وهم القوة العظمى: قراءة في طموحات نتنياهو العالمية

   ليلى نقولا

في أول ظهور له بعد غياب أثار التكهنات، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب للإعلان عن نجاح اغتيال علي لاريجاني، وتعهد بالانتصار، قائلاً “مصممون على إحراز النصر ونوشك أن نصل إلى لحظة نكون فيها قوة عظمى عالمية إلى جانب أميركا”.

وفي هذا الاطار، وبالرغم من تحقيق إسرائيل الكثير من الإنجازات العسكرية في المنطقة، إلا أن الادعاء بأن إسرائيل توشك أن تصبح قوة عظمى عالمية، فيه الكثير من المبالغة.

مقومات القوة العظمى العالمية

في دراسة العلاقات الدولية، يُفرَّق بين مفهوم “القوة العظمى” ومفهوم “القوة الكبرى” من خلال النطاق الواسع لنفوذها العالمي وقدرتها على التأثير في الأحداث في أي مكان في العالم في آنٍ واحد. تتمتع القوة العظمى بخصائص تجعلها تستطيع فرض قوتها في المجال العالمي استناداً إلى ما يلي:

1- القوة الصلبة: القدرة على الاكراه العسكري والاقتصادي والسياسي.

2- القدرة على بسط النفوذ العالمي: على عكس القوى الإقليمية، تمتلك القوة العظمى قدرات بحرية في أعالي البحار، وقاذفات استراتيجية بعيدة المدى، وشبكة من القواعد العسكرية العالمية تسمح لها بالتدخل في أي مسرح عمليات في العالم.

3- الردع النووي: يُعدّ امتلاك ثالوث نووي متطور وقابل للصمود (برّي، بحري، وجوي) شرطًا أساسيًا للحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي في مواجهة القوى الكبرى الأخرى.

4- الهيمنة الاقتصادية: عادةً ما تتمتع القوى العظمى بواحد من أكبر معدلات الناتج المحلي الإجمالي في العالم، وحصة مهيمنة من التجارة العالمية، وعملة تُستخدم كعملة احتياطية عالمية رئيسية (مثل الدولار الأميركي). وغالبًا ما تقود تطوير “التقنيات الرائدة” مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، وصناعة الطيران والفضاء.

5- الوزن الدبلوماسي: مركزية في المنظمات الدولية (مجلس الأمن، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية). تُعتبر الدولة قوة عظمى إذا لم يكن بالإمكان حل أي مشكلة عالمية كبرى دون تعاونها.

6- شبكة تحالفات: القدرة على قيادة شبكة من التحالفات العسكرية الرسمية (مثل حلف شمال الأطلسي) والشراكات الاستراتيجية والحفاظ عليها، مما يُضاعف قوتها الكامنة.

أما الخصائص الشخصية للدولة، لتكون مهيئة لتصبح قوة عظمى، فهي – بمعظمها – لا تتوفر لدى إسرائيل، وهي كما يلي:

أ‌- الجغرافيا، أي مساحة أرضية واسعة ذات عمق استراتيجي وإمكانية الوصول إلى طرق بحرية رئيسية.

ب‌- السكان: قاعدة سكانية كبيرة ومتعلمة ومنتجة لدعم جيش واقتصاد ضخمين.

ت‌- الموارد والقدرة على الاكتفاء الذاتي أو ضمان الوصول إلى المعادن والطاقة (النفط/الغاز) والغذاء الأساسية.

ث‌- الاقتصاد أي قدرة صناعية عالية وريادة في الابتكار التكنولوجي.

ج‌- القوة العسكرية أي تفوق تكنولوجي وإرادة قوية لبسط النفوذ عالميًا.

ح‌- الدبلوماسية أي براعة سياسية فائقة وقدرة على بناء وقيادة تحالفات دولية.

خ‌- الهوية: معنويات وطنية عالية ورؤية متماسكة أو “استراتيجية شاملة”.

تصنيف إسرائيل

تُصنّف إسرائيل عمومًا كقوة إقليمية، ورغم امتلاكها قدرات تُضاهي قدرات القوى العظمى في مجالات محددة، إلا أنها تفتقر إلى النطاق الأساسي اللازم للهيمنة العالمية. تعتبر في طليعة التكنولوجيا العسكرية العالمية، ولديها قدرات نووية لكنها معتمدة بشكل كبير عسكرياً واقتصادياً وسياسياً على الدعم الأميركي.

– الجغرافيا: ويشكّل نقص “العمق الاستراتيجي” عائقاً اساسياً، إذ ان مساحة إسرائيل صغيرة جداً وعدد سكانها قليل. إن صغر مساحة إسرائيل في محيط معادي، واستنادها الى الدعم الخارجي للبقاء، هي حالة يُطلق عليها “الهشاشة الوجودية”.

– القدرات العسكرية: وعلى الرغم من قدرة إسرائيل على ضرب أهداف تبعد آلاف الأميال (مثل ايران أو اليمن)، إلا أنها لا تستطيع الحفاظ على عمليات عسكرية متزامنة ومستدامة عبر قارات متعددة (مثل المحيط الأطلسي، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وأوروبا) دون الدعم اللوجستي من حليف قوي حقيقي.

– الاقتصاد: وعلى الرغم من اقتصادها عالي التقنية التكنولوجية، فلا تزال إسرائيل تعتمد على سلاسل التوريد العالمية للمواد الخام والطاقة. وعلى عكس القوى العظمى، تفتقر إلى “الأيديولوجية العالمية” التي تستخدمها القوى العظمى لحشد تحالف واسع من الدول تحت قيادتها.

في المحصلة، لا يمكن إنكار أن إسرائيل تمتلك عناصر قوة نوعية، خاصة في مجال التفوق الاستخباراتي وقدرتها على العمل عبر شبكات معقدة تتجاوز حدودها الجغرافية، إلى جانب نفوذ غير مباشر عالميًا. ومع ذلك، تبقى هذه القوة محكومة بسقف واضح، إذ إن اعتمادها المفرط على الدعم الأميركي -عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا- يمنعها من التحوّل إلى قوة عظمى مستقلة، ويجعل دورها العالمي مرتبطًا بإطار القوة الأميركية لا قائمًا بذاته.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى