
نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت تحقيقاً عن ضغوطٍ مارسها بنيامين نتنياهو على الجيش والموساد، وعلى هيئة الطاقة الذرّية، لإصدار تقييم يدعم روايته حول تدمير البرنامج النووي الإيراني، واعتباره أكبر إنجاز حقّقه، و”ورّط” ترامب في المشاركة فيه، إذ لا تستطيع إسرائيل وحدها أن تحقّق هذه المهمّة. وترافقت الضغوط مع سلسلة جديدة من المواقف والمعلومات من جهات رسمية أميركية أساسية في دوائر القرار، تؤكّد أنّه لم يكن ثمّة قرار إيراني بامتلاك سلاح نووي، وأنّ عدداً من مسؤولي الإدارة الذين استقالوا قدّموا إفاداتهم أمام الكونغرس التي تؤكّد أنّ أميركا ليست في وارد التعرّض لهجوم إيراني وشيك، وأن إيران ليست دولة نووية.
نتنياهو مستمرّ في محاولاته، ويشير إلى أنّه يستعدّ لجولة جديدة من الحرب مع إيران حتّى تحقيق أهدافه، ويعلن وزير أمنه يسرائيل كاتس بوضوح التحضير لذلك، في ظلّ نقاش داخلي في أميركا وآخر في إسرائيل حول ضرورات هذا الأمر واحتمالات نجاحه. ويذهب كثيرون إلى التحذير من مغامرة جديدة يقودها نتنياهو، الذي حصل توتّر كبير بينه وبين ترامب، ولا أحد ينسى المكالمة الشهيرة التي وبّخ فيها الأخير نتنياهو، وقال له كلاماً قاسياً، وسبق أن حذّره في كلام مباشر أيضاً، قائلاً: “اليهود سئموا منك”. إصرار نتنياهو على الحرب مع إيران يتعامل معه ترامب بجدّية وحسم، وهو الذي قال بعد مكالمته معه قبل يومَين: “سألتقي به في البيت الأبيض، ولكنّه يعلم مَن هو الزعيم ومَن يقرّر”. وبالتالي، يؤكّد أنّ القرار له، وأنّه سيعطي التفاوض مع إيران الفرصة الضرورية، ويتابع الوضع الداخلي الإسرائيلي، ويعرف أنّ ثمّة أزمة تواجه نتنياهو، وهو مقبل على انتخابات تماماً مثل نتنياهو، إذ سيواجه ترامب انتخابات التجديد النصفي، ويعرف أنّ الخطّة التي يطلبها رئيس الحكومة الإسرائيلية، استناداً إلى روايته “الساقطة”، ليست قابلة للتنفيذ. لماذا ألحّ نتنياهو على الاتصال بترامب وطلب اللقاء به؟
إشادة ترامب بالرئيس التركي، واستعداده لمكافأته بالموافقة على صفقة طائرات F-35، من أسباب طلب نتنياهو لقاء ترامب
ثمّة أمران: الأوّل قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة التي سيحضرها ترامب، وإشادته بالرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، واستعداده لمكافأته بالموافقة على شراء طائرات F-35، ومعدّات عسكرية أخرى، وغضب نتنياهو من ذلك، وهو مع فريقه في قمّة التصعيد السياسي والأمني، والتهديد والتحريض ضدّ أردوغان، وإعلان أنّ الحرب المقبلة ستكون معه.
والأمر الثاني هو خطّة أميركية مُعدّة لغزّة، كُشفت قبل أيّام، تطيح بما يخطّط له نتنياهو. تلزم الخطّة إسرائيل بالسماح بتنفيذ مشاريع بنية تحتية في رفح خلال شهر، تشمل شبكات المياه والكهرباء وغيرها، ونقل 50 ألف شخص من المناطق الخاضعة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى رفح، بعد التدقيق في أوضاعهم الأمنية، أي إلى المنطقة الخاضعة لـ”مجلس السلام”، والسماح بإنشاء مقرّ مركزي لـ”حكومة التكنوقراط”، ومنح تصاريح لبناء قواعد للقوّة الدولية، وإعادة بناء المستشفى الأوروبي، مع السماح بإدخال مواد بناء ومواد طبّية، وتحويل أموال الضرائب الخاصّة بالسلطة الفلسطينية المتعلّقة بغزّة إلى “مجلس السلام”، واعتراف إسرائيل رسمياً بحكومة التكنوقراط “جهة ذات طابع سيادي في غزّة”، مع منحها حرّية الحركة داخل القطاع وخارجه لأغراض رسمية، والسماح لها بتوزيع الوقود للحدّ من قدرة “حماس” على جباية الضرائب، والسماح بتشغيل شبكة اتصالات من الجيل الرابع (4G) في غزّة، وهي خدمة محظورة حالياً، ومنع الطلعات الجوية والغارات في رفح، وتنسيق الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية مع الحكومة والقوات الدولية، ونقل المليشيات المسلّحة التابعة لإسرائيل إلى خارج منطقة رفح، مع السماح لمن يسلّم سلاحه بالبقاء بضمانات أمنية، والاستعداد لإخلاء منطقة خانيونس بالكامل خلال سبعة أشهر، حيث ستتوسّع منطقة نفوذ حكومة التكنوقراط تدريجياً.
هذه الخطّة أُبلغ بها المسؤولون الإسرائيليون، وصدمت نتنياهو، ولها خلفياتها وموجباتها، ولو الظرفية العربية، بمعنى ضرورات العلاقات العربية – الأميركية بعد تطوّرات الحرب على إيران والاتفاق معها، والتوتّر والقلق الكبيرين اللذين يسودان المنطقة التي لا تتحمّل الآن (ولا يتحمّل معها ترامب) سيطرة إسرائيلية على كلّ شيء، ولا حرباً جديدة على إيران، وهذا هدف أساس من محادثات نتنياهو المرتقبة معه. فنتنياهو يريد استثمار كلّ شيء في انتخاباته، والثاني يريد تجنّب كلّ ما ينعكس عليه سلباً في الداخل مع التحضير لمعركة الانتخابات النصفية، في ظلّ تصاعد الأصوات المُدينة للحرب على إيران، التي لم تحقّق أهدافها، وأساءت إلى موقع أميركا ودورها وصورتها وسمعتها في العالم، وخرجت منها إيران منتصرة حتّى الآن، كما يقول عدد من الأميركيين البارزين، وقسم منهم كان مؤيّداً لترامب، وفشل اللوبي اليهودي في تلميع صورة إسرائيل ونتنياهو في الساحة الدولية، وخصوصاً في الداخل الأميركي، إذ يذكّر معلّقون ترامب بشعار “أميركا أولاً”، ويسألون: “لماذا نتحمّل تحت هذا الشعار أعباء أمن الشرق الأوسط بالكامل؟ لماذا ندفع كلفة حروب لا تؤمّن مكاسب مباشرة لنا؟ وفي إسرائيل ثمّة من علّق قائلاً: “ترامب يدمّر نتنياهو”.
نشر الكاتب الأميركي ديفيد والاس ويلز تحقيقاً في صحيفة نيويورك تايمز، قال فيه: “الزخم الذي رافق فوز ترامب في انتخابات 2024 بدأ يتلاشى بسرعة، وبات كثير من الذين صوّتوا له يشعرون بخيبة أمل. سياساته الاقتصادية، والرسوم الجمركية التي أدّت إلى موجة تضخّم جديدة أرهقت المواطنين. الحرب على إيران التي وضعت أوزارها بنهاية مهينة لواشنطن، وأثارت غضباً واسعاً بين الأميركيين. وحملات التهجير والترحيل الواسعة أغضبت حتّى بعض مؤيّدي ترامب داخل المدن. العمليات العسكرية في الخارج، بعد أن قال إنّه أوقف الحروب ولو كان غيره في مكانه لحصل على خمس جوائز نوبل، دمّرت صورته رئيساً يعارض الحروب، وأدّت إلى رفع أسعار النفط”. وأشار إلى أنّ ترامب فاز بالرئاسة بفارق ضئيل جدّاً (نحو 1.5%) ولم يحصل على الأكثرية الشعبية، ما يعني أنّ تحالفه الذي بدا قوياً بعد الانتخابات لم يكن راسخاً كما ظنّ كثيرون.
وقال جون برينان (المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية): “حسناً، أعتقد أن ترامب أظهر أنّه شخص متهوّر… شعبية ترامب انهارت بين الشباب بنسبة تصل إلى 50 نقطة في بعض الاستطلاعات، كما تراجعت بشدّة بين الأميركيين السود واللاتينيين، وحتّى بين الطبقة العاملة البيضاء التي كانت عماد قاعدته. الهيمنة الثقافية للمحافظين تراجعت أيضاً. الاحتفالات الضخمة التي نظّمها حزب المحافظين بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا لم تجذب نجوماً كباراً، وانسحب بعض المشاركين، وتنظيم بطولة للفنون القتالية في البيت الأبيض تعرّض لانتقادات واسعة. وقالت الإعلامية الأميركية راشيل مادو: “كان يُفترض أنّ الهدف من الحرب هو تغيير النظام الإيراني. النظام لا يزال هو نفسه، النظام الديني الذي كان قائماً سابقاً. الحرس الثوري بات يتمتع بقوّة أكبر داخل النظام. أمّا البرنامج النووي الإيراني، أحد أهداف الحرب، فما زال قائماً إلى حدّ كبير، وكذلك مخزونات إيران من اليورانيوم المخصَّب”. وقالت الصحافية الأميركية آبي مارتن: “اعزلوا دولة إسرائيل المارقة، وعيّروا كلَّ من يذهب إليها. الأكاديميون والسياسيون انكشفوا، والصهيونية تلفظ أنفاسها الأخيرة. دعايتها انهارت. العالم يرى إسرائيل على حقيقتها، ولا يمكن أن تستمرّ طويلاً على وضعها الحالي. لا يمكن توقّع التغيير في مجتمع فاشي”.
فشل اللوبي اليهودي في تلميع صورة إسرائيل ونتنياهو في الساحة الدولية، وخصوصاً في الداخل الأميركي
أما تاكر كارلسون، الإعلامي المحافظ الذي كان يؤيّد ترامب، فأعلن: “إسرائيل أصبحت تمثّل تهديداً لاستقرار إدارة ترامب أكثر منها ورقة قوّة لها. ترامب أسرع إلى اتفاق مع إيران، ليس بسبب النووي، بل بسبب الخوف من أزمة اقتصادية عالمية، وارتفاع أسعار النفط، وإغلاق مضيق هرمز، وتأثير ذلك في الانتخابات المقبلة”. وصرّح نتنياهو قبل ساعات من اتصاله بترامب، قائلاً: “أريد وقف المساعدات الأميركية. إنّها أشبه بالإعانة الاجتماعية، وأنا لا أريدها”. المفاوض الإسرائيلي السابق، دانيا ليفي، شخّص المعركة بين “الشريكَين”، ترامب ونتنياهو، بالقول: “المعركة هي بين جناحي (أميركا أوّلاً) و(إسرائيل أوّلاً)، إنّه انقسام غير مسبوق”.
سبق أن أشرت إلى “تسابق بين ترامب ونتنياهو”، من يربح الانتخابات قبل الثاني؟ ماذا إذا ربح نتنياهو وخسر ترامب؟ والانتخابات النصفية ليست نهائية، لكنّها مهمّة، وثمّة قيود، ولو معنوية وسياسية، تعوق حركة ترامب بعد قرار مجلس النواب الأخير حول الحرب مع إيران. صحيح أنّه غير ملزم، لكنّه يقيّد حركته، كما قال. وهل يخسر نتنياهو وثمّة استعدادات لمعركة ضدّه؟ المؤكّد أنّه سيقاتل حتّى النهاية لتحقيق أهدافه. سيستغلّ كلّ شيء، وهو مستعدّ لفعل أي شيء، من لبنان إلى سورية والعراق وإيران واليمن وغزّة والضفّة وأرض الصومال وإثيوبيا وغيرها، وثمّة خطّة متكاملة وحركة لا تتوقّف في هذا الاتجاه. كانا شريكين. اليوم اختلفا على البقاء. أيّهما يبقى؟ وكيف يبقى؟ والعنوان: “أميركا أوّلاً”، “ترامب أوّلاً”، “إسرائيل أوّلاً”، “نتنياهو أوّلاً وأوّلاً وأوّلاً…”.
هل فكّرنا بكلفة الصراع بين “الأوّلَين” أو في كلفة الاتفاق بينهما؟ وهل لدينا “أوّلاً” في كلّ دولة من دولنا، و”أوّلاً” مشترك بينها؟ لأنّ ما يجري يهدّد مستقبل المنطقة كلّها وثرواتها وإمكاناتها.
المصدر: العربي الجديد






