نصف قرن على رحيله.. عبد الناصر يدافع عن عبد الناصر

فيصل جلول

ما زال جمال عبد الناصر منذ غيابه المفاجئ في 28 أيلول/سبتمبر عام 1970 موضوعاً لسجال مصري وعربي حاد بين مؤيديه وخصومه.
يسعى الخصوم إلى أبلسة (من إبليس) جمال عبد الناصر واغتياله بعد وفاته، فيرد الأنصار بتأليهه (من اله) وجعله مهدياً يُنتظر قيامه قبل الساعة ليملأ الأرض المصرية والعربية عروبةً وعدلاً وفخراً بعد أن مُلئت ظلماً وقطرية وعمالة للأجنبي. يجعله الطرف الأول بعد خمسة عقود على وفاته مسؤولاً عن تردي أوضاع مصر والعرب، ويعتبره الطرف الثاني محطة فاصلة بين عهد مصري وعربي مُشرّف وعهد راهن يرمز إلى الخضوع والانحطاط والذل والهيمنة، لا قيمة فيه لمصر والعرب والمسلمين أجمعين على المسرح الدولي. يحن الطرف الأول إلى تاريخ ما قبل ناصر ويفخر بما بعده ويحن الطرف الثاني إلى عهد الناصرية المظفر. لذا، يبدو لي أن الصراع على عبد الناصر لن يذوي ما دام لدى المصريين والعرب عرق ينبض، وهذا في حد ذاته برهان على أن الرجل لم ولن يمر على منطقتنا مرور الكرام، وهو حجة قوية على جواز تصنيفه عالمياً بين قلة من الزعماء الذين طبعوا القرن العشرين مرة واحدة.. والى الأبد.
بين نزعة الانتقام من ناصر بمفعول رجعي ونزعة تمجيده وأسطرته (من أسطورة)، مسافة تسمح وحدها بحصر ماهية الرجل. بعبارة أخرى، لا يمكن رسم ملامح الناصرية من خلال خطب بعض ضحاياها الذي صاروا من بعد جلاديها المعنويين، ولا يمكن الاحاطة بها من خلال مادحيها الذين لا تنتج خطبهم الحماسية أو المحابية قيمة فائضة لسيرة “الريس” وموقعه التاريخي في بلادنا بخاصة وفي العالم على وجه العموم. ذلك أن قيمة كل امرىء في ما صنع ويصنع وليس في ما ينسب إليه مما لم يصنعه. فما الذي صنعه “ابن البوسطجي” (1) وما قيمته في زمنه وما قيمته التداولية الراهنة سياسياً ومعنوياً؟
مجابهة الريس.. لا حدود لها
ينضوي خصوم وأعداء جمال عبد الناصر في تيار عريض ومتنافر ازداد اتساعاً بعيد وفاته ليضمُر تالياً بصورة تدريجية. ويضم هذا التيار حصراً ضحايا الرجل والمتضررين منه والمهزومين في عهده داخل مصر وخارجها وفي طليعتهم: الإخوان المسلمون. اليسار الراديكالي والماركسي أو الماركسي اللينيني بخاصة. بعض العسكريين من أنصار محمد نجيب وعبد الحكيم عامر. كبار الباشاوات. الليبراليون من الوفد. بقايا النظام الملكي السابق. التيار الفرعوني والتيار المتوسطي. ملوك وأمراء ومشايخ المشرق والمغرب وسائر من كانوا يصنفون في خانة الرجعية العربية. البعث بشقيه العراقي والسوري (قبل وفاة الريس)، إسرائيل والدول الغربية عموما والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بخاصة. الأقدام السود وجنرالات حرب الجزائر في فرنسا. المستوطنون الأجانب في إفريقيا وآسيا والعالم العربي. أنصار البيئة في الغرب.. الخ.
لكل من هذه الجماعات والفئات والتيارات أسبابها الخاصة لمجابهة الريس. فالتيار الإسلامي المصري كان يراهن على تسلم الحكم في الخمسينيات عبر التحالف مع الضباط الأحرار ثم الانقلاب عليهم، ويرى أن ناصر استولى على ثورة ليست من صنعه بل من صنع “الإخوان المسلمين” فكان أن تعرض للقمع والاضطهاد جراء رؤيته وطموحه. أما اليسار الماركسي فكلن يرغب بدفع الثورة الناصرية إلى موقع أكثر راديكالية ويواجهها بوصفها ممثلة لمصالح البرجوازية الصغيرة وغير مؤهلة للتعبير عن مصالح البروليتاريا ومشروعها الثوري الجذري، ناهيك عن أنها باشرت عهدها بإعدام عمال مصريين، فكان أن تعرض هذا التيار أيضا للقمع والاضطهاد لبعض الوقت قبل أن يندرج في سياق العلاقات المصرية السوفيتية القوية في الستينيات. وكان أيضاً على العسكريين المصريين ـ شركاء ناصر في الثورة ـ أن يدفعوا ثمن صراعهم معه على الحكم. أما الباشاوات وكبار ملاك الأراضي الزراعية، فقد جرّدتهم الثورة الناصرية من القسم الأكبر من إمتيازاتهم المادية والمعنوية، وكان من الطبيعي ألا تتسع صدورهم لسياستها وان يدافعوا عن مصالحهم ويدفعوا ثمناً باهظاً لمواقفهم المناهضة للثورة. ويصح ذلك أيضاً على الليبراليين وأنصار الملكية ممن تولوا شؤون مصر قبل الثورة بالتحالف مع البريطانيين والخضوع لاملاءاتهم. وأخيراً كان من البداهة أن يتضرر منظرو الفرعونية والمتوسطية المصرية من الثورة الناصرية التي كنست سريعاً إيديولوجيات مبنية على أفكار وتطلعات  إستشراقية معمرة منذ حملة نابوليون بونابرت وترمي إلى تحطيم هوية مصر العربية الإسلامية وتعزيز مصالح أقليات محلية تظن أنها اصل مصر وان المسلمين فيها طارئون فاتحون يجب أن يرحلوا عنها يوماً ما.
الملكيات والجمهوريات: عداوة الناصرية
استدرجت الناصرية في العالم العربي عداء الملكيات بوصفها ثورة جمهورية مظفرة لم تتردد بالعمل على إطاحة الملكية في ليبيا واليمن والعراق وفي دعم الحركات المناوئة للملكيات الخليجية ناهيك عن اندفاعها القوي نحو توزيع الثروة النفطية عبر شعار “بترول العرب للعرب” وليس للخليجيين حصرا. أما التيار البعثي، فكان منافساً إيديولوجياً للناصرية وقوة ضاغطة في المد القومي العربي الذي تسببت به. ألحقت الضغوط البعثية أذى كبيراً بالسياسة الخارجية الناصرية. والمؤكد أن الهم القومي العربي للناصرية أثار القوميات الإقليمية التركية والفارسية والإثيوبية المجاورة للعرب. فقد استطاع ناصر أن يردع هذه القوميات ويلجم طموحاتها بإكتساب مواقع نفوذ في العالم العربي. هكذا رد  ناصرعلى التهديد التركي لسوريا بالوحدة الاندماجية معها ودعم التيار العروبي في البحرين والخليج بمواجهة التدخل  الفارسي الشاهنشاهي وساهم عبر دعمه لحركات التحرر في إفريقيا بجذب القوميات الإفريقية السوداء المحاذية للعرب وبالتالي درء مخاطر الصراع العربي الإفريقي الذي إنفجر بعد غيابه. وأخيراً أيقظ المد الناصري في المغرب العربي مخاوف إسبانيا والبرتغال التاريخية من العرب بعد أن تسبب بصداع حقيقي للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في الجزائر وعدن والخليج.
ما من شك أن مئات الآلاف من الأقدام السود الفرنسيين اقتلعوا من الجزائر بعد استيطان دام لأكثر من 130 سنة بمساهمة فعالة من الناصرية ولم يغفر سياسيو الجمهورية الرابعة الفرنسية لناصر دوره في انهيار جمهوريتهم بعد غزو السويس واضطرارهم اللجوء إلى خصمهم شارل ديغول لإنقاذ فرنسا من الانحدار نحو الحضيض (2). ولن يغفر الساسة البريطانيون لناصر نجاحه في  إشعال النار على خطوط مواصلات إمبراطورية الهند الشرقية في السويس التي عادت إلى السيادة المصرية وفي عدن التي عادت إلى اليمن الأم وفي الهند نفسها عبر التضامن المصري ـ الهندي ناهيك عن اقتلاع البريطانيين من مصر والسودان والخليج وبالتالي وضع حد لاستعمار إنجليزي لم يكن أصحابه يتخيلون انهياره تحت المطرقة الناصرية خلال عقد ونصف العقد من الزمن. ولا حاجة للتردد في القول إن الناصرية  كانت مساهما كبيرا في تحطيم النظام الإمبراطوري الاستعماري عبر دعم حركات التحرر في المستعمرات البريطانية والفرنسية في إفريقيا واسيا وحتى أمريكا اللاتينية. كما أن الناصرية كانت محوراً إقليمياً أساسياً في الحرب الباردة في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية إلى أن أصيبت بهزيمة شنيعة في الخامس من حزيران/يونيو عام 1967.

غضب المحبين وغضب المتضررين
تولى ناصر الحكم مباشرة منذ العام 1954 وحتى العام 1970، أي ما يعادل 16 عاماً قلب خلالها أوضاع مصر والعالم العربي رأساً على عقب، فكان أن وضع حداً لقرون من الغياب العربي عن مسرح العلاقات الدولية ولعل ما قام به ينطبق عليه وصف بول فاليري للثورات حيث يقول إن بعضها “يمكن أن تحقق إنجازات في عامين يحتاج تحقيقها إلى مئة عام ويمكن لبعضها الآخر أن يُضيّع في عامين إنجازات عمرها خمسة آلاف عام”.
تعرض عبد الناصر لنوعين من الغضب. غضب المتضررين وقد اشرنا إليهم للتو و”غضب المحبين”، وهم أولئك الذين رفضوا اثر هزيمة حزيران/يونيو 1967 واستقالة الريس والقوا اللوم على الناصرية جراء سوء إدارتها للصراع مع إسرائيل دون أن يتنكروا لها وهم يشكلون الأكثرية الساحقة من المصريين والعرب.
بين غضب المحبين وغضب المتضررين، تجتمع المآخذ المتداولة على الناصرية في الخطوط العامة التالية:
أـ ناصر “هتلر” العرب. أسس حكماً ديكتاتورياً. كان مأخوذاً بمنهج عبادة الفرد. ساد الحزب الواحد في عهده ومنعت التعددية الحزبية. افتقر عهده إلى الديموقراطية.
ب ـ  انتهكت في عهده حقوق الإنسان على نطاق واسع. امتلأت السجون بالمعتقلين وساد التعذيب. انتهكت حرية التعبير. سادت البروباغاندة ومثالها الساطع احمد سعيد.
ج ـ غلب السياسة العربية على السياسة الداخلية المصرية. بدد مصادر البلد في ثورة اليمن. حشر مصر في صراعات خارجية باهظة الكلفة.
د ـ هزم في حرب حزيران/يونيو عام 1967 وما زال العرب يعانون حتى اليوم من آثار الهزيمة.
هـ ـ انتشر في عهده الفساد وتفشت المحسوبية وانتشرت البيروقراطية.
وـ اخفق في بناء مؤسسات عصرية.
زـ اعتمد نظاماً اشتراكياً مركزياً وكان ممثلاً أميناً للطبقة البرجوازية الصغيرة.
تبدو هذه الاتهامات صحيحة أو خاطئة بحسب زاوية ومقاييس النظر إليها. فالقول أن ناصر هو “هتلر” العرب يستند إلى معيار غربي وقد استخدم هذا الوصف في فترات الصراع بين الناصرية والدول الغربية الاستعمارية وإسرائيل لتعبئة الرأي العام في هذه البلدان ولتذكير اليهود بالمحرقة والإيحاء أن ناصر يحمل لليهود مصيراً مشابهاً لذلك الذي حمله لهم هتلر في الحرب العالمية الثانية. وكان الغربيون يؤكدون لشعوبهم أن عدوانية ناصر وتوسعه وتهديده لأنصار الغرب في العالم العربي أشبه ما تكون بعدوانية هتلر وتوسعه وتهديده للدول الأوروبية وقد اعترف بعض الساسة الغربيين بهذه الخدعة في فترة متأخرة من حياتهم. ويلاحظ  أن وصف “هتلر العرب” أطلق على الزعماء والقادة الذين واجهوا الغرب وبينهم صدام حسين وفيديل كاسترو ومعمر القذافي وياسر عرفات وحافظ الأسد وأخيرا السيد حسن نصرالله. والحق أن العرب لم يكرروا هذا الوصف في أدبياتهم السياسية ضد ناصر والناصرية، فظل محصوراً ولبعض الوقت بعدد من خصوم الرئيس المصري الغربيين، ويمكن القول عموماً أن هذا الوصف تلاشى تماماً وما عاد احد في الغرب يستخدمه في معرض الحديث عن ناصر والناصرية في حين أن النازية ما انفكت بعد سقوط نظامها في الحرب العالمية الثانية حاضرة في الغرب كإيديولوجية عنصرية تستوجب المكافحة والشجب.
لا يمكن تقييم التجربة الناصرية بشكل إنتقائي. لا بأس إن قاربناها من زوايا متعددة:
أولاً، الصراع العربي ـ الإسرائيلي:
من المعروف انه منذ نشوء إسرائيل وحتى اليوم ما زالت الدول الغربية تنظر الى كل من يقاوم هذا الكيان نظرة عداء وتصف كل مقاوم لها باوصاف شنيعة (دكتاتور. متسلط. مستبد. ارهابي. ظلامي. متطرف. أصولي..الخ) دون الوقوف عند المشاعر والحقوق العربية ودون حساب المخاطر التي يتحملها العرب جراء المشروع الصهيوني. والظاهر أن الغرب يريد اعتراف العرب باسرائيل كأية دولة من دول المنطقة هذا إن لم يطمح لتنصيبها زعيمة على الشرق الاوسط ولعل هذا ما يفسر جانبا اساسيا من جوانب الهوس العدائي الغربي لناصر والناصرية التي رفضت الخضوع للاملاء الغربي في هذه القضية.

لنتخيل أن دولة غريبة تماماً عن أوروبا نشأت في وسط القارة الأوروبية فهل يمكن لأوروبا أن تتصرف إزاءها وكأنها غير موجودة؟ يصعب ذلك بالطبع فكيف إذا كان نشوء هذه الدولة قد تسبب بتشتيت شعب بكامله في محيطها. شعب يرتبط بتاريخ مشترك مع هذا المحيط ويتحدث لغته ويعتنق دينه ثم إن الدولة العبرية رفعت منذ قيامها شعاراً توسعياً بحدود توراتية تمتد من الفرات إلى النيل. فكان قيامها بصيغتها الصغرى دليلاً على قيامها الموعود بصيغتها الكبرى وبالتالي مصدر خوف مصيري لمحيطها ناهيك عن أن وجود هذه الدولة كان وما زال محل إجماع ودعم من “سادة” العالم. ويرتبط وجودها بشروط تدفق النفط العربي إلى الأسواق العالمية ومن بين هذه الشروط سيادة نظام سياسي عربي مطمئن للغرب وتلعب فيه إسرائيل دوراً رادعاً وأداة إخضاع دائمة لمحيطها. لقد تزامن نشوء النظام الناصري الى حد ما مع اعلان دولة إسرائيل وكان عليه أن يعيش معها حال حرب وان ينفق موارده على هذه الحرب وان يوفر شروطاً عربية رادعة لإقامة الدولة التوراتية من الفرات إلى النيل فضلا عن إعادة الفلسطينيين إلى أرضهم. هل يُطلب من دولة تعيش حالة حرب دائمة مع إسرائيل ومع الإمبراطوريات الاستعمارية وفي ظل الحرب الباردة أن تتصرف ككوريا الجنوبية أو اندونيسيا أو ماليزيا أو غيرها من الدول التي لا تتعرض لتهديد مصيري؟ ثمة من يقول أنه كان على مصر ان تخضع كما خضعت من بعد لكن الخضوع لم يكن خليقاً بزعيم ثوري كجمال عبد الناصر، وكان لا بد أن يُرتب هذا الصراع كلفة كبيرة، داخلية وخارجية. لذلك، يمكن القول إن كل تقييم للناصرية خارج هذا الاطار ينم عن رغبة في اصدار احكام مسبقة على جمال عبد الناصر والانتقام منه بعد وفاته.
ثانياً، المشروع التغييري:
لقد حملت الثورة المصرية مشروعاً تغييرياً وكان عليها أن تخلف وراءها متضررين كثر أبرزهم حكام مصر السابقون وكامل البيئة الاجتماعية التي تشكلت حولهم من جهة وكل الأخصام الإيديولوجيين للناصرية من جهة أخرى. إن انتهاكات حقوق الإنسان قد طالت بالفعل هذه الفئات. فقد التقى في السجن الناصري محمود أمين العالم الماركسي ومصطفى أمين الليبرالي وسيد قطب الإخواني. ما من شك إن كلفة المشروع الناصري على صعيد حقوق الإنسان كانت كبيرة لناحية التعذيب في السجون والاعتقالات الكيفية وإخضاع المعارضين للمراقبة والمتابعة المخابراتية وحرمانهم من التعبير الحر وسيادة الإعلام التعبوي الذي يستدل اليوم عليه بالصحافي المعروف احمد سعيد.
لنتأمل قليلا في حجم ونوع الكلفة الأخلاقية للمشروع الناصري مقارنة بالأكلاف الأخلاقية لمشاريع التغيير في العالم المتقدم. لقد كلف انتقال فرنسا من الملكية إلى الجمهورية مئات الآلاف من القتلى والدمار والحروب وكذا الأمر في ألمانيا حتى لا نتحدث عن دول العالم الثالث الشبيهة بمصر. لكن إذا عدنا إلى القواعد الحقوقية والسياسية والاخلاقية المعتمدة في مصر والغرب خلال الفترة الناصرية، نرى أن الإعلام الموجه والمراقب كان قائماً على قدم وساق في فرنسا خلال الفترة الديغولية وكذا الأمر بالنسبة للرقابة والدعاية وما شابه ذلك. وفي المجابهات كان الإعلام الغربي الديموقراطي يتحول إلى  سلاح في المعركة، أي إلى إعلام موجه وكانت حرية التعبير والإبداع تخضع للرقابة والتحكم بدليل أن الكثير من الكتب والأفلام السينمائية المعترضة على حرب الجزائر أو التي تحاول  النظر إلى هذه الحرب بما يخالف وجهة النظر الرسمية الفرنسية كان يُحجر عليها وبعض هذه الأعمال أفرج عنها منذ عامين فقط علما بان ثورة 1968 الطلابية في فرنسا كانت تنادي بتوسيع حرية التعبير التي لم تتوسع فعلا إلا في عهد فرنسوا ميتران في الثمانينيات. طبعاً يجب ألا ننسى التزامن بين ظهور الناصرية وانتشار المكارثية في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد اعتمد السناتور جون مكارثي منهج محاكم التفتيش في ملاحقة اليسار والشيوعيين في بلاده ولا أظن أن هذا المنهج اتبع في مصر ولم يتعرض اليسار المصري لعمليات فحص دم سياسي وايديولوجي كتلك التي تعرض لها نظيره الأمريكي. يبقى أن الظلم الناصري لم يصل إلى حد رمي المعارضين في مياه النيل كما هي الحال مع رمي الجزائريين المعارضين لحرب الجزائر في مياه نهر السين في فرنسا. وأخيرا لا بد من النظر إلى ظاهرة احمد سعيد بما يشبه اليوم ظاهرة السيد مردوخ صاحب فوكس نيوز الذي يستخدم مجموعته الاعلامية كسلاح في حرب العراق طبعا مع فارق الظروف والتجربة وعمقها التاريخي.
وإذا كان صحيحا أن عهد عبد الناصر لم يكن ديموقراطيا بالمفهوم الغربي الحالي للديموقراطية، فان الخيار الاشتراكي الناصري بما في ذلك مشروع الحزب الواحد المركزي كان جزءا لا يتجزأ من مشروع التغيير وبالتالي كان من الصعب على الناصرية أن تكون مشروعا تغييرا ديموقراطيا واشتراكيا ومركزيا في آن معاً.
ثالثاً، المحاسبة:
لقد انتشر الفساد وعرفت المحسوبية وانتشرت البيروقراطية وسوء الإدارة في العهد الناصري، وهذا كله صحيح، لكن هل تخلو اليوم دولة واحدة من الفساد  والبيروقراطية والمحسوبية في العالم كله. ما من شك أن وجود هذه الظواهر في الدول الأخرى لا يبرر وجودها في مصر لكن أيضا لا يمكن محاسبة الناصرية على هذه الظواهر وكأنها حكر عليها خصوصا أن نقاد الناصرية الساداتيين المتشددين برهنوا خلال سيادتهم مراكز القرار في مصر عن تعلق مرضي بالفساد لا بل جعلوا الفساد نظام حكم بالتمام والكمال.
رابعا، الهزيمة:
ترهن الحروب عادة بنتائجها السياسية وليس بوقائعها العسكرية فحسب. الحرب ليست “ماتش ملاكمة” ينتهي بالنقاط او بالضربة القاضية. الحرب نزاع أو نزال في السياسة يتعذر حله بوسائل سلمية، ما يعني أن النصر السياسي يلغي كل مفاعيل الحرب ويجعلها وكأنها لم تكن أصلا مع التذكير أن هزيمة ناصر في السويس وحتى في حزيران/يونيو هي هزيمة نظام حديث التكوين كان يسعى منذ نشأته إلى تغيير مصري شامل داخليا وعربيا ودوليا بوسائل محدودة وفي ظل ظروف ضاغطة وبمواجهة عدو استراتيجي على الحدود، مدعوم من قوى العالم العظمى.
خامساً، السياسة الخارجية:
إن اختيار سياسة خارجية عربية هجومية كان ينطلق من نظرة ناصرية ثاقبة لدور مصر الاستراتيجي في المحيط وكان يهدف إلى رفع شان الأمة العربية وتخليصها من العبودية والاستعمار والذل الذي ضربها لقرون طويلة وفي ظني أن هذه السياسة كانت مفيدة لمصر وللعرب في آن معاً. ذلك أن انكفاء مصر، كما هو واقع اليوم، ضاعف من مشاكلها الداخلية وحمل إليها مشاكل الجوار. إن تجارب التاريخ تشير بوضوح إلى أنه اذا لم تردع الخارج فانه سيطرق بابك وهو ما يحصل في مصر اليوم.
سادساً، التحليل الطبقي:
إن التحليل الطبقي للنصارية وحصرها بالبرجوازية الصغيرة ينتمي الى إرث ايديولوجي فقد عموماً قيمته ولم يعد مفيداً في تفسير وتحليل الوقائع السياسية العربية، ما يعني أن التقييم الماركسي للناصرية يحتاج الى اعادة نظر جدية من طرف الماركسيين العرب الاصلاحيين الذين راجعوا باخلاص تجاربهم السابقة دون ان يلتفتوا الى ضرورة أن تشمل هذه المراجعة مواقفهم السلبية من الناصرية فضلاً عن أن نقاد الناصرية الماركسيين كانوا يأخذون عليها تمثيلها للبرجوازية الصغيرة من موقع هو نفسه برجوازي صغير. عندما ننظر اليوم الى حكم سياسي ماركسي من نوع أن البرجوازية الصغيرة الناصرية سقطت في هزيمة حزيران/يونيو عام 1967 وأن نظام الطبقة العاملة وحده قادر على خوض مجابهة مظفرة في الصراع العربي الاسرائيلي، فإن هذا الحكم يبدو مضحكا ليس لان البرجوازية الصغيرة ما زالت في مكانها بعد عقود على اعلان سقوطها بل لان البورجوازية الصغيرة الموصوفة تخوض مجابهات ناجحة ضد اسرائيل في جنوب لبنان وفلسطين والعراق بل ربما ندين لها بأول انتصار جدي في الصراع العربي الاسرائيلي. لقد اطلقت المعارضة الماركسية النار على الناصرية قبل وفاة عبد الناصر وبعد وفاته فساهمت من حيث لا تريد في صعود الراسمالية الطفيلية والمتوحشة الى سدة الحكم في مصر مبرهنة عن بؤس مدقع في النظرة والتحليل والاختيار السياسي. نعم ينتمي هذا البؤس الى الماضي فهل يجري أصحابه أو من تبقى منهم على قيد الحياة مراجعة نقدية؟

