العدوان على (بيت جن) هل يقطع طريق التفاهمات؟

بات في حكم المؤكد أن لجوء العدو الصهيوني لممارسة عربدته على سورية المتصاعدة اضطرادًا، والذي وصل إلى القصف والاعتداء على (بيت جن) واستشهاد ما ينوف عن ١٣ مواطن مدني من أهالي البلدة ، يعتبر بمثابة إهالة التراب ولو مؤقتًا على كل مسارات التسوية والمفاوضات البينية، التي بدأت منذ أشهر برعاية أميركية تركية أذربيجانية، والتي اصطدمت بالجدار الصلب، نتيجة ازدياد المطالب والشروط الإسرائيلية، وتعددها وصعوبتها على السوريين، وعدم قدرة دمشق اليوم على التوقيع على اتفاق أمني بينها وبين إسرائيل يكون في مجمله لصالح إسرائيل، ويحقق لها مطالبها، والتي باتت تتمثل بعدة بنود معوقة للاتفاق ، منها مسألة فتح ممر تسميه إسرائيل بالسلمي، يربط بين إسرائيل ومحافظة السويداء، والثاني هو نزع السلاح الثقيل من المنطقة الجنوبية، أي من محافظات ثلاث ، يضاف إلى ذلك بقاء السيطرة الإسرائيلية على قمة جبل الشيخ الاستراتيجية، والتي تصر إسرائيل على عدم الانسحاب منها، لما تعتقد فيه إسرائيل من أن القمة تمنحها إمكانية السيطرة استطلاعيًا وعبر الرصد، على مسافات كبرى قد تصل إلى حدود العراق.
دمشق من جهتها قالت بملء الفم ، ومرات عديدة، أنها ليست بصدد فتح أي معركة عسكرية مع جوارها، بما فيهم إسرائيل، وأن مسألة توقيع اتفاق سلام شامل وكامل وتطبيعي، ليس في مآلات تفكيرها، ولا خططها حاليًا، من منطلق أن مثل ذلك يفترض أن يشمل انسحابًا إسرائيليًا من كامل الأرض التي احتلتها إسرائيل عام ١٩٦٧، وهذا ليس ضمن أجندات تفكير إسرائيل وهي التي حصلت على موافقة أميركا أيام ولاية الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) الأولى، بضم الجولان إلى الكيان الإسرائيلي.
إذًا ما كان يجري الحديث عنه هو مجرد اتفاق أمني يؤدي فيما يؤدي إليه إلى انسحاب إسرائيلي من المنطقة العازلة التي دخلتها إسرائيل بعد ٨ كانون أول/ ديسمبر ٢٠٢٤ ويمنع التعديات الإسرائيلية على الجغرافيا السورية، وهذا مالا يبدو أنه في مخيال إسرائيل وهي التي أهالت التراب كلياً على اتفاق فض الاشتباك الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل عام ١٩٧٤ بعد حرب 6 تشرين أول / أكتوبر 1973.
وإسرائيل تدرك أيضًا أنها قد خرجت من حربها العدوانية على قطاع غزة منتفخة منتصرة حسب ما تقول، وأن قيام شرق أوسط جديد على قد ومقاس (نتنياهو) بات قاب قوسين أو أدنى من التحقق، في ظل الدعم الأميركي اللامحدود، الذي تقدمه إدارة (دونالد ترامب) للكيان الصهيوني.
وهي تعرف أيضًا أن كل الخطوات الأميركية التي تم لمسها مؤخرًا بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن لا تعني شيئًا عندما تصطدم بحائط الصد وهو ما يسمى الأمن القومي الإسرائيلي، باعتباره صاحب الاولوية لدى الأميركان عندما يتم مقاربته مع أي مصلحة أميركية مع أي دولة أخرى في المنطقة العربية عدا إسرائيل.
اليوم وبينما يتجه الوضع السوري الداخلي نحو إعادة قيامة الوطن السوري الموحد والمستقر، تجد إسرائيل نفسها، وبدعم أميركي، تتوجه إلى المزيد من الضغط السياسي والعسكري على دمشق، وصولًا إلى اتفاق وتفاهم أمني يحقق كل الشروط الإسرائيلية دون أن تجد من يردها او يمنعها من ذلك. ونجد أن الأمريكان يصمتون، ويتركون نتنياهو يحقق عسكريًا ما يريد دون ضغط جدي ودون أي تحرك قد يلجم إسرائيل عن ممارسة اعتداءاتها المتكررة على الاراضي السورية.
ويبدو أنه لا خيارات كثيرة أمام دمشق اليوم لإيقاف هذه العربدة الإسرائيلية سوى أمرين فقط، الأول هو مزيد من الحراك الدبلوماسي النشط، باتجاه أميركا وكل الدول العربية والاسلامية المقربة من الإدارة الأميركية، لتقوم بمحاولاتها ثني إسرائيل عن هذه التعديات، وإعادة مسار المفاوضات بين إسرائيل وسوريا إلى ما وصلت إليه، وفق حالة الرعاية الأميركية/ التركية ، والخيار الثاني هو ترك المجال للسوريين المدنيين ليقوموا بدورهم في المقاومة وفي مواجهة التعديات الإسرائيلية، دون أن تدخل الدولة السورية بجيشها ضمن أية مسارات حرب مع إسرائيل، قد تعود بالوبال والدمار على ما بقي من وطن سوري غير مدمر، بعد أن دمر المجرم الفار بشار الأسد ما ينوف عن ٦٥ بالمئة من البنية التحتية في سورية خلال أربعة عشر عامًا من عمر الثورة السورية . فكيف ستسير الآمور في قادم الأيام على جبهات السوريين مع إسرائيل؟ أسئلة كثيرة ضمن هذا السياق برسم المستقبل القريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى