريس وتعليم اللغات الأجنبية حتى للطلاب العرب والمسلمين ؛ في الوقت الذي بقيت مناهج تدريس العربية على حالها منذ نصف قرن ؛ سوف يزيد من بعدها أو إبعادها عن الأجيال الجديدة وتهميش وظيفتها..
إن تحديث مناهج تعليم العربية بالإستفادة من التقنيات العلمية الحديثة ؛ بات أكثر من ضرورة ملحة..والمسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الرسمية التي وحدها تمتلك إمكانيات التحديث اللازمة..
ب – إن ما يسمى الحرب على الإرهاب التي تشكل أحدث صورة من صور الهجوم الإستعماري المتجدد على الوطن العربي ومقومات وجوده المصيرية ؛ إتخذت صفة العداء المباشر للإسلام كدين لأنها تعتبره مصدرا للإرهاب أو أنه الدين الذي يفرخ الإرهاب ويحض عليه ..وهذا ما وضع اللغة العربية أيضا في خانة الحصار والتضييق لأنها لغة القرآن الكريم..
ج – مع ألإنتشار الواسع لما يسمى ” وسائل التواصل الإجتماعي ” ؛ برز تحد جديد على اللغة العربية والثقافة العربية عموما ، يتمثل في الثقافة ومنظومة المفاهيم والقيم الخاصة المرتبطة بها بإعتبارها تجسد ثقافة العولمة الرأسمالية الفردية المادية النفعية..وهي ثقافة تبشر – مباشرة أو ضمنا – بثقافات وقيم المؤسسات التي أطلقتها وتوجهها وترعاها..وهي في العموم مؤسسات مرتبطة بالنظام العالمي الرأسمالي العنصري الفاسد..وهي بطبيعتها معادة للثقافة العربية من حيث كونها ذات تطلعات إستعمارية تستدعي إضعاف أو تفكيك كل مقومات المناعة العربية والشخصية الإعتبارية العربية ..وتأتي اللغة العربية في صلبها وصميمها..
إن حربا على اللغة العربية وإن لم تكن واضحة ومباشرة بادية في مجموعة وسائل الإعلام في شبكات الأنترنت ؛ إلا أنها مضمرة ضمنا في صناعة أجيال شبابية لا منتمية إلى هويتها الوطنية والقومية – وسائلها في ذلك كثيرة متنوعة متكاملة – أجيال تنتمي إلى ذاتها لأنها لا تتلقى إلا التحريض المباشر والملح لترك كل إهتمام بالجماعة والهوية والإنتماء واللغة منها ومعها.. فمن لا ينتمي إلا إلى ذاته ومصالحه لا يهمه بأية لغة يتواصل بل يغريه التواصل باللغات الأجنبية تمشيا مع بريق التلميع والمصلحة مع الآخر الأجنبي..
د – لعل أخطر التحديات التي تواجه اللغة العربية اليوم ومنذ نصف قرن تقريبا ، يتمثل في برامج التعليم والتدريس في المدارس والمعاهد والجامعات العربية : الرسمية والخاصة على السواء..يتأتى هذا من عدم إكتراث النظام الرسمي العربي باللغة والثقافة العربيتين كتعبير عن تخليه عن مبدأ المصير العربي الواحد ومقوماته المشتركة..
هذا التخلي الرسمي افقد انظمة التدريس في المدارس الرسمية أية إمكانية للإهتمام باللغة العربية وتدعيمها وتحديث وسائل تدريسها..ثم أنه أفقد المؤسسات الرسمية وظيفتها في الرقابة على المؤسسات التدريسية الخاصة ؛ فراحت كل منها تدرس على هواها وهي في الغالب الأعم تجارية أو تبشيرية مرتبطة بالنفوذ الأجنبي..إذ ذاك سقط الإهتمام بالعربية لحساب اللغات الأجنبية..لم يحدث فقط إهمال العربية بل منهج مدروس لتنفير الطلاب منها من خلال :
– تعقيد وتخلف مناهج تعليمها..
– إفقاد الطلاب الثقة بها بالحديث الدائم عن ضعفها ..
– تسويق فكرة أنها لغة صعبة معقدة..
– تسويق فكرة أنها غير قادرة على مواكبة التطور العلمي والتقني والتعبير عنه..
إجبار الطلاب على التواصل باللغات الأجنبية بحجة الإتقان ما يؤدي إلى إضعاف القدرة على التواصل والتعبير بالعربية..
– الإسراف في إغراء الطلاب بسهولة اللغات الأجنبية وأهميتها وضرورة إتقانها وتسهيل وتحديث طرائق تدريسها بشكل جاذب ميسر..
– تدريس اللغات الأجنبية منذ أول سنوات الدراسة الإبتدائية وحتى ما قبلها .مما يجعلها تنافس العربية وتتغلب عليها للأسباب الآنفة الذكر..
– التغلغل الأميركي بأدوات محلية في وزارات التربية وإدارات التعليم في كثير من البلدان..الأمر الذي يفتح كل السبل للغة الإنكليزية وثقافتها التبشيرية ويبعد اللغة العربية..
– تسويق أهمية تعلم اللغة الأجنبية في عقول الأهل حد المباهاة بالتحدث باللغة الأجنبية وكأنه إنتصار عظيم ومصدر للفخر .. فيتركون أولادهم فريسة للتدريس الخاص والإهمال الرسمي..
## تتكامل هذه الأسباب – فضلا عن كونها مبالغا فيها وغير صحيحة أو موضوعية – لتؤدي دورا متناغما مؤداه
ألا تعود العربية هي اللغة الأم للطلاب العرب فيستسهلون التعبير عن ذواتهم والتواصل مع سواهم باللغة الأجنبية وهكذا تصبح اللغة العربية غريبة عنهم ويصبحون هم غرباء عنها..وهنا أخطر أنواع التهديد المصيري للغة العربية..##
والنتيجة :
## تكامل ثقافة العولمة اللامنتمية مع الإهمال التعليمي – الرسمي والخاص – وحرب عالمية إستعمارية على الثقافة العربية الجامعة ; تصنع أجيالا جديدة من الشباب العربي منقطع الصلة بلغته الأم فيفقد بذلك صلته بتاريخ وتراث وقيم وحضارة أمته ووطنه ويصبح فريسة سهلة لتغيير إنتمائه والتخلي عن هويته أو في أضعف الأحوال ، يفقد قدرته على مواجهة الأخطار التي تهدد مصير بلاده ومقوماتها ..
إن جميع المصاعب والتحديات على اللغة ناجمة أولا وأساسا من غياب أية رؤية عربية رسمية للرد على التحديات المعاصرة وما ينتج عنه من تخل عن الإهتمام باللغة كجزء من الدفاع عن الهوية والإنتماء ؛ وإستباحة العقل العربي لأشكال متنوعة من الغزو والغسل وتزييف الوعي ونقص المعرفة وعدم التفكير فيما يجري..
اللغة هي وعاء الهوية والإنتماء..والتعبير الصريح المباشر السهل العفوي بها كلغة أم هو المفتاح الأساس لإمكانية تدعيمها وتحديث مناهجها التعليمية وتغليبها على التحديات القائمة..
لن تندثر اللغة العربية أبدا ولن يضعف جمال تعبيراتها ومفرداتها ومعانيها ، ولكنها تفقد دورها حينما لا تعود الأجيال الشبابية قادرة على التعبير بها عن مكنوناتها النفسية والثقافية والعاطفية والحياتية ..وهذا أخطر تحد قائم يحتاج إلى حلول موضوعية عامة تفوق قدرة الأشخاص أو المؤسسات الخاصة..إن تفعيل دور مجامع اللغة العربية يحتاج إلى إمكانيات ليست في متناولهم بل في متناول أصحاب السلطان والقرار ..جميلة هي الإحتفالات بيوم اللغة العربية والتغني بها وبيان جمالياتها ..ولكن ما لم تتم معالجة صلتها الأصيلة بالأجيال الشبابية فلن يكون مستقبلها – ومستقبل بلادنا معها – جميلا معافى..
أن تأخذ لغة أجنبية مكان اللغة الأم لدى الأجيال الشبابية للتعبير والتواصل ؛ فهذا إحتواء عام وشامل لهذا المكون القومي أبعد وأخطر من أنواع الغزو الثقافي الآخر ..وهذا يعني فصل تام بين المستقبل العربي وإمكانيات التغيير والنهوض والتحرر والتقدم..وتلك كارثة مصيرية عامة..

المصدر: كل العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى