
في عام 2025 لم تعد الحرب الإسرائيلية تُقاس بعدد الجبهات المفتوحة ولا بعدد الضربات المنفَّذة، بل بطبيعة التحوّل العميق في كيفية استخدام القوة، وبالطريقة التي جرى من خلالها التعامل مع الإقليم كله بوصفه مسرح عمليات واحداً، تتفاوت فيه مستويات العنف وحدود المخاطرة تبعاً لكل ساحة. الأرقام المسجَّلة خلال هذا العام لا تعكس مجرد تصعيد عسكري، بل تكشف عن عقيدة عملياتية تتجاوز منطق الردع التقليدي إلى منطق إدارة الفضاء الإقليمي بالقوة، حيث تُستخدم كل جبهة لأداء وظيفة محددة ضمن مشهد واحد مترابط.
تظل غزة في قلب هذا المشهد، ليس فقط لأنها استحوذت على النسبة الأكبر من العمليات، بل لأنها شكّلت الساحة التي فُرضت فيها أقسى أشكال العنف وأكثرها كثافة. حين تستأثر غزة والضفة الغربية بما يقارب ثمانية وسبعين في المئة من مجمل العمليات العسكرية، فإن ذلك لا يترك مجالاً واسعاً لتفسير هذه الحرب بوصفها دفاعاً موزعاً على تهديدات متعددة. نحن أمام تركيز غير متكافئ للقوة، وأمام قرار استراتيجي بالتعامل مع هذه الجبهة باعتبارها مركز الثقل الذي تُفرَّغ فيه القدرة العسكرية والسياسية بلا قيود تقريباً. آلاف الضربات، عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وتدمير واسع للبنية المدنية، كلها مؤشرات على أن الهدف لم يكن تحييد فصائل مسلحة فقط، بل إنهاك مجتمع بأكمله، وكسر قدرته على إعادة إنتاج الحياة، بحيث تصبح الكلفة الإنسانية جزءاً مقبولاً في معادلة الردع طويلة الأمد.
كل ضربة تحمل رسالة سياسية بقدر ما تحمل أثراً عسكرياً، رسالة تقول إن مرحلة الفراغ لا تعني الحرية، بل تعني خضوعاً دائماً لمعادلات خارجية.
غير أن هذه الصورة، على قسوتها، لا تكتمل من دون النظر إلى بقية الجبهات، لأن ما يميّز عام 2025 ليس فقط حجم العنف في غزة، بل الطريقة التي جرى بها توزيع هذا العنف إقليمياً. ففي لبنان، حيث سُجِّل عدد كبير من الهجمات، اتخذت العمليات طابع الاستنزاف الحدودي، ضربات متكررة تهدف إلى إبقاء الجبهة الشمالية في حالة إنهاك دائم، ومنع تحوّلها إلى تهديد شامل، من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. هنا يظهر الحرص على إدارة المخاطر، والالتزام بسقف معيّن من التصعيد، لأن أي خطأ في هذه الساحة قد يفتح مواجهة إقليمية واسعة لا تبدو إسرائيل مستعدة لتحمّل كلفتها في هذه المرحلة.
أما سوريا، فهي تمثّل الزاوية الأكثر حساسية في هذا المشهد كله، ليس بسبب عدد الضربات فقط، بل بسبب توقيتها وطبيعتها ودلالاتها السياسية. سوريا في 2025 ليست مجرد ساحة خلفية للصراع، بل بلد يقف عند مفترق طرق تاريخي، بعد انهيار نظام قديم، وفي ظل محاولة بناء توازنات جديدة لم تستقر بعد. هذا الوضع الهش يجعلها ساحة مثالية لسياسة الضربات الانتقائية، حيث لا تسعى العمليات العسكرية إلى تدمير شامل، بل إلى تعطيل مبكّر، ومنع تشكّل بنية أمنية أو عسكرية يمكن أن تتحوّل لاحقاً إلى عنصر ردع أو نفوذ مستقل.
