
في الصباح، لم يكن في القرية ما يدل على أن الليل قد انتهى. كان الدخان نفسه معلقاً فوق البيوت، والكلاب نفسها تنبش بين الأنقاض، والرجال أنفسهم يجلسون أمام الدكان المغلق يتحدثون عن أسعار الطحين وكأن العالم لم ينقلب رأساً على عقب.
كان محمود يسير في الطريق الترابي المؤدي إلى النهر. منذ سنوات لم يعد يعرف من يحكم المنطقة. تغيرت الرايات أكثر مما تغيرت أشجار الحور على الضفة. راية سوداء، ثم خضراء، ثم بيضاء، ثم رايات لا يتذكر أسماءها. لكن شيئاً واحداً لم يتغير: المقبرة كانت تكبر كل عام.
مر بجوار المدرسة التي تعلم فيها القراءة. لم يبق منها إلا جدار متشقق يحمل عبارة باهتة؛ “العلم نور”.
توقف طويلاً أمامها.
هنا كان الأطفال يتدافعون إلى الصفوف كل صباح حاملين دفاترهم وأحلامهم الصغيرة. أما اليوم فقد تحولت الساحة إلى أرض مهجورة تنبت فيها الأعشاب البرية، وتحاصرها الأنقاض من كل جانب.
نظر إلى مجموعة من الصبية يلعبون الكرة قرب الركام. كانوا في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من العمر، لكن كثيرين منهم لم يفتحوا كتاباً منذ سنوات. كانوا صغاراً إلى درجة أنهم لم يعرفوا أن الحفر المنتشرة حولهم صنعتها القذائف لا الطبيعة.
أدرك فجأة أن الحرب لم تكتف بقتل الناس. لقد قتلت الكلمات أيضاً.
جيل كامل كبر بين النزوح والخيام والحواجز والخوف، حتى صار بعض أفراده يكتبون أسماءهم بصعوبة ويقرأون اللافتات حرفاً حرفاً. جيل يعرف أصوات الرصاص أكثر مما يعرف أصوات المعلمين، ويحفظ أسماء البنادق أكثر مما يحفظ أسماء الكتب.
تذكر معلمه القديم الذي كان يقول لهم: “إذا خسر الإنسان أرضه يمكن أن يستعيدها، وإذا خسر ماله يمكن أن يعوضه، لكن إذا خسر العلم خسر الطريق كله.”
نظر محمود إلى المدرسة المهدمة وإلى الأطفال الذين يركضون بين الأنقاض، وشعر أن الخراب الحقيقي لم يكن في الجدران التي سقطت، بل في السنوات التي سقطت من أعمار هؤلاء الصغار. سنوات كان يفترض أن يتعلموا فيها القراءة والكتابة والحلم، فإذا بهم يتعلمون الهرب والانتظار والخوف.
عندها فقط فهم أن الحرب لا تقتل جيلاً واحداً، بل تمتد يدها إلى الجيل الذي يليه أيضاً.
تذكر صديقه جاسم. كانا يجلسان هنا قبل سنوات يتحدثان عن الجامعة والسفر والزواج. الآن يرقد جاسم في قبر بلا شاهد، بعد أن ابتلعته إحدى الجبهات التي لم يعد أحد يتذكر سبب القتال فيها.
وصل محمود إلى النهر. كان الفرات يجري بهدوء غريب، كأنه لم ير شيئاً مما حدث. كأنه لم يحمل على مياهه جثثاً وأحلاماً ورسائل وداع. جلس على صخرة ونظر إلى الضفة الأخرى. هناك أيضاً كانت قرية تشبه قريته. بيوت مهدمة. أشجار محترقة. ومقبرة جديدة.
فكر أن الحرب ربما انتهت عند الساسة والقادة والخطباء، لكنها لم تنته عند الأمهات اللواتي ما زلن ينتظرن أبناءهن، ولا عند الأطفال الذين ينتظرون مدرسة تعود، ولا عند جيل كامل سُرقت منه القدرة على القراءة والكتابة قبل أن تُسرق منه أحلامه.
عند الظهيرة مرت سيارة عسكرية مسرعة، وأثار غبارها سحابة حجبت النهر للحظات.
سأل رجل عجوز كان يجلس قرب الطريق: ماذا حدث؟
أجابه السائق دون أن يتوقف: لا شيء.
وعندما عاد الغبار إلى الأرض، قال العجوز بصوت خافت: منذ خمسة عشر عاماً وهم يقولون: لا شيء.
ثم نظر إلى المقبرة وأضاف: لكن الأرض تفهم أكثر منا.


