
كان انفجار دمشق ناجماً “عن عبوة ناسفة بدائية الصنع تزن نحو كيلوغرام واحد، جُهّزت بشظايا معدنية، ما أدّى إلى إحداث إصابات بالغة وأضرار كبيرة في المكان”. هذا ما ورد في بيان وزارة الداخلية عن التفجير الإرهابي في شارع النصر، يوم الخميس الفائت،في مقهى قرب القصر العدلي. هذا التفصيل الوارد في البيان أتى مخالفاً لروايات أشدّ ترهيباً عن مجموعة من الانتحاريين، نفّذ واحد منهم تفجير المقهى وقُبض على اثنين متجهين لتفجير نفسيهما داخل القصر العدلي.
المؤكد أن اختيار توقيت التفجير لحظَ فترة الذروة، حيث يمتلئ المقهى أثناء الدوام الرسمي بالرواد، من محامين ومراجعين أصحاب قضايا في القصر العدلي. وكان يكفي لإيقاع الأذى ترك العبوة بدائية الصنع، تحت إحدى الطاولات مثلاً، أو حتى في أي مكان على الأرضية ضمن الازدحام. أما الرسالة فلا تقتصر على الإصابات، مع أن وقوع تسع ضحايا وعشرين مصاباً ليس بالأمر الذي يُستَخفّ به، فالرسالة الأهم هي الترويع، وزرع الخوف من أعمال مشابهة لاحقة.
بدائية صنع العبوة قد تكون مطمئنة للوهلة الأولى، لجهة عدم تورط أطراف منظمة ذات تجهيزات تقنية عالية، وعدم وجود دعم خارجي. لكن من جهة أخرى، سيكون مخيفاً التفكير في أن أشخاصاً أو مجموعات صغيرة مستقلة قادرون على صنع هذه العبوات وترويع المدنيين. النقلة التي يجدر ملاحظتها أن القوى المنظّمة تلجأ إلى الإرهاب كسلاح لتحقيق أهداف محددة، وتتراجع عن استخدامه في حال تحقيق تلك الأهداف أو بعضها، أو حتى في حال تعرّضت لهزيمة كبرى.
ما يصحّ على التنظيمات ذات المشروع السياسي لا يصحّ على الأشخاص أو على المجموعات الصغيرة التي لا تملك مشروعاً، ليكون استخدامها الإرهاب تعبيراً عن عدمية سياسية ليس إلا. البيئة العامة في سوريا مواتية لانتعاش العدمية التي تُترجَم عنفاً، فالبلد لم يخرج تماماً من احتراب أهلي استمر قرابة عقد ونصف عقد، وشاع خلاله العنف بمختلف أنواعه، بل صار الاحتكام إليه بمثابة لغة يومية لدى السوريين، سواءً لأسباب سياسية أو دون سياسية.
حدثٌ كالتفجير الإرهابي في دمشق كان يمكن أن يمرّ قبل سنتين من دون أن يلفت انتباه الخارج، ومن دون أن ينال الضحايا تعاطف السوريين أنفسهم. كان من المرجّح أن يتعاطى السوريون معه انطلاقاً من انقساماتهم، فالشامتون سيكون محور اهتمامهم أنه حدث في مناطق سيطرة الأسد، حيث لا ينظرون إلى السوريين هناك بعين الرأفة. والمتعاطفون مع الضحايا لأسباب سياسية سيضعون في المقدمة إلقاء المسؤولية على المعارضة؛ “الإرهابية” بموجب خطاب إعلام الأسد الذي كان شائعاً.
ثمة تقدُّم طفيف في أن التعاطف مع ضحايا تفجير يوم الخميس يخترق ترسيمة الانقسام القديم، وترسيمة الانقسامات المستجدة، ولو لم يكن الاختراق تاماً. ثمة أيضاً ميل لنبذ العنف، مدفوع بالتخوّف من عودة دوامة العنف السابقة، وإن يكن هذا الميل فطرياً عند النسبة الأكبر، ولا يُعبَّر عنه خارج مناسبات مماثلة للتفجير، ويبقى التعبير في الحدود الدنيا الرافضة للعنف أخلاقياً وإنسانياً، من دون ترجمة الرفض سياسياً حتى الآن.
وكما نعلم، فقد نال تعميم العنف دعماً و”مشروعية” على نطاق واسع، منذ بدأ تشكيل فصائل عسكرية تحت عنوان الجيش الحر، رداً على الحل العسكري الذي انتهجه الأسد في مواجهة الثورة السلمية ضده. لقد توّجت وحشية الأسد الابن عقوداً من استخدام العنف بمختلف أشكاله، تخلله أطوار من الوحشية والمجازر. ذلك أدّى إلى تدنّي الحساسية العامة إزاء العنف، لتبقى نسبوية إلى حدّ كبير، وإلى الآن لا يندر أن يُقاس بوحشية الأسد على سبيل الامتنان للخلاص منها. الدرس الأخير الرائج فيما يخص نهاية تلك الحقبة ينص على قيام القوة الأكثر انضباطاً عسكرياً بإسقاط الأسد، أي أنه في الختام سقط بفعل العنف لا بوسائل أخرى، ليكون العنف محموداً، بل مكافَأً بالقاعدة التي اشتُهرت بين السوريين: “مَنْ يحرر يقرر”.
سريانُ هذه القاعدة، والتلويح بها في مواجهة الناقدين والمعترضين، يشيران إلى الإعلاء من شأن العنف، حتى بعد أن أدى دوره المُفترض، الدور الذي من أجله تشكّلت الفصائل العسكرية التي قاتلت الأسد. أي أن الوعي السائد لم يغادر دائرة العنف إلى ساحة الصراع السلمي، وهذا الوعي سيبقى مهيمناً ما لم يتطور وعي واسع ينبذ استخدام العنف لتحقيق أهداف يُفترض أن يكون ميدانها الصراع السياسي، ويُفترض أن تكون الإمكانية متاحة للصراع السياسي.
لقد كتب الكثير من المفكّرين والمثقفين العرب وفي العالم عن قصور المعالجة الأمنية وحدها في مواجهة الإرهاب العالمي، وكُتب الكثير عن دور سياسات القوى العظمى في نشوء الإرهاب الذي يعبّر أيضاً عن عدمية سياسية. بيت القصيد أن معالجة العدمية السياسية تكون في السياسة، لأن المعالجة الأمنية ستُبقي على الأسباب حتى إذا أفلحت مؤقتاً في القضاء على التنظيمات الإرهابية.
محلياً أيضاً، تتشجع دوافع نبذ العنف كلما قلّ استخدامه من قبل السلطات، وكلما فُتحت الأبواب أمام الصراع السياسي السلمي، أي عندما لا يبقى العنف وسيلة إجبارية، أو شبه إجبارية، للتغيير بسبب امتناع السياسة. إن نبذ العنف، بمعنى الاستغناء الحقيقي عنه، ليس خياراً فكرياً أو أخلاقياً فحسب، ولا يكفي أن يكون كذلك، بل المطلوب تحديداً أن يصبح الخيار الواقعي لأوسع الشرائح الاجتماعية، ومن جميع الأطياف.
لقد قيل الكثير من أنصار السلطة الحالية عن الدولة التي يجب أن تحتكر العنف، من دون التوقف كما يليق عند مفهوم الدولة التي احتكرت العنف عالمياً. والحق أن الدولة المعاصرة تحتكر العنف بقدر ما تحظى من مشروعية قائمة على القانون والمواطنة، ليكون المجتمع في المحصلة شريكاً في إحلال الأمن والاستقرار، وفي نبذ العنف والإرهاب. إن سلطةً لا تحظى بتعاون مجتمعي واسع ستُضطر أكثر فأكثر إلى الاعتماد على المعالجة الأمنية، والأخيرة بطبيعة الحال ستصبح جزءاً من بنيتها، ومن ردود أفعال خصومها.
والأمر بطبيعة الحال لا يتوقف عند السلطة، أو لا يجب انتظار أن تُقدِم على ما قد لا يكون من مصلحتها، أو من أولوياتها. نبذ العنف هو حاجة سوريّة عامة، وبقدر ما تتعزز هذه القناعة على نطاق واسع بقدر ما تسهل محاصرة العنف السياسي، وجعل اللجوء إليه صعباً جداً، إن لم يكن متعذّراً. لعل التأمّل في الماضي القريب يبقى ضرورياً لتذكُّر الثمن الباهظ للعنف، ومن أجل التأمُّل في سبل محاصرته. ذلك يتطلب نقاشاً عاماً فيما اختبره السوريون من عنف العسكرة وترهيبها، بلا أوهام حول الحصول على نتائج جديدة بأدوات قديمة.
المصدر: المدن