الضربات التي استهدفت الأراضي السورية خلال العام جاءت في معظمها جوية وصاروخية، دقيقة في اختيار أهدافها، مركّزة على مواقع يُشتبه بأنها تمثّل عُقَد إمداد أو نقاط تموضع محتملة لقوى إقليمية. الرسالة هنا لا تُوجَّه إلى طرف واحد فقط، بل إلى كل من يفكّر بأن مرحلة ما بعد الحرب في سوريا قد تسمح بظهور واقع أمني جديد. إنها محاولة لفرض معادلة مفادها أن السيادة السورية ستبقى منقوصة أمنياً، وأن المجال الجوي سيظل مفتوحاً أمام التدخل، وأن أي إعادة بناء للقوة ستُواجَه في مهدها.
أعتقد أن هذه المقاربة تختلف جذرياً عن تلك المعتمدة في غزة، لكنها تتكامل معها. ففي حين تُستخدم غزة كساحة كسر شامل، تُستخدم سوريا كساحة ضبط ومنع وتشذيب. هنا تكمن خطورة الزاوية السورية، لأنها لا تتعلق فقط بالحاضر، بل بالمستقبل، بمحاولة التحكم في شكل الدولة التي ستنهض لاحقاً، وبمنعها من امتلاك أدوات قوة ذاتية. كل ضربة تحمل رسالة سياسية بقدر ما تحمل أثراً عسكرياً، رسالة تقول إن مرحلة الفراغ لا تعني الحرية، بل تعني خضوعاً دائماً لمعادلات خارجية.
وعند توسيع الدائرة أكثر، نلاحظ أن العمليات لم تتوقف عند الجوار المباشر، بل امتدت إلى إيران واليمن، وإلى البحر المتوسط نفسه. في إيران، اتخذت الضربات طابعاً رمزياً واستراتيجياً في آن واحد، محدودة العدد، عالية الحساسية، هدفها إظهار القدرة على الوصول والاختراق أكثر من إحداث تغيير ميداني مباشر. أما في اليمن، فإن فتح جبهة بعيدة نسبياً يشير إلى استعداد لتوسيع نطاق الصراع كلما تطلّبت الحسابات ذلك، وإلى رغبة في ضرب شبكات إقليمية يُنظر إليها كجزء من مشهد تهديد أوسع.
الأكثر دلالة هو انتقال بعض العمليات إلى المياه الدولية، واستهداف قوافل ذات طابع إنساني. هذا التحوّل يعكس استعداداً لتحمّل كلفة سياسية وقانونية مرتفعة، مقابل الحفاظ على معادلة الحصار والضغط، وهو ما يضيف بُعداً جديداً للحرب، حيث لا تعود الحدود البرية كافية لتعريف ساحة الصراع، بل يصبح البحر نفسه أداة ضمن أدوات القوة.
سياسياً، تكشف هذه الوقائع عن فجوة واضحة بين الخطاب والواقع. الحديث عن تهدئة أو وقف إطلاق نار لم ينعكس على الأرض إلا بشكل محدود وشكلي، ومع استمرار الخروقات وسقوط الضحايا، يتضح أن هذه الاتفاقات تُستخدم كأدوات لإدارة الوقت، لا كمسارات حقيقية لخفض العنف. وفي الحالة السورية تحديداً، لم تُطرح الهدنة أصلاً كخيار جدي، بل بقيت الساحة خارج أي إطار تفاوضي واضح، ما يعزّز فكرة أنها ستظل مساحة مفتوحة للرسائل العسكرية طالما أن كلفة ذلك تبقى تحت السيطرة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كانت تركيا وإسرائيل على طريق الصدام، بل إلى أي حد يمكن للطرفين الاستمرار في إدارة هذا التوتر داخل الإطار السوري من دون أن يتسرّب إلى ما هو أبعد.
