اختناقات دمشق المرورية: صرخة في وجه الفوضى الحضرية

​د. أمين صعب

​تضعنا المقاربة التحليلية التي طرحتها كندة حواصلي حول أزمة السير والمرور في دمشق أمام مرآة كاشفة لواقع حضري وبيئي بلغ مراحل حرجة للغاية. إن القفزة الهائلة في أعداد السيارات خلال عام واحد (من 2.5 مليون إلى 3.6 مليون) دون أي ظهير استراتيجي من سياسات توسيع الشوارع، أو تحديث البنى التحتية، أو فرض شروط إلزامية لتأمين مواقف السيارات في الأبنية الحديثة، قد حولت شوارع العاصمة إلى ساحات اختناق دائم تهدد جودة الحياة واستقرار النسيج المجتمعي.

​من منظور تخطيطي وعمراني، تتجاوز هذه الأزمة كونها مجرد تكدس آلي لتعبر عن خلل بنيوي عميق في إدارة الفضاء العام. فلنستعرض أبرز ملامح هذه الكارثة التي فصلتها الكاتبة بدقة وموضوعية:

١- ​تآكل الحيز العام: احتلال الأرصفة والممنصفات والجزيرات الوسطية من قبل السيارات المركونة وعربات البيع العشوائية، ما يحرم المشاة — وخاصة الأمهات والأطفال — من أبسط حقوق التنقل الآمن.

٢- ​شلل حركة المرور والخدمات: تحول الطرقات الداخلية إلى مسارب ضيقة بفعل الركن العشوائي لخمس أرتال من السيارات، مما يعيق وصول سيارات الإسعاف والمشافي ويغلق مداخل الأبنية والكراجات.

٣- ​السيارات المهملة والمركبات المتهالكة: انتشار الهياكل القديمة التي تحولت إلى مخازن متنقلة أو بؤر بيئية مهملة، بالتوازي مع استمرار تسيير مركبات تعود لفترات السبعينات وما قبلها دون أي معايير أمان أو صيانة.

٤- ​الفوضى المرورية واجتياح الدراجات: غياب الردع الفعلي لمخالفات الدراجات النارية التي تسير عكس الاتجاه وفوق الأرصفة بلا لوحات، إضافة إلى تنامي ظاهرة استيراد سيارات ذات أحجام ضخمة لا تتناسب نهائياً مع سعة الشوارع الدمشقية التاريخية.

٥- ​الاختناق البيئي وتدني خدمات النقل: تفاقم التلوث الناتج عن عوادم المركبات المتهالكة والباصات القديمة التي تجاوزت عمرها الافتراضي، مقابل غياب شبكة نقل عام كفؤة تليق بكرامة المواطن وتغنيه عن استخدام سيارته الخاصة.

٦- ​حلول غير عادلة: تحول المواقف المأجورة إلى امتياز طبقي يكرس تجاهل الفئات الواسعة من المجتمع لصالح القادرين مالياً.

​إن هذا الاستنزاف المستمر لجسد دمشق وعمرانها يتطلب وقفة جادة ومسؤولة من كافة الجهات المعنية لتكون أزمة المواصلات والسير على رأس أولويات العمل الحكومي والمحلي. إننا بحاجة ماسة لسياسات جريئة تعيد الاعتبار للتخطيط الحضري المستدام، وتضبط حركة الاستيراد، وتوفر بدائل نقل جماعي ذكية، وتحمي الفضاء العام قبل أن يفقد ما تبقى من هويته وملامحه الحضرية…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى