
حين انسحب ترامب من الصفقة النووية السابقة مع إبران، أعلن أنه سيسعى لعقد صفقة لا تتضمن كل التنازلات التي وقع عليها باراك أوباما لصالح إيران. واعتبر أن القيود التي كانت تفرضها الصفقة على البرنامج النووي الإيراني ستنتهي تدريجياً، وأن الاتفاق لا يضع قيوداً كافية على الصواريخ الباليستية ولا يتعامل مع النفوذ الإيراني الإقليمي، كما انتقد نظام التفتيش وآليات التحقق.
بعد سنوات من سياسة “الضغط الأقصى”، ثم حرب “الغضب الملحمي”، تجد إدارة ترامب نفسها أمام ضرورة البحث عن صيغة تنهي المواجهة، وتموه الفشل في تحقيق أهداف الغضب. ولم تتمكن المفاوضات تحت دوي قصف الطيران، وكذلك الحصار البحري من التوصل مع إيران إلى صفقة تقارب “صفقة اوباما”. وتراجع الغضب، وأخلى مكانته الملحمية للتهديدات التي بلغت يوماً حد “محو الحضارة الفارسية” من الوجود. فخرج أمس وزير الخزانة سكوت بيسينت ليعلن الانتقال إلى “الغضب الاقتصادي”، وأن الوزارة بصدد إعداد عقوبات “لم تفرض سابقاً على إيران”، وأنها ستكون مزيجًا من “عزلة اقتصادية لم يشهد العالم مثيلًا لها”، واستمرار حصار مضيق هرمز، “بما لن يسمح بدخول أي شيء إلى الموانئ الإيرانية أو الخروج منها”.
نظام الملالي الذي يدهش الجميع، ما عدا الأنظمة التسلطية المشابهة في روسيا وكوريا الشمالية والصين، بقدرته على الضرب بعرض الحائط بما يصيب الإيرانيين من ويلات “صموده” في الحرب، يعلن أنه على استعداد لمواصلة الصراع مع الولايات المتحدة حتى نهاية ولاية ترامب العام 2029. ولا يساور الشك أحداً أن النظام الذي قتل عشرات الألوف من الإيرانيين قبل اندلاع الحرب بأسابيع، لن يتوانى عن تنفيذ وعده بالإلتزام باستراتيجيته هذه.
“صمود” نظام الملالي هذا، يضع الأميركيين أمام معضلة البحث عن مخرج من هذه الحرب يتفادى الإقرار العلني بالفشل في بلوغ أهدافها الأولية. ولم يعد الأمر يقتصر على السياسيين منهم، بل أخذ كبار قادة الحرب الأميركيين يبحثون عن الخروج منها. فقد نقلت وسائل الإعلام في 8 الجاري عن مصادر شبكة CNN الأميركية قولها إن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال دان كين، يرى أن مزيدًا من التصعيد مع إيران لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع، ولن يفضي إلى تحقيق الأهداف المحددة. وتضيف المصادر، أن الجنرال كان خلال الأسابيع القليلة الماضية يوضح لمستشاري الرئيس دونالد ترامب أن الضربات الجوية وحدها لن تكون كافية لتحقيق الأهداف المرجوة. وكان كين، حسب الشبكة، قد أجرى محادثات مع نائب الرئيس جاي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف. ويريد الجنرال التأكد من أن الشخصيات الرئيسية في الإدارة تشاطره وجهة نظره.
موقعpress.lv الموجه للشارع الروسي في جمهورية لاتفيا، نشر في 12 الجاري ترجمة لمقالة نشرته في اليوم السابق مجلة The American Conservative الأميركية المحافظة لكبير المحللين فيها أندرو داي (Andrew Day). وعنون الموقع اللاتفي نص الترجمة بالقول ” «نهاية بائسة للهيمنة الأميركية»: محللون يبحثون عن «مخرج مشرّف» للولايات المتحدة من الحرب مع إيران”.
تجدر الإشارة إلى أن المحافظين الأميركيين الذين يناهضون ما يسمى بالمحافظين الجدد، يتسم “القوميون الانعزاليون” من بينهم بالوقوف ضد التدخل العسكري الأميركي في إيران. ولذلك ليست مستغربة اللهجة القاسية التي تلامس الشماتة في الإقتباسات من النص الأصلي التي نشرها الموقع البلطيقي.
رأى المحلل الأميركي أن الوقت قد حان للاعتراف بحقيقة غير مريحة: لقد خسرت أميركا الحرب مع إيران. ولا يقتصر الأمر على أن هذا التطور مؤلم أو غير سار، بل يتسم بأهمية تاريخية عالمية، إذ يؤشر إلى النهاية البائسة للهيمنة الأميركية وللنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. لقد وقع الرئيس دونالد ترامب في الفخ. فالتصعيد في الحرب على أمل تغيير مسارها ونتيجتها، لن يؤدي إلا إلى تفاقم العواقب الوخيمة للصراع، ومن شبه المؤكد أنه لن يجبر إيران على الاستسلام. كما أن إبرام اتفاق سلام أمر صعب أيضًا، وذلك لانعدام ثقة الإيرانيين شبه الكلية بأي التزامات قد يتعهد بها ترامب.
وكمخرج من “الفخ” الذي وقع فيه ترامب ومراوحة الوضع بين عجز الطرفين على تحقيق “نصر” يموه الهزيمة، يقترح الكاتب على الرئيس الأميركي أن يبدأ مع الجمهورية الإسلامية “سباقًا من أجل السلام”، وذلك عبر تقديم تنازل كبير من جانب واحد، واقتراح أن تردّ طهران بالمثل، ثم مواصلة هذه العملية إلى أن تتمكن الولايات المتحدة وإيران من تحويل العداء المتبادل بينهما إلى علاقات بنّاءة.
وقبل أن يستعرض ما يراه للخروج من الوضع الراهن، يدعو الكاتب لتقييم “حجم الهزيمة المذهلة” التي منيت بها أميركا. ويستبعد أن تتخلى إيران في المستقبل القريب عن السيطرة التي اكتسبتها حديثًا على مضيق هرمز، وهذا ما يعني، برأيه، أن الولايات المتحدة ستضطر إلى التخلي عن دورها كضامن عالمي لأمن طرق التجارة. ويبدو أن تقليص الوجود الأميركي في محيط إيران بات أمرًا حتميًا، سواء لأن طهران تطالب بذلك، أو لأن “قواعدنا في المنطقة قد دُمّرت، وإعادة بنائها ستكلّف ثروة طائلة”.
موقع Fair Observer التحليلي الأميركي نشر في 12 الجاري نصاً لرئيس تحريره أتول سينغ (Atul Singh) والضابط السابق في المخابرات المركزية الأميركية غلين كارل ( (Glenn Carle وضعا له عنواناً “جبهات جديدة الآن في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران”.
يناقش الكاتبان تمدد الصراع إلى أنحاء الشرق الأوسط، ويستعرضان التداعيات الإستراتيجية والإقتصادية والعسكرية للحرب “الآخذة في التوسع”.
بعد أن يستعرض الكاتبان وقائع توسع الحرب إلى أنحاء المنطقة بتفعيل إيران أذرعها في مختلف البلدان، يريان أنها لا تُظهر أي مؤشرات على قرب انتهائها. فالضربات والهجمات المضادة مستمرة. وتستخدم إيران الحرب غير المتكافئة واللامركزية في اتخاذ القرارات بمهارة كبيرة. فالولايات المتحدة أصبحت الآن عالقة في حرب مكلفة تستنزف قدرًا كبيرًا من الموارد، وتؤجج التضخم في أنحاء العالم، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها. وبالنسبة إلى إيران، فالحرب “وجودية”. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فالحرب “غير شعبية”.
يرى الكاتبان أن طبيعة الحرب قد تغيرت عما كانت عليه لحظة اشتعالها في أواخر شباط/ فبراير المنصرم. فالولايات المتحدة تهيمن على المجال الجوي، لكنها لا تتمتع بالهيمنة نفسها في البحر. وإرسال سفن حربية باهظة الثمن عبر مضيق هرمز ينطوي على مخاطرة كبيرة بالنسبة إلى البحرية الأميركية، إذ يمكن لطائرة مسيّرة رخيصة التكلفة أن تلحق أضرارًا بقطعة عسكرية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات. وتجعل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران بوضوح أن الحرب غير المتكافئة أصبحت الآن تحدد طبيعة الحروب.
في محاولتهما لتفسير ما يقولانه بالحرب غير المتكافئة، يشير الكاتبان إلى أن إيران تنتج أسلحة رخيصة على نطاق واسع، في حين بدأ العتاد العسكري باهظ الثمن ينفذ لدى الولايات المتحدة. ويعتبران أن جميع الحروب تقوم، في جوهرها، على الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد. وصحيح أن الولايات المتحدة تمتلك قدرة هائلة على توجيه الضربات، لكن إيران تستطيع إنتاج الطائرات المسيّرة في ورش صغيرة، واستنزاف الموارد الأميركية. وتبقى، برأيهما، القدرة على تعويض الأسلحة والمعدات المستهلكة أهم من قوة الضربات الأولية، أو حتى من اغتيال كبار القادة.
المصدر: المدن