وفي ختام هذا المشهد المركّب، تبرز زاوية إضافية لا يمكن تجاهلها، وهي زاوية التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل على الساحة السورية، بوصفه أحد أخطر الاشتباكات غير المعلنة في حرب 2025. فالساحة السورية لم تعد مجرد مساحة لتبادل الرسائل بين إسرائيل وخصومها التقليديين، بل باتت أيضاً نقطة تماس حساسة بين مشروعين إقليميين متوازيين، لكل منهما تصوّر مختلف لمستقبل سوريا وحدود النفوذ فيها. إسرائيل تنظر إلى الجنوب والعمق السوريين باعتبارهما مجالاً أمنياً مفتوحاً يجب ضبطه بالقوة ومنع تحوّله إلى منصة تهديد، في حين ترى تركيا في الشمال السوري عمقاً أمنياً مباشراً لا يمكن التفريط به، ومساحة حيوية مرتبطة بأمنها القومي وحدودها واستقرارها الداخلي.
حتى الآن، يُدار هذا التوتر بمنطق الاحتكاك غير المباشر، ضربات محسوبة هنا، ورسائل سياسية هناك، مع حرص واضح من الطرفين على عدم كسر الخطوط الحمراء التي قد تقود إلى مواجهة مفتوحة. لكن استمرار الغارات الإسرائيلية في سوريا، وتوسّع نطاقها الجغرافي، يتقاطع تدريجياً مع مناطق نفوذ وحضور تركي مباشر أو غير مباشر، ما يرفع منسوب المخاطر، ويجعل احتمال سوء التقدير أكثر واقعية مما كان عليه في السابق. فكل ضربة لا تُقرأ فقط في سياقها العسكري، بل في سياقها السياسي، ومن زاوية من يملك حق تعريف التهديد ومن يملك حق الرد عليه.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كانت تركيا وإسرائيل على طريق الصدام، بل إلى أي حد يمكن للطرفين الاستمرار في إدارة هذا التوتر داخل الإطار السوري من دون أن يتسرّب إلى ما هو أبعد. حتى اللحظة، يبدو أن كلا الجانبين يدرك أن نقل الصراع إلى خارج سوريا، أو تحويله إلى مواجهة مباشرة، سيحمل كلفة استراتيجية أكبر من مكاسبه المحتملة، خصوصاً في ظل انشغال الإقليم بحروب متعددة، وتوازنات دولية هشّة، وحسابات داخلية لا تحتمل مغامرات غير محسوبة. لكن في المقابل، فإن الإبقاء على سوريا كساحة مفتوحة لهذا الاشتباك غير المعلن يحمل بدوره مخاطر تراكمية، لأن كثافة العمليات، وتداخل مناطق النفوذ، وتعدد اللاعبين، كلها عوامل تزيد احتمالات الاحتكاك غير المقصود.
في المحصلة، يكشف عام 2025 عن تحوّل نوعي في إدارة الحرب، حيث لم تعد المسألة مرتبطة بجبهة واحدة أو تهديد محدد، بل بإعادة رسم الإقليم عبر القوة المتدرجة. غزة كانت مركز العاصفة، ولبنان ساحة الاستنزاف، وإيران واليمن فضاء الرسائل البعيدة، لكن سوريا كانت العقدة الأخطر، لأنها تمثّل المستقبل غير المحسوم، والمساحة التي يُراد لها أن تبقى معلّقة، بلا سيادة أمنية مكتملة، وبلا قدرة على فرض معادلة مستقلة. هنا لا تكمن خطورة الحرب في عدد الضربات، بل في اعتياد هذا النمط من القوة، وفي تحوّله إلى أداة طبيعية لإدارة السياسة، بحيث يصبح القصف جزءاً من اللغة، وتصبح السماء المفتوحة فوق سوريا عنواناً لمرحلة طويلة من اللااستقرار الممنهج.
المصدر: تلفزيون سوريا






