
تتواصل هذه الأيام محاكمات بعض رموز النظام السوري السابق، وتستمر الجلسات العلنية في قاعات المحاكم الجنائية في القصر العدلي بدمشق، وسط حالة متابعة واهتمام شعبي سوري وكذلك دولي، لم تشهده القضية السورية من قبل. ويأتي هذا كله ضمن ظروف داخلية سورية وإقليمية غاية في الصعوبة، مع وجود تحديات ومعوقات كثيرة تحول، في بعض الأحيان، دون تحقيق بعض أهداف ثورة الشعب السوري في الحرية والكرامة، التي قام السوريون من أجلها وضحّوا بما يزيد عن مليون شهيد على مذبح الحرية والكرامة، وإقامة الدولة الوطنية السورية، التي تسودها العدالة، وتعيش تحت كنف الدستور الوطني الجامع.
في سياق متابعة مسار العدالة الانتقالية في سورية، تبرز أهمية التركيز على آليات العمل في هذه المحاكمات العلنية، وتتمظهر بالضرورة معطياتٌ عديدة تبين مدى أهمية (وضرورة) إجراء مثل هذه المحاكمات، على مبدأ الولوج الجدّي في مسارات السلم الأهلي الذي يبتغيه كل الشعب السوري، خروجاً فعليّاً من عنق الزجاجة، ودفعاً حقيقيّاً نحو إقامة الدولة الوطنية السورية، دولة المواطنة التي حرم منها وحلم وما زال يحلم بها جل السوريين، من أجل عودة سورية واحدة موحّدة، لا يوجد فيها من يتغوّل على حيوات السوريين، أو يعتدي على حرّيتهم، أو يتجاوز القانون السوري الوضعي، أو يتخطى (من ثم) الدستور السوري، أو على الأقل يعبث بالإعلان الدستوري السوري، الذي يُعمل به حاليّاً بعد العهد الجديد، تهيئة (في قادم الأيام) نحو إنتاج دستور وطني سوري جامع، يعبر عن كل السوريين بكل طوائفهم، وإثنياتهم، وأيديولوجياتهم، يساهم في إعادة إنتاج الصياغة النهائية للعقد الاجتماعي السوري المرتجى.
إنتاج مقاربة وطنية سورية سياسية جدّية، تحاكي الواقع السوري، وتنتج أوضاعاً سورية، في السياق الوطني والعدالة السورية الانتقالية، التي يود السوريون صياغتها وإنتاجها، منعاً لأي انحدارات أو أخطاء، قد تؤدّي، فيما تؤدّي إليه، إلى انجرار نحو حالات من الثأر خارج إطار العدالة الانتقالية، وبعيداً عن كل مسارات هذه العدالة وضروراتها.
ما يجري اليوم من محاكماتٍ لبعض رموز النظام السابق وشخصياته، يأخذ بعده الإعلامي أكثر مما ينحو باتجاه الجدّية الفعلية في مسارات العدالة الانتقالية
وهنا لابد من الإشارة إلى أن ما يجري اليوم من محاكماتٍ لبعض رموز النظام السابق وشخصياته، يأخذ بعده الإعلامي أكثر مما ينحو باتجاه الجدّية الفعلية في مسارات العدالة الانتقالية. وهو كما يبدو يركّز على مسألة العلنية ولفت الأنظار ببعض تمظهراتها الشكلانية بما يفيد الحالة الدعائية أكثر من سواها، بعد أن قيل الكثير شعبياً عن البطء في مسارات العدالة الانتقالية والتي أدّت إلى تظاهرات عديدة على هذا المنوال.
ومن ثم، السؤال الذي لا يزال يشغل الناس في سورية مفاده: كيف تجري محاكمة هؤلاء التابعين لنظام الأسد وعلى أية أسس قضائية؟ وضمن أية إجراءات قانونية؟ وعلى أي أساس قانوني؟ في ظل عدم صدور قانون العدالة الانتقالية، والذي أصبح ناجزاً مسوّدة أولية، تنتظر انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب السوري، الذي اكتملت أخيراً تشكيلته.
ويبدو أن إشكالية محافظة السويداء ما زالت متعثرة، وتنتظر حل إشكالات التفاوض مع إسرائيل، والوصول إلى اتفاق أمني بين دمشق وإسرائيل، وهذا الذي لم يظهر قربه من الإنجاز بعد.
هناك قوانين سورية كثيرة تحتاج إلى إعادة صياغة وتعديل، أو إنتاج قوانين عصرية، تملأ الفراغات في الدولة الجديدة
بالإضافة إلى أهمية إصدار قانون جديد للعدالة الانتقالية على طاولة مجلس الشعب السوري المرتقب، هناك قوانين سورية كثيرة تحتاج إلى إعادة صياغة وتعديل، أو إنتاج قوانين عصرية، تملأ الفراغات في الدولة الجديدة، الخارجة من حرب جاوزت ال14 سنة، تكونت فيها احتياجات وضرورات كثيرة، وباتت قوننة عديد من المسارات ضرورة، وملء هذه الفراغات أيضاً. ومن هذه الفراغات ضرورة وجود قانون عصري وحديث وديمقراطي للإعلام والمطبوعات، حيث أضحت الإجراءات التي أنتجتها وزارة الاعلام السورية مثل “مدوّنة السلوك” غير كافية أبداً، ولا يمكن أن تعوض عن فراغات بحجم غياب قانون جديد للمطبوعات والإعلام السوري.
يضاف إلى هذا أهمية وجود قانون جديد للإدارة المحلية، يأخذ بالاعتبار التفاهمات الجديدة بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكذلك ما يمكن أن يكون مع إجراءات ستأتي لاحقاً مع محافظة السويداء وسواها. وليس بعيداً عن الضرورات هذه أهمية وجود قانون للأحزاب بسمات وطنية ديمقراطية، يعيد إنتاج الحيات السياسية في سورية، حيث ليس من المعقول أن يتم تجاوز هذا، وتغييب جل الحياة السياسية السورية تحت أي ظرف أو سبب.
نعود إلى القول: ما زالت هناك أهمية حقيقية لمتابعة محاكمات من أوغل في الدم السوري، لكن الضرورة تقول أيضاً أن هذا لابد أن يكون على هدي ومحّددات قانون جديد للعدالة الانتقالية يلحظ كل غيابات القوانين الجنائية السابقة ويسد الفراغات، وتتابع المحاكمات على أساسه وضمن حيثيات جديدة وعادلة. ناهيك عن أهمية أن يشمل قانون العدالة الانتقالية ضمن مساراته ومحاكماته كل الذين ارتكبوا أفعالاً بحق أي سوري، ومنها بالضرورة ما جرى في محافظة السويداء، وكذلك في الساحل السوري، وأيضاً في شمال شرق سورية، من كل الأطراف، وليس طرفاً واحداً بحد ذاته. وعلى هذا الأساس، تكون المحاكمات عادلة ومنصفة وتجبر الضرر، وندخل عبرها في مسارات العدالة الانتقالية الحقة، التي يجب ألا تكون انتقائية، ولا انتقامية، بأي شكل، أو ضمن أية ظروف أو حيثيات.
المصدر: العربي الجديد