قيمة الناصرية
يجمع نقاد الناصرية عن حق ان “الريس” لم يخلف من بعده حزباً جديراً بالتعبير الحصري عنه وعن تجربته. لذا يلاحظ أن الاحزاب الناصرية في العالم العربي متعددة ومتباينة واحيانا تتنازع إرث الرجل وقد أخفقت خلال نصف قرن في تجاوز انقساماتها وحساسياتها المحلية والقطرية وبالتالي الاتفاق على صيغة توحيدية تنم عن احترام اقله معنوي لسيرة “الريس”. ربما تكون المحدودية الايديولوجية التي ميّزت الناصرية مسؤولة جزئياً عن تشتت ناصريي هذه الايام لكن المحدودية نفسها تضفي جاذبية على الناصرية كحركة تحرر ذات أفق مفتوح على الافادة من التجارب السياسية المختلفة.
ينطوي كتاب عبد الناصر “فلسفة الثورة” على عناوين واختيارات سياسية عامة. انه اشبه بـ”البيان الشيوعي” لكارل ماركس وفردريك انجلس من دون الجهاز الايديولوجي المتكامل للماركسية وبالتالي يصعب أن تبنى عليه وحده اممية عربية وإفريقية وإسلامية أو عالمية. بالمقابل يتيح الكتاب كما مواقف وسياسات عبد الناصر المتصلة بالهوية والوحدة العربية والنضال ضد الاستعمار والحركة الصهيونية والدعوة للنظام العالمي العادل.. كل ذلك يتيح انتماء عريضا لارث عبد الناصر يتعدى الاطر الحزبية الى فئات واسعة من العرب بين المحيط والخليج. بهذا المعنى تشبه الناصرية في العالم العربي الديغولية في فرنسا والبوليفارية في أمريكا اللاتينية والاتاتوركية في تركيا والبيرونية في الارجنتين والغاندية في الهند.. الخ.
لم تترهل الاختيارات السياسية الناصرية خصوصا ما يتصل منها بالهوية والوحدة والسيطرة على الموارد العربية وبناء فضاء سياسي متضامن ومواجهة التسلط الدولي والحركة الصهيونية وثقافة الممانعة. هذه الاختيارات كانت وما زالت وستبقى صالحة ما يعني ان ما صنعه عبد الناصر ينطوي على قيمة تبادلية راسخة يصح معها القول ان العربي كان او هو اليوم او سيكون يوماً ما ناصرياً (3).
هوامش:
1 ـ استخدم تعبير “ابن البوسطجي” بفخر وتقدير وليس بمعيار سلبي على ما درج أبناء البورجوازية المصرية خلال عهد عبد الناصر وأحيانا بعده.
2 – جان ماري لوبن زعيم الجبهة الوطنية الفرنسية المناهضة للأجانب عموما والعرب والمسلمين خاصة لم يجد افضل من عبارة عبد الناصر الشهيرة “ارفع راسك يا أخي” يوجهها لشعبه لحثه على النهوض (راجع خطاب لوبن في عيد “جان دارك” 1 مايو ـ أيار 2003 منشور في جريدة الحزب “ناسيونال إيبدو” في الأسبوع الأول من ايار/مايو 2003).
3 ـ استعير هذا الوصف من شائع القول عن الديغولية في فرنسا.
(*) هذا النص (بتصرف) فصل من كتاب “مصر بعيون الفرنسيس” الصادر عن دار مدبولي في القاهرة والدار العربية للعلوم في بيروت.

المصدر: صالون 180

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى