
كان يمكن لـ نهار يوم الخميس (2 تموز 2026)، أن يمضي عادياً قرب القصر العدلي في العاصمة دمشق، محامون يعبرون الشارع إلى مكاتبهم، ملفات تحت الأذرع، مواعيد مؤجلة، دعاوى تنتظر دورها، ومرافعات ربما نام أصحابها على جملتها الأخيرة قبل أن ينهضوا صباحاً إلى المحكمة.
وغالباً في حقائب بعضهم، ثمة جولة جديدة مع القانون، وربما وثيقة تنتظر التقديم، أو شاهد يترقّب الحضور، أو خيط صغير من خيوط الاستبداد يُراد قصّه أمام قاضٍ، في بلدٍ ما يزال يحاول أن يتعلّم المشي فوق ركام طويل من القهر والدم.
لكن داخل مقهى بسيط يرتاده المحامون والمراجعون قرب القصر العدلي القديم في منطقة الحجاز، حيث تمتزج رائحة الشاي والقهوة بأحاديث المهنة وقلق الناس، وقع تفجير دامٍ وعصف بكل تلك التفاصيل، مخلّفاً عشرات الضحايا بين قتيلٍ وجريح.
المكان الذي كان يُفترض أن يكون استراحة قصيرة بين جلسة وأخرى، تحوّل فجأة إلى شاهدٍ على جريمة تتجاوز حدود الحاضرين فيه، تسعة محامين قضوا -في حصيلة أوّلية- وأصيب قرابة عشرين آخرين بين محامين ومحاميات، في لحظة غادرة كشفت عن حجم الحقد، الذي يلاحق فكرة العدالة قبل العاملين فيها.
كان بوسع الوجع أن يدفع الناس إلى الغريزة، وكان بوسع الدم أن يطلب دماً، غير أن المزاج العام للثورة اختار -في لحظة التحرير الأنقى- أن يترك للمحكمة ما للمحكمة، وأن يكون الحساب وفق القانون، وأن يمثل كبار المجرمين من النظام المخلوع أمام العدالة، بعيداً عن فوضى الانتقام..
المحامون الذين رحلوا اليوم لم يكونوا مجرّد أسماء عابرة في شريط “خبر عاجل”، حيث عُرف منهم: مهند خلف، محمود شهاب، عيد محمد، فتحي القباني، محمد شمالي، حسام الصفدي.. هؤلاء تركوا خلفهم مكاتب مفتوحة، وكتباً لم تُطوَ، وقضايا معلّقة، وأهلاً سيظلون يبحثون عن أصواتهم في كل صباح.
أمّا الجرحى، وعُرف منهم: محمد سحماني، هيثم قباني، عبد العزيز سرميني، أحمد نجار لحسين، خالد مصطفى لحسيان، مصطفى نداف، آية عبد الرحمن، وفؤاد شتيوي، فقد امتزجت دماؤهم بأوراق القضايا، كأن العدالة نفسها قد خرجت من ذلك المكان مصابة أيضاً.
وفي بلدٍ خرج من عقود استبداد طويل حاملاً لواء “نصر لا ثأر فيه”، تبدو هذه الجريمة طعنة غادرة في صلب المسار الأخلاقي، الذي حاول السوريون التمسك به رغم كل ما جرى.
لقد كان بوسع الوجع أن يدفع الناس إلى الغريزة، وكان بوسع الدم أن يطلب دماً أيضاً، غير أنّ المزاج العام للثورة اختار -في لحظة التحرير الأنقى- أن يترك للمحكمة ما للمحكمة، وأن يكون الحساب وفق القانون، بحيث يمثل كبار مجرمي النظام المخلوع أمام العدالة، بعيداً عن فوضى الانتقام.
لذلك، يكتسب استهداف المحامين دلالةً بالغة الخطورة، فمَن يستهدف محامياً قرب القصر العدلي، إنّما يوجّه رصاصته إلى فكرة “الدفاع” ذاتها، وإلى حق الضحايا في أن تكون لقضاياهم المحقّة، ملفات وأسماء وأدلة ومحاضر وجلسات.
فالقاتل يدرك تماماً أنّ المحامي ليس صاحب مرافعة فقط، بقدر ما هو ذاكرة قانونية تمشي على قدمين، يعرف أنّ كل دعوى قد تفتح باباً للحقيقة، وأنّ كل وثيقة قد تفضح جلاداً، وأنّ كل شاهد يحضر إلى المحكمة قد يُسقط رواية كاملة شيّدتها أجهزة القمع والإجرام فوق جماجم الناس.
طبعاً، تأتي هذه الجريمة في توقيتٍ حسّاس للغاية تشهده سوريا، وهو ما تابعه وواكبه تلفزيون سوريا بدقة، خلال الأشهر الماضية، عبر رصد مسارات ومحاكمات العدالة الانتقالية، وما رافقها من نقاشات قانونية وحقوقية حول آليات المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات.
وهذه العملية القانونية الشاقة والمفصلية تواجه تحديات هائلة اليوم، إذ تسعى هيئات حقوقية سورية، بالتنسيق مع جهات محلية ودولية، إلى ملاحقة كبار مجرمي الحرب من رموز النظام المخلوع، وتثبيت التهم القانونية بحقهم، ضمن مسار قضائي يحاول أن يمنح الضحايا حقوقهم، دون الانزلاق بالبلاد إلى هاوية الثأر.
المتابعات الحقوقية المرتبطة بهذا المسار، تفيد بأنّ ملفات المحاسبة بدأت تتقدم قانونياً عبر تحديد قوائم المتورطين الرئيسيين وتوثيق الجرائم، التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للنظام المخلوع بحق المدنيين.
هذا التقدم -مهما بدا بطيئاً أمام وجع الضحايا- يحمل في طيّاتهِ معنى ثقيلاً بالنسبة إلى فلول النظام المخلوع وخلاياه النائمة وميليشياته الإجرامية، فحين تبدأ العدالة بتسمية الجريمة وتفكيك بنيتها، فإنّها تقترب -بالضرورة- من الإطباق على المجرم ومحاسبته.
ربما كانت لدى الشهداء غداً مرافعةٌ أخيرة، ربما كان أحدهم سيقف أمام قاضٍ ليقول جملةً حضّرها في الليل، وربما كان آخر سيقدّم وثيقة تقرّب العدالة خطوةً من ضحاياها، لكن يد الغدر سبقت مطرقة المحكمة إلى أجسادهم البريئة..
من هنا، يبدو تفجير مقهى المحامين محاولةً بائسة لإرهاب هذا المسار في لحظة تشكّله الأولى، فلول النظام المخلوع ومَن يقف خلفهم أو يستخدمهم ويغذّي أوهامهم، يدركون تماماً أنّ هذهِ البلاد المتعبة، حين تستعيد قضاءها وتفتح ملفاتها، لن تبقى إلى الأبد رهينة الخوف القديم، لذلك يذهبون إلى العتمة، يراهنون على الدم، ويؤجّرون حقدهم لكل مَن يريد لـ سوريا أن تبقى جرحاً مفتوحاً، عاجزةً عن حماية صباحها، خائفة من أبواب محاكمها.
والجريمة -بهذا المعنى- هي اختبارٌ قاسٍ للدولة الناشئة، وللمجتمع، ولأهل القانون، وللعدالة الانتقالية نفسها، فالرد على استهداف المحامين لا يكون بالرثاء وحده -مهما كان الرثاء مستحقاً وموجعاً- الرد يبدأ بكشف الجناة ومَن حرّكهم، وبحماية العاملين في سلك العدالة، وبإغلاق منافذ الاختراق، وبمنح الضحايا ثقةً بأنّ الدم، الذي سال غدراً قرب القصر العدلي، لن يُقيد ضد مجهول في أرشيف طويل من الجرائم المنسية.
ربما كانت لدى الشهداء غداً مرافعةٌ أخيرة، ربما كان أحدهم سيقف أمام قاضٍ ليقول جملةً حضّرها في الليل، وربما كان آخر سيقدّم وثيقة تقرّب العدالة خطوةً من ضحاياها، لكن يد الغدر سبقت مطرقة المحكمة إلى أجسادهم البريئة، فأسكتت أصواتاً ناطقة بالحق في الأرض، وتركت وراءها فراغاً موحشاً لا تملؤه الكلمات.
ومع ذلك، لم تنتهِ القضية ولن تنتهي، فقد تكون هذه آخر دعاوى الراحلين في دنيا البشر، وقد تكون مكاتبهم أُغلقت على ملفات ناقصة، وسال الدم على عتبات العدالة المرجوة، غير أنّ المحكمة الأوسع لم ولن تُغلق أبوابها أبداً، فما رُفعت الجلسة هنا إلا لتبدأ هناك -عند ملك الملوك وربّ الأرباب- حيث لا تضيع بيّنة، ولا يغيب شاهد، ولا تحمي القتلة “تسوية”، نعم.. “عند الله تجتمع الخصوم”.
المصدر: تلفزيون سوريا






