انتهت الحرب.. كيف تنتهي داخلنا؟

سونير طالب

هناك حروب تنتهي عندما تصمت البنادق، وحروب أخرى تحتاج إلى وقت أطول كي تغادر المجتمع.

الأولى يمكن رؤيتها: جبهات تتوقف، وطرق تُفتح، ومدن تستعيد حركتها، ومؤسسات تبدأ في استعادة وظائفها. أما الثانية فتختبئ في التفاصيل اليومية: في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى بعضهم، وفي مقدار الثقة بالآخر، وفي سرعة تصديق الشائعة، وفي الحساسية تجاه الاختلاف، وفي الميل إلى تفسير الحاضر من خلال الماضي.

وهنا تبدأ المهمة الأصعب بعد الحرب: كيف يتحول المجتمع من حالة النجاة إلى حالة الحياة؟

التجارب التي سبقت المجتمعات الخارجة من الحروب والصراعات لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تقدم درساً أساسياً: الماضي لا يختفي عندما نتوقف عن الحديث عنه.

فالحرب لا تغيّر الخرائط وحدها، بل تغيّر العادات التي يعيش بها الناس. تعلّم الإنسان أن يكون حذراً، وأن يختار من يثق به، وأن يبحث عن الأمان في الدائرة الأقرب إليه. وفي زمن الحرب، قد تكون هذه السلوكيات مفهومة، بل ضرورية أحياناً. لكن المشكلة تبدأ عندما يستمر منطق الطوارئ بعد أن تتغير الظروف التي أنتجته.

عندها يصبح الشك عادة، والانغلاق حماية، والاختلاف مصدراً للقلق، والانتماء الضيق بديلاً عن الشعور بالمواطنة الأوسع.

وهذا ما يجعل مرحلة ما بعد الحرب مختلفة عن مجرد وقف الحرب. فإيقاف العنف يضع حداً لاستخدام السلاح، لكنه لا يضع بالضرورة حداً للمنطق الذي جعل السلاح ممكناً.

قد يتوقف القتال، بينما تستمر اللغة التي أنتجته. وقد تُغلق الجبهات، بينما تبقى داخل المجتمع جبهات أخرى أقل وضوحاً: ذاكرة مقسمة، وخوف متبادل، وروايات متناقضة، وشعور لدى جماعات مختلفة بأن أمنها لا يزال مرتبطاً ببقاء الآخرين ضعفاء.

لهذا فإن السؤال الحقيقي بعد الحرب ليس فقط: كيف نعيد بناء المدن؟ بل أيضاً: كيف نعيد بناء العلاقة بين الناس الذين سيعيشون فيها؟

التجارب التي سبقت المجتمعات الخارجة من الحروب والصراعات لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تقدم درساً أساسياً: الماضي لا يختفي عندما نتوقف عن الحديث عنه. وإذا لم يجد طريقاً منظماً إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، فقد يبحث عن طرق أخرى للعودة.

في المغرب، ارتبطت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة بكشف الحقيقة والتحقيق في الانتهاكات وجبر أضرار الضحايا. وفي كولومبيا، جاء مسار العدالة الانتقالية ضمن منظومة أوسع تجمع بين الحقيقة والعدالة والإصلاح والضمانات لمنع التكرار، مع إشراك الضحايا في العملية. أما تجربة جنوب أفريقيا، فعلى الرغم من مكانتها الرمزية في تاريخ المصالحة، فقد كشفت أيضاً عن حدود المصالحة حين يشعر بعض الضحايا بأن الاعتراف بالحقيقة لم يكن كافياً بالنسبة إلى العدالة التي كانوا ينتظرونها.

وهنا يكمن درس بالغ الأهمية: المصالحة لا تنجح بمجرد الدعوة إليها، ولا يمكن أن تقوم على تجاوز حقوق الضحايا.

فالمجتمع لا يحتاج إلى أن ينسى كي يعيش، وإنما يحتاج إلى طريقة عادلة للتعامل مع ما يتذكره.

في سوريا، لم يعد هذا النقاش نظرياً. فالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تعمل على مسارات تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، والإصلاح المؤسسي، وحفظ الذاكرة والمصالحة الوطنية، مع التأكيد على مشاركة الضحايا وذويهم في المسار. كما تؤكد الهيئة أن المسؤولية ينبغي أن تكون فردية، قائمة على القانون والأدلة، لا مسؤولية جماعية تُحمّل لمكوّن أو جماعة اجتماعية بأكملها.

وهذه ليست تفصيلاً قانونياً.

فالعدالة الحقيقية تفكك المسؤولية ولا تعممها.

إذا ارتكب شخص جريمة، فإن مسؤوليته لا تنتقل إلى عائلته. وإذا ارتكبت مجموعة من الأشخاص انتهاكات، فلا يجوز أن تتحول أفعالهم إلى حكم على مكوّن بأكمله. وإذا كان الماضي قد حمل جرائم وانتهاكات ارتكبها أفراد أو مؤسسات أو أطراف متعددة، فإن معالجته لا تكون بإنتاج مظلومية جماعية جديدة.

هنا تحديداً تؤدي العدالة وظيفة تتجاوز المحاسبة: إنها تمنع تحويل الجريمة إلى هوية، والضحية إلى جماعة، والجاني إلى ذريعة لكراهية جماعة أخرى.

وهذا هو الفارق الجوهري بين العدالة والثأر.

الثأر يحتاج إلى جماعة، ويبحث عن مسؤولية جماعية، ويعيش على توريث الغضب. أما العدالة فتبحث عن فعل محدد، ومسؤول محدد، ودليل محدد، وحكم يصدر وفق قواعد يعرفها الجميع.

لذلك فإن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها استمراراً للحرب بأدوات قانونية، بل بوصفها الطريقة التي ننهي بها منطق الحرب ونستبدله بمنطق الدولة.

الدولة مسؤولة عن إنشاء المسارات القانونية والمؤسساتية التي تجعل العدالة ممكنة، وعن حماية الضحايا والشهود، وحفظ الأدلة، وإتاحة الوصول إلى الحقيقة، ومنع المسؤولية الجماعية.

فالمجتمع الذي لا يجد طريقاً واضحاً إلى الحقيقة قد يترك الشائعة تقوم مقامها. والمجتمع الذي لا يجد طريقاً إلى المساءلة قد يبحث عن العدالة في الانتقام. والمجتمع الذي لا يعترف بآلام ضحاياه قد يترك الجرح ينتقل من جيل إلى آخر.

أما عندما يصبح هناك مسار واضح للحقيقة والعدالة وجبر الضرر، فإن الذاكرة تبدأ في تغيير وظيفتها.

لا تعود الذاكرة دعوة إلى الكراهية، بل تصبح سجلاً يمنع الإنكار. ولا يعود الضحية مضطراً إلى إثبات إنسانيته بالصراخ، بل يصبح حقه جزءاً من عمل مؤسسات الدولة. ولا يعود الاعتراف بالمأساة تنازلاً من طرف لطرف، بل يصبح اعترافاً بأن الدولة الجديدة لا يمكن أن تُبنى فوق إنكار آلام مواطنيها.

ولهذا تحتاج سوريا إلى فصل واضح بين العدالة والكراهية.

يمكن للإنسان أن يطالب بحقوقه كاملة من دون أن يكره مكوّناً بأكمله. ويمكنه أن يطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات من دون أن يحمّل أبناءهم مسؤولية أفعالهم. ويمكنه أن يتمسك بذاكرة عائلته وكرامتها من دون أن يحوّل هذه الذاكرة إلى مشروع دائم للخصومة.

هذه ليست مثالية أخلاقية بعيدة عن الواقع. إنها مصلحة اجتماعية مباشرة.

فالكراهية الجماعية لا تحل قضية ضحية، وإنما تصنع ضحايا جدداً. والتجييش الطائفي لا يعيد حقاً سُلب من أحد، وإنما يجعل كل جماعة تنظر إلى العدالة باعتبارها تهديداً لها. والثأر لا يبني دولة تستطيع حماية مواطنيها، لأنه يعيد تعريف القانون وفق ميزان القوة.

أما العدالة الفردية والمؤسسية فتفعل العكس تماماً: تنقل المجتمع من سؤال «من ينتمي إلى من؟» إلى سؤال «ماذا حدث؟ ومن المسؤول عنه؟ وما حق الضحية؟».

وهذا الانتقال في طريقة التفكير قد يكون من أهم التحولات التي تحتاجها سوريا.

فالمرحلة الجديدة لا تحتاج إلى مجتمع بلا ذاكرة، وإنما إلى ذاكرة لا تتحول إلى سلاح.

ولا تحتاج إلى مصالحة مصطنعة تُطلب من الناس قبل أن يعرفوا الحقيقة، وإنما إلى مصالحة تنشأ تدريجياً من الاعتراف والإنصاف.

ولا تحتاج إلى خطاب يطلب من السوريين أن يتناسوا اختلافاتهم، بل إلى دولة تجعل الاختلاف أقل خطراً.

الدولة الحديثة لا تلغي الاختلاف؛ إنها تمنع الاختلاف من التحول إلى مأساة.

وهذا يبدأ من المدرسة قبل المحكمة، ومن الإعلام قبل المنصة السياسية، ومن الحي قبل المؤسسة المركزية.

فالمدرسة تستطيع أن تعلّم الأطفال تاريخ بلدهم من دون صناعة أجيال جديدة من الضغائن. والإعلام يستطيع أن يتعامل مع الوقائع بوصفها وقائع، لا وقوداً للاستقطاب. والخطاب العام يستطيع أن يتوقف عن استخدام مفردات التعميم التي تحوّل المسؤولية الفردية إلى وصمة جماعية.

ويمكن للمؤسسات أن تجعل الحقيقة قابلة للتحقق، لا مادة متروكة للشائعات.

كما أن جبر الضرر لا ينبغي اختزاله في التعويض المالي، على أهميته. بعض الأضرار تحتاج إلى اعتراف علني، وبعضها يحتاج إلى إعادة حقوق، وبعضها إلى كشف مصير مفقود، وبعضها إلى إعادة اعتبار لعائلة عاشت سنوات وهي تحمل وصمة لم تكن مسؤولة عنها.

ولهذا فإن ملف المفقودين ليس تفصيلاً في عملية التعافي. فمعرفة مصير من غابوا، وكشف الحقيقة لعائلاتهم، وحفظ الأدلة والذاكرة، كلها أجزاء من إنهاء حالة الانتظار التي خلّفتها الحرب. والعدالة لا تبدأ فقط عندما يصدر الحكم؛ فقد تبدأ أحياناً عندما تعرف عائلة الحقيقة التي انتظرتها سنوات.

لكن بناء المستقبل لا يتطلب إغلاق الماضي بسرعة، بل إدارته بعدالة حتى لا يبقى مفتوحاً على الاحتمالات الأسوأ.

وهنا تظهر مسؤولية الدولة والمجتمع معاً.

الدولة مسؤولة عن إنشاء المسارات القانونية والمؤسساتية التي تجعل العدالة ممكنة، وعن حماية الضحايا والشهود، وحفظ الأدلة، وإتاحة الوصول إلى الحقيقة، ومنع المسؤولية الجماعية.

والمجتمع مسؤول عن ألّا يحوّل هذه العملية إلى سوق للكراهية، وألّا يسمح للشائعات بأن تسبق التحقيق، وألّا يجعل من مأساة كل ضحية مبرراً لإدانة ملايين الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالجريمة.

إنها عملية دقيقة، لكنها ليست مستحيلة.

بل إن نجاحها قد يكون أحد الاختبارات الحقيقية لمرحلة ما بعد الحرب: هل نستطيع أن نبني دولة يكون فيها القانون هو الوسيط بين الذاكرة والمستقبل؟

إذا نجحنا في ذلك، يمكن للعدالة أن تؤدي وظيفة تتجاوز الماضي. يمكنها أن تعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة: بدلاً من أن يكون مضطراً إلى البحث عن الأمان في جماعته، يصبح الأمان في القانون؛ وبدلاً من أن يحتاج إلى حماية روايته بالشائعة، يصبح قادراً على الوصول إلى الحقيقة عبر مؤسسة؛ وبدلاً من أن يرث الطفل خصومة آبائه، يرث منهم درساً عن الدولة التي كان ينبغي أن تحميهم جميعاً.

ليس المطلوب أن ننسى، ولا أن نتوقف عن المطالبة بالحقوق، ولا أن نطلب من الضحايا تجاوز جراحهم بالسرعة التي تناسب الآخرين.

المجتمع لا يتعافى حين ينسى جراحه، وإنما حين يتعلم كيف يمنع جراحه من أن تصبح جراحاً جديدة.

بل المطلوب أن يصبح ممكناً لكل صاحب حق أن يأخذ حقه عبر القانون، ثم يترك القانون للمجتمع مساحة للعيش.

لقد علّمت الحرب السوريين كثيراً من الأشياء التي لا ينبغي أن تستمر: الخوف من الاختلاف، وسرعة الشك، والبحث عن النجاة داخل الدوائر الضيقة، وتحويل الذاكرة إلى موقف دائم.

لكنها تركت أيضاً درساً أكثر أهمية: أن المجتمع الذي لا يملك مؤسسات عادلة يظل معرضاً لأن تتحول خلافاته إلى أزمات أكبر من قدرته على احتوائها.

لذلك فإن بناء سوريا الجديدة لا يكتمل بإعادة إعمار المدن وحدها، ولا بإعادة تشغيل الاقتصاد، ولا بإصلاح الإدارة.

ثمة إعادة إعمار أخرى يجب أن تحدث في العلاقة بين السوري والسوري: إعادة بناء الثقة، لا على أساس النسيان، بل على أساس الحقيقة؛ ولا على أساس التسامح القسري، بل على أساس العدالة؛ ولا على أساس التشابه، بل على أساس قبول الاختلاف.

عندها فقط يمكن للذاكرة أن تأخذ مكانها الطبيعي: نحتفظ بها كي نعرف ما الذي حدث، ونواجهها كي نمنع تكراره، وننصف ضحاياها كي لا يشعر أحد أن كرامته قابلة للمساومة، ثم نترك للحياة أن تمضي.

فالمجتمع لا يتعافى حين ينسى جراحه، وإنما حين يتعلم كيف يمنع جراحه من أن تصبح جراحاً جديدة.

وربما تكون هذه هي النهاية الحقيقية للحرب: أن يصبح القانون أقوى من الذاكرة الانتقامية، والحقيقة أقوى من الشائعة، والاختلاف أقل خطراً من الكراهية، والعدالة طريقاً إلى المستقبل لا باباً للعودة إلى الماضي.

عندها فقط يمكن أن نقول إن الحرب لم تتوقف خارجنا فحسب، بل بدأت تنتهي داخلنا أيضاً.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى