الصين الغائبة عن قمّة السبع

   سامر خير أحمد

يبدو أنّ ما لم تقله قمّة مجموعة الدول الصناعية السبع الكُبرى، في إيفيان ليه بان الفرنسية قبل أيّام، عن الصين، أهمّ بكثير ممّا قالته. ففي بيانها الختامي، تجنّبت تسمية الصين حين تحدّث عن “الاختلالات العالمية” و”الدول صاحبة الفوائض الخارجية الكبيرة والمستمرّة”، ما يدلّ على أنّ قادة السبع الكبار الذين اعتادوا أن يصدروا الأحكام صراحةً على من يخرج عن قواعد النظام الاقتصادي الذي يقودونه، باتوا اليوم يتحدّثون عن خصمهم الصيني بأسلوب التورية، إمّا حذراً منه، أو خوفاً من ردّة فعله، أو إدراكاً منهم أنّ مواجهته العلنية لم تعد ممكنة كما كانت. بل إنّ رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين حين تحدّثت صراحة عن مواجهة ما أسمته “صدمة الصين الجديدة”، خلال غداء عمل القادة في القمّة، محذّرة من أنّ الفائض الصناعي الصيني صار يغرق الأسواق الأوروبية ويهدّد الصناعات المحلّية، فإنّها وإن أرادت التعامل مع الأمر كأنّه مبادرة لاستعادة قوّة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية وحضوره السياسي، فإنّ لجوءها إلى لغة الشكوى من الإغراق والاختلال يظلّ اعترافاً ضمنياً بأنّ المواجهة المباشرة لم تعد خياراً، وأنّ السلاح الأخير الذي يملكه الأوروبيون هو إعلان أنفسهم ضحيّة.

يجلس أعضاء مجموعة السبع التاريخيين حول الطاولة لمناقشة كيفية حماية أنفسهم من الصين، بدل أن يجلسوا، كما جرت العادة، لرسم سياسات يُلزَم العالم بها

قبل القمّة بأيّام، دعا الرئيس الفرنسي ماكرون إلى “قمّة التقارب العالمي من أجل النمو”، يجتمع فيها ممثّلو مجموعة السبع مع الصين والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية وكينيا، في محاولة لإقناع الكبار الجدد بالمشاركة في مناقشة الاختلالات الاقتصادية العالمية قبل أن تجلس الدول السبع وحدها لتُصدر بيانها. وهذه الدعوة تكشف أنّ ماكرون كان يدرك، أكثر من غيره من قادة المجموعة، أنّ “السبع” وحدها لم تعد قادرةً على معالجة الاقتصاد العالمي، وأنّ أيّ قرار جدّي يحتاج الاعتراف بأنّ “الجنوب العالمي”، وفق التسمية الصينية الدارجة، بات شريكاً لا متلقّياً، لكنّه في الوقت نفسه أراد أن يفعل هذا في اجتماع منفصل ومُسبق، حتى لا تظهر القمّة الأصلية كأنّها فقدت دورها التاريخي بوصفها قمّة الكبار الأصليين.
أمّا الصين التي لم تكن حاضرةً في قمّة إيفيان، فقد ردّت على البيان بأنه مليء بالغطرسة والتحيّز والأكاذيب، في عبارة بدت كأنّها مصمَّمة لتُسمَع في عواصم ذلك الجنوب العالمي أكثر منها في عواصم الدول السبع، وسعت الدبلوماسية الصينية، كما جرت العادة، إلى أن تستثمر الحدث بتحويله فرصةً هجوميةً، إذ لم تكتفِ في ردّها بالاعتراض على المصطلحات، مثل الاختلالات والفائض والإغراق، التي استعملتها مجموعة السبع في إطار إشارتها إلى الصين، بل ردّت بمصطلحاتها البديلة مثل التنمية المشتركة، والربح المشترك، فضلاً عن التركيز على الحوكمة العالمية الشاملة، وتلك معركة على المفاهيم لا تقلّ أهمّيةً عن معركة الأرقام. وفي قلبها، جاء إعلان وزير الخارجية الصيني وانغ يي أنّ بلاده تسرّع تأسيس “منظّمة عالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي”، وترحّب بانضمام كلّ الأطراف إليها، كي يقدم الصين قائدةً لنظام عالمي شامل ومنفتح، يكون بديلاً من نظام مغلق ومحتكر. وهذا يكشف مضمون التخطيط الصيني تجاه مستقبل الذكاء الاصطناعي إدراكاً من بكين أنّه سيكون الميدان الفاصل في العقد المقبل، ويفسّر لماذا اختارت أن تتحرّك مبكّراً لتأسيس منظّمة عالمية تنتزع فيها زمام الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي من واشنطن وبروكسل، بحيث تصبح هي صاحبة المعايير لا متلقّيتها، في إعادة إنتاج استراتيجيتها العامّة في كلّ المجالات: التحرّك الدبلوماسي أولاً، ثمّ صياغة المعايير وإلزام الآخرين بها.
اللافت في القمّة أنّه بينما كانت أوروبا قلقةً من “صدمة الصين الجديدة” تلك، نظراً إلى تراجع تنافسية صناعتها أمام الفائض الصناعي الصيني، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يخاطب نظراءه بنبرته الفوقية المعتادة، قائلاً لهم “أنا الزعيم”، ما يعكس خلافاً داخل المجموعة يندرج في إطاره تباين بين قراءة أوروبية ترى الصين تهديداً اقتصادياً يجب التصدّي له بصورة جماعية، وقراءة أميركية ترى في الصين خصماً تجاريّاً يمكن التفاوض معه ثنائياً للحصول على مكاسب مباشرة لواشنطن، كما حدث في زيارة ترامب إلى بكين خلال الشهر الفائت. حدث ذلك بينما تجد مجموعة السبع نفسها في موقع المحتاج إلى التعامل مع الصين لا المتفرّغ لمقارعتها، إذ في الوقت الذي خصّصت القمّة بياناً مستقلاً للحرب الروسية على أوكرانيا، أكّدت فيه استمرار دعمها لكييف ومضيّها في زيادة الضغط على موسكو، تدرك تماماً أنّ بكين هي شريان موسكو الاقتصادي الأكبر، والمستورد الرئيسي لصادرات الطاقة الروسية بأسعار تفضيلية منذ اشتعال الحرب، وأنّ أيّ مواجهة جدّيّة بين الغرب والصين تعني عمليّاً تعزيز الجبهة الموحّدة بين بكين وروسيا، وفتح ميدان مواجهة جديدة على ذلك “الغرب” لا يستطيع تحمّل تكاليفه، خصوصاً أنّ إدارة ترامب تتعامل مع أوروبا من منطلق أنّ عليها هي تحمّل عبء الدفاع عن أوكرانيا، من دون الاعتماد على المظلّة الأميركية كما اعتادت من قبل.

تجد مجموعة السبع نفسها في موقع المحتاج للتعامل مع الصين 

وهكذا، فإنّ الصين، في حسابات السبع، ليست مجرّد خصم اقتصادي ينبغي تطويقه، بل أيضاً ورقة يتعيّن إبقاء جسر التواصل معها مفتوحاً لتجنّب انهيار التوازن الدولي المتداعي أصلاً، وهذا ما يفسّر على الأرجح لجوء البيان الختامي إلى لغة التورية بدل لغة التسمية الصريحة في شأن الصين.
حين تأسّست مجموعة السبع عام 1975، كانت اقتصاداتها تمثّل أكثر من 70% من الناتج العالمي، أمّا اليوم، فهي تمثّل أقلّ من 30%، بحسب معايير القوّة الشرائية، بينما تقترب الصين وحدها من الثلث، ما يعني أنّ أعضاء المجموعة التاريخيين باتوا يجلسون حول الطاولة لمناقشة كيفية حماية أنفسهم من القوّة التي تجاوزت أحجامهم، بدل أن يجلسوا، كما جرت العادة سابقاً، لرسم سياسات يُلزَم العالم بها، كما لو أنّ مجموعة السبع تتحوّل تدريجيّاً من مجلس إدارة للنظام الاقتصادي العالمي إلى جبهة دفاع تحمي حصصها السوقية في مواجهة قوّة صاعدة لا تستطيع منافستها ولا عزلها.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى