لا وقت للبكاء

أمل دنقل

 

لا وقت للبكاء

فالعلم الذي تنكسينه.. على سرادق العزاء

منكس في الشاطئ الآخر،

والأبناء..

يستشهدون كي يقيموه.. على “تبة”،

العلم المنسوج من حلاوة النصر ومن مرارة النكبة

خيطاً من الحب.. وخيطين من الدماء

العلم المنسوج من خيام اللاجئين للعراء

ومن مناديل وداع الأمهات للجنود:

في الشاطئ الآخر..

ملقى في الثرى

ينهش فيه الدود،

ينهش فيه الدود.. واليهود

فانخلعى من قلبك المفئود(1)

فها على أبوابك السبعة، يا طيبة ..

يا طيبة الأسماء:

يُقْعَى أبو الهول،

وتُقعى أمة الأعداء

مجنونة الأنياب والرغبة..

تشرب من دماء أبنائك قربة.. قربة

تفرش أطفالك في الأرض بساطا..

للمدرعات والأحذية الصلبة

وأنت تبكين على الأبناء،

تبكين؟

يا ساقية دائرة ينكسر الحنين..

في قلبها، ونيلك الجاري على خد النجوع

مجرى دموع

ضفافه: الأحزان والغربة،

تبكين؟ من تبكين؟

وأنت ـ طول العمر ـ تشقين، وتحصدين..

مرارة الخيبة

وأنت ـ طول العمر ـ تبقين، وتنجبين..

مقاتلين.. فمقاتلين.. في الحلبة

* * *

الشمس (هذه التي تأتى من الشرق بلا استحياء)

كيف ترى تمر فوق الضفة الأخرى..

ولا تجئ مطفأةْ؟

والنسمة التي تمر في هبوبها على مخيم الأعداء

كيف ترى نشمها.. فلا تسد الأنف؟

أو تحترق الرئة؟

وهذه الخرائط التي صارت بها سيناء

عبرية الأسماء

كيف نراها.. دون أن يصيبنا العمى؟

والعار.. من أمتنا المجزأة؟

.. والطفلة الصغيرة العذبة

تطلق ـ فوق البيت ـ “طيارتها” البيضاء

كيف ترى تكتب في كراسة الإنشاء

عن بيتها المهدوم فوق الأب.. واللعبة؟

وأمي التي تظل في فناء البيت منكبة

مقروحة العينين، مسترسلة الرثاء

تنكث بالعود على التربة:

رأيتها: الخنساء

ترثى شبابها المستشهدين في الصحراء

رأيتها: أسماء

تبكي ابنها المقتول في الكعبة،

رأيتها: شجرة الدر..

ترد خلفها الباب على جثمان (نجم الدين)

تعلق صدرها على الطعنة والسكين

فالجند في الدلتا

ليس لهم أن ينظروا إلى الوراء

أو يدفنوا الموتى

إلا صبيحة الغد المنتصر الميمون

… … …

(.. والتين والزيتون

وطور سنين، وهذا البلد المحزون

لقد رأيت يومها: سفائن الإفرنج

تغوص تحت الموج

وملك الإفرنج

يغوص تحت السرج

وراية الإفرنج

تغوص، والأقدام تفرى وجهها المعوج،

.. وهأنا ـ الآن ـ أرى في غدك المكنون:

صيفا كثيف الوهج

ومدناً ترتج

وسفناً لم تنج

ونجمة تسقط ـ فوق حائط المبكى ـ إلى التراب

وراية (العُقاب)

ساطعة في الأوج..)

* * *

والتين والزيتون

وطور سنين، وهذا البلد المحزون

لقد رأيت ليلة الثامن والعشرين..

من سبتمبر الحزين:

رأيت في هتاف شعبي الجريح

(رأيت خلف الصورة)

وجهك.. يا منصورة،

وجه لويس التاسع المأسور في يدى صبيح

… … …

رأيت في صبيحة الأول من تشرين

جندك.. يا حطين

يبكون،

لا يدرون..

أن كل واحد من الماشين

فيه.. صلاح الدين!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى