
ربّما سيكتب أحد مؤرّخي الحرب في لبنان مستقبلاً عن تلّة علي الطاهر كما يُكتب عن مرتفع مون سان جان في واترلو أو شاطئ النورماندي. موقع صغير على الخريطة اكتسب خلال الحرب معنى أكبر بكثير من حجمه، وتحوّل اسمه إلى عنوان لمعركة كاملة. والمفارقة أنّ لبنانيين جنوبيين لم يكونوا يسمعون باسم علي الطاهر قبل أن تتحوّل التلّة فجأة إلى واحدة من أكثر النقاط حضوراً في الخطاب العسكري والإعلامي الإسرائيلي، وإلى عنوان يكاد يختصر المعركة في جزء واسع من الجنوب.
والواقع أنّ إسرائيل لم تكتفِ باستهداف التلّة، بل حوّلتها إلى هدف عسكري وسياسي وإعلامي بامتياز، ولم يكن هذا التضخيم بالضرورة ضرورياً لإثبات أهمّية التلّة، فهي مهمّة بطبيعتها، بحكم موقعها وإشرافها على مساحة واسعة من النبطية وإقليم التفّاح ومحيط الليطاني والطرق الممتدّة في الجنوب، لكنّ المشكلة بالنسبة إلى حزب الله لم تكن في أنّ إسرائيل أعطت التلّة حجماً كبيراً، بل في أنّه لم ينجح في التعامل مع الرواية الإسرائيلية عنها كما ينبغي. لم يكن مطلوباً من الحزب، بطبيعة الحال، أن يكشف خلال الحرب طبيعة منشآته أو حجم ما يخزّنه فيها، ولكن كان يمكنه أن يواجه، سياسياً وإعلامياً، الصورة التي قدّمتها إسرائيل عن التلّة، باعتبارها من أهمّ منشآت الحزب وأكبرها، وربّما كان هذا التوصيف صحيحاً. ترك هذه الرواية من دون تفكيك أو ردّ واضح جعل التلّة تتحوّل تدريجياً من موقع عسكري مهمّ إلى ما يشبه الرمز الذي تتجمّع حوله رواية إسرائيل عن البنية العسكرية للحزب في هذه المنطقة.
من الواضح أنّ الحرس الثوري الإيراني كان ولا يزال جزءاً أساسياً من منظومة القرار والتخطيط والتسليح لدى حزب الله
هنا يصبح السؤال أكثر دقّة: ماذا كانت تلّة علي الطاهر بالنسبة إلى حزب الله فعلاً؟ هل كانت منشأة استراتيجية كبيرة للتخزين والقيادة والإسناد، أم كانت في الأساس موقعَ انتشار وملاذاً متقدّماً لمقاتلين كثيرين؟ وماذا لو كان الحزب قد طلب من المقاتلين مغادرتها بعد انكشافها لكنّ جلّهم رفض وآثر البقاء فيها والقتال؟ لا يمكن في خضمّ الحرب انتظار إجابة كاملة عن هذا السؤال، ولا يصحّ افتراضها من المعطيات العلنية وحدها، لكن ما يصحّ قوله إنّ غياب الردّ على الادّعاءات الإسرائيلية ترك الباب مفتوحاً أمام رواية واحدة لتفسير أهمية الموقع، هي الرواية الإسرائيلية.
الأهمّ أنّ النقاش حول “علي الطاهر” لا ينبغي أن يتحوّل إلى استعادة حرفية لمفهوم التلال الحاكمة، كما كان سائداً في حروب سابقة. لا تزال الجغرافيا مهمّة، والمرتفعات لا تفقد قيمتها العسكرية، لكنّ الحرب الحديثة غيّرت معنى السيطرة عليها. في زمن المسيّرات والاستطلاع المستمرّ وأجهزة الرصد والقدرة على ضرب الأهداف من مسافاتٍ بعيدة، لم يعد امتلاك تلّة مرتفعة كافياً وحده للتحكّم في النبطية أو محيطها. باتت السماء طبقة أخرى من ميدان المعركة، والمسيّرات التي لا تتوقّف عن الاستطلاع تجعل الحركة والتمركز والانكشاف مسائلَ مختلفة تماماً عمّا كانت عليه قبل سنوات.
من هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا تعني “علي الطاهر”؟ بل يتعدّاه إلى: ماذا بعدها؟ إذا افترضنا أنّ إسرائيل تمتلك القدرة العسكرية على إسقاط التلّة أو تثبيت سيطرتها عليها، فما الذي يلي هذا؟ هل يكون الهدف التالي الدفع باتجاه إقليم التفّاح؟ هل تصبح النبطية نفسها هدفاً سياسياً وعسكرياً مباشراً؟ أم أنّ السيطرة على المرتفع ليست سوى جزء من حزام أوسع يراد منه إعادة تشكيل المجال العسكري الممتدّ من الحدود إلى شمال الليطاني؟ لا توجد حتّى الآن معطيات علنية تكفي للقول إنّ إسرائيل قرّرت مساراً واحداً ونهائياً، لكنّ سلوكها في المنطقة يوحي بأنّ المسألة تتجاوز الرغبة في احتلال نقطة مرتفعة إلى محاولة بناء واقع أمني جديد على الأرض. يظهر هنا استفهام آخر بخصوص ما إذا كان الحزب سيعلن التعبئة العامّة في حال سقوط التلّة، ومن ورائها النبطية، بالنظر إلى استشعاره تهديداً وجودياً تصل فيه إسرائيل إلى العاصمة اللبنانية.
تبرز اليوم أسئلة أكثر إحراجاً بالنسبة إلى القراءة العسكرية المتداولة عن حزب الله. هل يعقل أن تكون منشأته الأكبر، أو واحدة من أكبر منشآته، في موقع قريب نسبياً من الحدود ومنكشف إلى هذا الحدّ؟ وهل يعقل أن تكون البنية العسكرية في الجنوب قائمة على منشأة واحدة يمكن أن تتحوّل إلى عنوان رئيس في الاستهداف الإسرائيلي؟ الأرجح أنّ التفكير العسكري لا يعمل بهذه الطريقة، خصوصاً بالنسبة إلى تنظيم خاض حرباً طويلة واكتسب خبرة واسعة في مواجهة التفوّق الجوي والاستخباري الإسرائيلي. ومن ثمّ، قد يكون افتراض أنّ تلّة علي الطاهر تختصر وحدها البنية العسكرية للحزب في هذه المنطقة أقرب إلى القراءة الدعائية منه إلى القراءة العسكرية.
لماذا القطاع الشرقي؟ إذا كان الهدف الإسرائيلي كشف بنية حزب الله وتفكيكها، فلماذا بدا التقدّم في بعض أجزاء القطاع الشرقي أكبر ممّا كان عليه في غيرها، ولماذا اتخذت العمليات في القطاع الغربي أشكالاً مختلفة ليست بالعمق نفسه؟ لا يكفي تفسير ذلك بالجغرافيا وحدها، فالحركة العسكرية الإسرائيلية لا تعكس فقط طبيعة الأرض، بل أيضاً تقديرات الاستخبارات، ومواقع الأهداف، ومستوى المقاومة، وحسابات الكلفة والربح، ولذلك قد تقود قراءة الخريطة من دون قراءة ما وراءها إلى استنتاجات خاطئة.
ثمّ يأتي السؤال الأوسع، والأكثر أهمّية: ماذا يوجد شمالي نهر الليطاني؟ تلّة علي الطاهر نفسها تقع شمالي النهر، وهذه الحقيقة وحدها كافية لتذكيرنا بأنّ النقاش حول سلاح حزب الله ومنشآته لا يمكن اختزاله في المنطقة الحدودية. لقد انكشفت خلال هذه الحرب مناطق واسعة جنوب الليطاني، وتعرّضت مواقع ومساحات عمرانية وعسكرية لضربات غير مسبوقة، ومع ذلك بقي السؤال قائماً حول البنية التي لم تظهر بعد. ما الذي بقي في الشمال؟ وما حجم هذه البنية؟ وهل أعيد توزيعها قبل الحرب أم خلالها؟ وهل ما نراه اليوم من ضربات وتدمير يمثّل الجزء الأكبر من المنظومة، أم أنّ الجزء الأكثر حساسية منها لا يزال خارج المشهد؟
تصبح هذه الأسئلة أكثر تعقيداً حين نضع في الاعتبار حجم النفوذ الإيراني في القرار العسكري لحزب الله. فمن الواضح أنّ الحرس الثوري الإيراني كان ولا يزال جزءاً أساسياً من منظومة القرار والتخطيط والتسليح لدى الحزب، لكن المشكلة أنّ أي تحليل جدّي يحتاج إلى معلومة لا تزال غير متاحة بصورة واضحة، وهي ببساطة: ماذا يملك حزب الله اليوم، لا ماذا خسر فقط؟ فالمعلومات التي ظهرت خلال الحرب تكشف جانباً من قدراته ومنشآته، لكنّها لا تكشف بالضرورة كامل ما تبقّى لديه، ولذلك فإنّ السؤال الأكثر أهمية ليس لماذا ضُربت تلّة علي الطاهر، بل لماذا لم تظهر حتّى الآن كلّ نتائج الحرب على البنية العسكرية للحزب، ولماذا بقي جزء من هذه البنية خارج الصورة؟
وهنا تحديداً تصبح الحرب اللبنانية جزءاً من حرب أكبر بكثير من حدود لبنان. فاعتبار ما يجري حرباً عالمية على إيران وحلفائها ليس مبالغة في توصيف المشهد، حتّى لو اختلفت ساحات المواجهة وأدواتها. وفي الحالة اللبنانية، تحديداً، فإنّ حجم الضربات والتحوّلات التي أصابت حزب الله يطرح للمرّة الأولى منذ سنوات سؤالاً أكثر عمقاً من سؤال السلاح والقدرة العسكرية، وهو سؤال الرواية السياسية والأيديولوجية التي قامت عليها علاقة الحزب بإيران.
حجم الضربات والتحوّلات التي أصابت حزب الله يطرح سؤال الرواية السياسية والأيديولوجية التي قامت عليها علاقة الحزب بإيران
المسألة هنا ليست في قوّة العلاقة بين حزب الله وإيران، فهذه العلاقة تبدو أكثر رسوخاً من أن تهزّها معركة واحدة، بل في الرواية التي قدّمها الحزب لجمهوره طوال سنوات عن معنى هذه العلاقة، وعن موقع لبنان داخل مشروع أوسع، وعن قدرة محور المقاومة على فرض معادلاته عندما تبدأ الحرب، فإذا كانت الحرب قد أظهرت حدوداً معيّنة لهذه القدرة، كما أظهرت في الوقت نفسه قدرة إيران على الاستمرار في القتال وإدارة جبهات متعدّدة، فإنّ النقاش المُقبل لن يكون فقط حول من ربح ومن خسر، بل حول ما إذا كانت الرواية التي حملها الحزب إلى جمهوره تحتاج إلى إعادة صياغة جذرية.
وإذا خرجت إيران من هذه الحرب منتصرة، وهو احتمال لا يمكن استبعاده، لن يبقى انتصارها محصوراً في إيران. فمن الحتميات السياسية والاستراتيجية أن ينعكس على حلفائها، وفي مقدّمتهم حزب الله وجماعة أنصار الله، لأنّ نتيجة الحرب ستعيد تعريف موقع المحور كلّه. وفي المقابل فإنّ خروج إيران باليد العليا سيضع إسرائيل أمام مأزق حقيقي، لأنّ الولايات المتحدة التي ستخرج من هذه الحرب وهي أكثر إدراكاً لكلفتها العسكرية والاقتصادية لن تكون بالضرورة مستعدّة للعودة إلى المستنقع نفسه وتكرار المحاولة بالطريقة ذاتها. وربّما يصبح السؤال عن الدور الأميركي في المنطقة من أهمّ النتائج لهذه الحرب، ولا يقلّ أهمية عن نتائجها العسكرية المباشرة.
ليست “علي الطاهر” قصّة تلّة فقط. إنّها نقطة صغيرة على خريطة أكبر بكثير. من هذه التلّة إلى النبطية، ومن النبطية إلى الإقليم، ومن الإقليم إلى إيران، تبدو الخلاصة واحدة: هذه حرب يصعب أن تنتهي بسردية رمادية يبقى فيها الجميع على حاله، وتبقى إسرائيل وإيران والولايات المتحدة وحلفاؤهم في الموقع نفسه الذي كانوا فيه قبلها. الحروب الكُبرى لا تنتهي دائماً بانتصار كامل لطرف وهزيمة كاملة لآخر، لكنّها تترك في العادة طرفاً أكثر قدرة على فرض تعريفه للمرحلة المقبلة، ولذلك ستعني نهاية هذه الحرب، مهما طالت، على الأرجح أنّ أحد الطرفين سيخرج غالباً على حساب الآخر، لا بمعنى إعلان نصر عسكري بسيط، بل بمعنى أن يتغيّر موقعه وهُويّته وقدرته على الحركة ومستقبله السياسي تغييراً جذرياً. وما بعد “علي الطاهر”، في هذا المعنى، ليس بالضرورة ما سيحدث للتلّة، بل ما سيحدث للبنان والمنطقة، بعد أن تنتهي الحرب التي جعلت من تلّة واحدة اختباراً لمعركة أكبر بكثير من حدودها.
المصدر: العربي الجديد






