
بالنسبة لمريض السرطان، لا تبدأ رحلة العلاج عند باب المستشفى ولا تنتهي بخروجه منه. ففي مناطق واسعة من الشمال السوري، قد يحتاج المريض إلى قطع مئات الكيلومترات للحصول على جلسات العلاج الشعاعي، في رحلة تتكرر لأسابيع، وتفرض عليه أعباء إضافية تتعلق بالسفر والإقامة والتكاليف والابتعاد عن أسرته.
سليمان، البالغ من العمر 73 عاماً، أحد هؤلاء المرضى. بدأت قصته عام 2022، عندما دفعه شعوره بآلام في أثناء التبول إلى مراجعة الطبيب، حيث أظهرت الفحوصات وجود ورم في المثانة، قبل أن تؤكد الخزعة إصابته بالسرطان.
خضع سليمان لعملية لاستئصال الورم، ثم تلقى العلاج الكيميائي، وبعد الانتهاء منه أُحيل إلى العلاج الشعاعي.
عندما سأل عن مكان توفر العلاج، أُبلغ بوجوده في مشفى البيروني بدمشق، فتوجه إليها قاطعاً نحو 300 كيلومتر من إدلب، في رحلة استغرقت نحو ثلاث إلى أربع ساعات. وبعد ذلك، انتقل إلى اللاذقية، حيث خضع لنحو 30 جلسة علاج شعاعي.
لم يكن العلاج رحلة قصيرة بالنسبة إليه؛ فقد اضطر إلى استئجار منزل والإقامة في اللاذقية نحو 45 يوماً، نظراً إلى حاجته إلى جلسات متكررة. وخلال فترة العلاج، تعطل جهاز العلاج الشعاعي الموجود هناك، بحسب روايته، ما أدى إلى تأخير بعض الجلسات وزاد مدة بقائه بعيداً عن منزله.
يقول سليمان إن أصعب ما واجهه لم يكن العلاج بحد ذاته، وإنما المسافة والابتعاد عن عائلته والتنقل المستمر. ويرى أن وجود مركز للعلاج الشعاعي بالقرب من مكان سكنه كان سيخفف عنه كثيراً من الأعباء النفسية والجسدية.
رحلة تتكرر مع مرضى آخرين
تجربة سليمان ليست حالة منفردة. هناء، البالغة من العمر 45 عاماً من مدينة الباب، بدأت رحلة علاجها قبل نحو عام ونصف، بعد تشخيص إصابتها بالسرطان، وهو خبر تقول إنه شكّل صدمة لها، خصوصاً أنها لا تملك تاريخاً عائلياً معروفاً للمرض.
تتلقى هناء علاجها في دمشق، وتضطر إلى السفر بشكل متكرر من الباب، في رحلة تستغرق نحو خمس ساعات، برفقة والدتها وابنها البالغ من العمر 16 عاماً.
تصف هناء تأثير رحلة العلاج عليها بالقول إنها “أرهقتها صحياً بشكل كبير جداً”، مضيفة: “لولا يقيني بالله وصبري لكنت انتهيت”.
ومع ارتفاع تكاليف العلاج والمعيشة، اضطرت إلى طلب المساعدة المالية من الأقارب وغيرهم، في حين تقول إن مرضها أثقل كاهل والدتها وابنها اللذين يرافقانها في رحلات العلاج.
وتشير إلى أن وجود العلاج الشعاعي بالقرب من المرضى “أفضل وضروري، لكنه غير كافٍ”، لأن مريض السرطان يواجه أعباء أخرى مرتبطة بتكاليف العلاج والأدوية والفحوصات والمتابعة المستمرة.
أكثر من نصف مرضى السرطان قد يحتاجون إلى العلاج الشعاعي
العلاج الشعاعي ليس علاجاً ثانوياً في مسار علاج السرطان، بل يُستخدم إلى جانب الجراحة والعلاج الكيميائي والمناعي في أنواع متعددة من الأورام، وقد يكون علاجاً أساسياً لبعض الحالات أو وسيلة للسيطرة على المرض وتخفيف الأعراض في حالات أخرى.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من نصف مرضى السرطان قد يحتاجون إلى العلاج الشعاعي في مرحلة من مراحل علاجهم، ما يجعل توفر هذه الخدمة جزءاً أساسياً من منظومة علاج الأورام.
لكن توفير العلاج الشعاعي لا يعتمد على الجهاز وحده؛ فالمراكز تحتاج إلى بنية تحتية مناسبة، وكوادر طبية وفنية متخصصة، وأنظمة للصيانة وضمان الجودة، إضافة إلى تأمين التشغيل المستمر.
ويقول طبيب الأورام الدكتور محمد مواس إن العلاج الشعاعي يشكل جزءاً مهماً من الخطة العلاجية لعدد من السرطانات، وقد يُستخدم بشكل مشترك مع العلاج الكيميائي، أو بعد الجراحة، أو بعد العلاج الكيميائي، بحسب نوع الورم وحالة المريض.
ويضيف أن تأخر العلاج الشعاعي قد يؤثر في الخطة العلاجية لبعض الحالات، خصوصاً عندما يكون العلاج مطلوباً ضمن فترة زمنية محددة بعد الجراحة أو العلاج الكيميائي.
وبحسب مواس، فإن المشكلة في الشمال السوري لا تتعلق فقط بنقص الأجهزة، وإنما تشمل أيضاً الحاجة إلى الكوادر المتخصصة والتدريب والصيانة والبنية التحتية اللازمة لتشغيل الخدمة بشكل مستدام.
نقص الأجهزة وطوابير الانتظار
في الشمال السوري، لا تتوفر حالياً خدمة حكومية للعلاج الشعاعي، بحسب مدير دائرة الأمراض السرطانية في وزارة الصحة السورية، الدكتور جميل الدبل.
ويشير الدبل إلى أن خدمات العلاج الإشعاعي الحكومية تتركز حالياً في دمشق واللاذقية وحماة، مع وجود مراكز خاصة في دمشق، موضحاً أن عدد الأجهزة الحكومية يبلغ نحو أربعة أجهزة.
وتسجل سوريا سنوياً ما بين 17 و20 ألف إصابة جديدة بالسرطان، وفق تقديرات وزارة الصحة، في وقت لا يتوافر فيه سوى أربعة أجهزة مسرّع خطي للعلاج الشعاعي في المشافي الحكومية، وهو نقص يقول مدير إدارة أمراض السرطان في الوزارة، جميل الدبل، إنه يؤدي إلى طول فترات انتظار المرضى للحصول على العلاج.
ويضيف أن نقص أجهزة العلاج الشعاعي يمثل أحد أبرز التحديات أمام توسيع الخدمة، مشيراً إلى أن التقديرات التخطيطية للحاجة في سوريا تصل إلى عشرات الأجهزة، مقارنة بالعدد المتوفر حالياً.
وفي تقديرات تخطيطية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يُستخدم معدل جهاز علاج شعاعي واحد لنحو 250 ألف نسمة مرجعاً في بعض سياقات التخطيط، مع اختلاف الاحتياجات بحسب نوع الجهاز وقدرته التشغيلية والموارد المتاحة.
مشاريع جديدة، لكن الخدمة لم تصل بعد
تسعى وزارة الصحة إلى زيادة عدد أجهزة العلاج الشعاعي تدريجياً، من خلال خطط تتضمن إضافة أجهزة في حلب ودمشق، وإنشاء مركز للأورام في دير الزور، إلى جانب العمل على توفير أجهزة في مناطق أخرى، بينها إدلب.
وفي سراقب، شرقي إدلب، يجري العمل على مشروع لإنشاء مركز للعلاج الشعاعي، وقد وُضع حجر الأساس للمشروع بحضور وزير الصحة.
لكن المشروع لم يدخل الخدمة حتى الآن، وما يزال في مراحل التخطيط والتنفيذ، وبالتالي لا يقدم حالياً جلسات العلاج الشعاعي للمرضى.
ويقول الدبل إن الوزارة تنظر إلى المشروع بإيجابية وتشجع إنشاءه، مشيراً إلى أن المنظمات الإنسانية يمكن أن تسهم في دعم هذا القطاع، إلا أن إنشاء مراكز العلاج الشعاعي وتشغيلها يحتاجان إلى موارد كبيرة وتجهيزات متخصصة وكوادر مؤهلة.
وكانت الجمعية الطبية السورية الأميركية «سامز» قد أسهمت في دعم مركز العلاج الشعاعي في حماة بجهاز، في حين تبحث إمكانية تقديم دعم إضافي لأجهزة أخرى، بينها جهاز لمشروع سراقب.
المشكلة أبعد من المسافة
بالنسبة لمرضى السرطان، قد يبدو توفير جهاز للعلاج الشعاعي في منطقة قريبة حلاً مباشراً لمشكلة السفر، لكنه لا ينهي جميع التحديات.
فالمريض يحتاج إلى مركز قادر على العمل بشكل مستمر، وكوادر مؤهلة، وصيانة للأجهزة، وأدوية وفحوصات، إضافة إلى القدرة على تحمل تكاليف العلاج والتنقل والإقامة.
سليمان اضطر إلى مغادرة منزله والإقامة في محافظة أخرى لأسابيع من أجل إكمال جلساته، في حين لا تزال هناء تقطع الطريق إلى دمشق بشكل متكرر للحصول على علاجها.
وفي حين تنتظر مشاريع جديدة، من بينها مركز سراقب، اكتمال مراحلها ودخولها الخدمة، يبقى توفير العلاج الشعاعي في الشمال السوري جزءاً من حاجة أوسع: أن يحصل مريض السرطان على علاجه في الوقت المناسب، وبأقل قدر ممكن من الأعباء التي تفرضها عليه رحلة البحث عن العلاج.
المصدر: تلفزيون سوريا






