صيف العالم أكثر حرارة

يقظان التقي

لم تعد موجات الحر حدثاً موسمياً عابراً، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدول على حماية مجتمعاتها وإدارة مستقبلها. فما تشهده أوروبا من ارتفاع تاريخي في درجات حرارة، وصلت إلى 41 درجة مئوية في بعض المناطق، أعاد السياسات البيئية إلى واجهة النقاش العام، بعدما تحوّلت المناطق الساحلية، الوديان، والمدن الحضرية الكثيفة إلى بؤر لموجات حرٍّ قاتلة، أوقعت ضحايا وكشفت هشاشة البنى التحتية والخدمات العامة. وتزداد الأزمة صعوبة عندما تضرب موجة حرّ في ظل تراجع الثقة بقدرة الدولة على تأمين العدالة والأمن والخدمات الصحية والتعليمية والنقل. فتترافق مع حرائق في الغابات وخسائر زراعية واقتصادية وارتفاع في فاتورة التكيف البيئي. فيما لا تزال البنى التحتية تحت الضغط، وهي شيّدت لمناخ معتدل لم يعد موجوداً، ما يكشف أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية فحسب، بل تحوّل إلى قضية سياسية واقتصادية وأمنية تمسّ جوهر الدولة الحديثة.

يتسارع التغير المناخي في السنوات الأخيرة وسط توقعات مقلقة للغاية، ودخلت أوروبا في حالة تأهّب غير مسبوقة مع تسجيل درجات حرارة قياسية في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا. معظم السكان تحت ضغط متزايد لتأمين التبريد والتهوية والمياه. ولم تعد الأزمة تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة، بل امتدّت إلى شلل قطاعات حيوية، فتعثرت حركة القطارات بسبب تمدّد السكك الحديدية والأسلاك الكهربائية، وانخفض إنتاج بعض محطات الطاقة في وقت ارتفع فيه الطلب على الكهرباء، وأصبحت مراكز البيانات التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي بحاجة متزايدة إلى التبريد. كما أغلقت مدارس، وتوقفت أعمال البناء والزراعة في بعض المناطق، واضطرّت مدن عديدة لفتح ملاجئ باردة لحماية كبار السن والفئات الأكثر هشاشة.

البنية التحتية التي شُيدت خلال القرن الماضي لم تعد قادرة على التكيّف مع واقع مناخي جديد يتقدّم بوتيرة أسرع من توقعات العلماء أنفسهم

تكشف هذه الوقائع أن أوروبا ليست أمام أزمة طارئة، بل أمام انتقال مناخي قسري يفرض إعادة النظر في مجمل السياسات العامة، فالبنية التحتية التي شُيدت خلال القرن الماضي لم تعد قادرة على التكيّف مع واقع مناخي جديد يتقدّم بوتيرة أسرع من توقعات العلماء أنفسهم. فيما يزيد التباين المناخي من صعوبة التنبؤ بالأحداث المتطرّف، إذا استمرّت انبعاثات الغازات الدفيئة بالمعدلات الحالية. فتصبح الصيفيات الحارة هي القاعدة لا الاستثناء. وسيتعيّن على الدول خوض المعركة على جبهتين متلازمتين: التكيّف مع الآثار المتزايدة عبر استثمارات ضخمة في التقنيات النظيفة، والوقود الاصطناعي، واحتجاز الكربون، والمواد الجديدة، وهي مساراتٌ يمكن أن يعزّزها الذكاء الاصطناعي، إلى جانب خفض الانبعاثات جذريّاً. غير أن العالم ما زال يحرق الوقود الأحفوري، ويواصل أنماط الإنتاج والاستهلاك نفسها، رغم وضوح التحذيرات منذ قمة ريو دي جانيرو عام 1992.

ومع هذا، يبدو الأداء السياسي أبطأ من التحولات المناخية، فما تزال الحكومات تتعامل مع الظاهرة بمنطق إدارة الطوارئ أكثر من بناء استراتيجية بعيدة المدى، فيما تنشغل الأحزاب السياسية بقضايا المعيشة والقوة الشرائية والتضخم والتقاعد، والأمن الهجرة والأمن والميزانية والديون والانتخابات، وهي مواضيع لها أهميتها، بينما يتراجع النقاش حول الخطر الذي قد يعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع خلال العقود المقبلة.

وقد حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، من أن العالم لا يتحرك بالسرعة المطلوبة للحد من ارتفاع حرارة الأرض، داعياً إلى الالتزام بأهداف اتفاقية باريس للمناخ 2015. وتفيد التقديرات بأن أوروبا ترتفع حرارتها بمعدل يفوق المتوسط العالمي. وإذا استمرت انبعاثات الغازات الدفيئة بالمستويات الحالية، فإن ما يُعتبر اليوم موجة حر استثنائية قد يصبح المناخ الطبيعي في النصف الثاني من هذا القرن.

عملية استنزاف بطيئة تسرّع تقادم البنى التحتية، وترفع كلفة الصيانة، وتوسّع الفجوة بين قدرات الدولة وحاجات المجتمع

ولم يعد النقاش حول الاختيار بين التكيّف مع التغير المناخي أو الانبعاثات، بل حول الجمع بين المسارين ضمن رؤية واحدة، فالتكيف ضرورة لحماية المجتمعات من المخاطر القائمة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة أسباب الاحترار. بهذا المعنى، تصبح موجة الحرّ قضية سياسية، وتفرض إعادة ترتيب الأولويات والاستثمار في تحديث المباني والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية، بالتوازي مع سياسات جادّة لخفض الانبعاثات.

ويكمن الخوف في أن يعطي العالم انطباعاً بأنه يستسلم للاحترار. فالمدن تستطيع أن تصبح أكثر مقاومةً للحرارة من خلال توسيع المساحات الخضراء، تحسين تصميم المباني، تطوير شبكات التبريد الحضري، والاستفادة من الفضاءات تحت الأرض بوصفها ملاذات مناخية. وقد أثبتت تجربة الطلاءات العاكسة والأسطح الخضراء في مدن أفريقية تواجه موجات حرٍّ تتجاوز47 درجة مئوية، إمكان الحد من آثار الحر. رغم الكلفة العالية التي تتحمّلها اقتصاديات القارّة نتيجة الكوارث المناخية وضعف النظم الزراعية. لكن نجاح هذه الحلول يبقى رهناً بوجود قرار سياسي طويل الأمد، واستثمارات كبيرة، وشراكة فاعلة بين القطاعين العام.

ليست المشكلة في جوهرها تقنية بقدر ما هي سياسية، فالتغير المناخي لا يعمل بما هو كارثة مفاجئة، بل عملية استنزاف بطيئة تسرّع تقادم البنى التحتية، وترفع كلفة الصيانة، وتوسّع الفجوة بين قدرات الدولة وحاجات المجتمع. ومع الوقت، قد تصبح مناطق كاملة غير قابلة للتأمين، وأكثر عرضة للهجرة الاقتصادية والمناخية، ما يضيف أعباء جديدة على الاقتصادات الوطنية.

ليست موجة الحر الأوروبية مجرّد حدث مناخي استثنائي، بل هي إنذار سياسي عالمي بأن المناخ لن يعود إلى الوراء

لقد أصبحت موجة الحر مرآة تعكس حدود النموذجين السياسي والاقتصادي السائدين، فهي تكشف أن إدارة الأزمات لم تعد كافية، والمطلوب الانتقال من ثقافة ردة الفعل إلى ثقافة الاستباق والتخطيط، بحيث يصبح المناخ محوراً أساسياً في التخطيط العمراني والسياسات الصناعية والأمن الغذائي والصحة العامة والطاقة والعلاقات الدولية لا مجرّد ملف تتولاه وزارات البيئة وحدها.

قبل أكثر من عقدين، حذّر الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك: “منزلنا يحترق ونحن ننظر إلى مكان آخر”. واليوم، تبدو هذه العبارة أكثر راهنية، فالعالم لا يفتقر إلى المعرفة العلمية أو التكنولوجيا، بل إلى الإرادة السياسية القادرة على تحويل التحذيرات إلى سياسات ملزمة، وعلى الانتقال من إدارة نتائج الأزمة إلى منع تفاقمها، رغم ما تعرّض له المسار المناخي الدولي من انتكاسات، وفي مقدّمها الانسحاب الأميركي في عهد دونالد ترامب من اتفاق باريس.

ليست موجة الحر الأوروبية مجرّد حدث مناخي استثنائي، بل هي إنذار سياسي عالمي بأن المناخ لن يعود إلى الوراء. وإذا لم يتحوّل هذا الإنذار إلى مشروع جديد للحوكمة البيئية والتنمية المستدامة والقوانين المستقبلية، فإن الأجيال المقبلة لن ترث فقط كوكباً أكثر حرارة، بل نظاماً دولياً أقل قدرة على حماية الإنسان في مواجهة أخطر تحدّيات القرن الحادي والعشرين.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى