
قدّم ترامب ما تبدو أنها هدية ثمينة للعالم بتوقيعه مذكرة تفاهم مع إيران؛ لقد صار ترامب خارج الغرفة، باستعارة مجازية من التعبير المعروف: الفيل في الغرفة. أيضاً، في السياق نفسه، يمكن استرجاع أمثولة المكتئب الذي ذهب إلى طبيب نفسي فنصحه بأن يأتي بقطة إلى غرفته، ولما ساء وضعه أكثر مع القطة نصحه بالإتيان بكلب أيضاً، ثم بفيل… وعندما بدأ التدهور الشديد نصحه الطبيب بالتخلص من الفيل، ليشعر المريض بالتحسن مع كل حيوان يُنصح بالتخلص منه، وليشعر بالتعافي التام عندما يعود إلى ما كان عليه من قبل.
بالتأكيد ثمة اختلاف بين أمثولة الطبيب النفسي وما حدث في الحرب الأخيرة، فـ”ترامب في الغرفة” تسبب بالكثير من الأذى الاقتصادي لبلدان المنطقة، بلا تحقيق أي هدف جيوسياسي لصالحها. وحزمة المغريات الموجودة في التفاهم، لدفع إيران للتخلي عن التخصيب النووي، كأنها تتضمن أعباء مالية إضافية على بلدان الخليج المتضررة أصلاً بسبب إغلاق مضيق هرمز، وتبعاته التي لا تقتصر على ثمن النفط الذي كان يجب تصديره كالمعتاد.
أما مهلة الشهرين للتفاوض على اتفاق نهائي، أو تمديدها باتفاق الطرفين، فهي تشير إلى هدنة سائلة، على غرار وصفنا للحرب من قبل بأنها حرب سائلة. فالإطار الزمني المحدد بشهرين غير نهائي، وكذلك هي الأهداف المنتظَرة من المفاوضات، حيث تحضر فكرة تخلّي طهران عن طموحات نووية عسكرية، من دون وضوح في الأهداف المتعلّقة بالتحقق من التزامها بسلمية البرنامج النووي، وهذا ما كان مصدر الخلاف الذي أدى سابقاً إلى خروج ترامب من الاتفاق الذي أبرمه أوباما.
من المقرر إجراء الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ويُتوقَّع أن تستغل طهران هذا التاريخ بحيث تطول المفاوضات فلا تنتهي ضمن مهلة الشهرين. سيكون ترامب على مشارف الانتخابات بحاجة إلى إنجاز يدعم به مرشَّحي حزبه، أو على الأقل هو بغنى عن فشل قد يتسبب بنكسة لهم؛ في هذه المساحة ستلعب طهران وستضغط عليه بحيث لا تعطيه الإنجاز، ولا تضطره إلى مواجهة الفشل الذي قد يعيده إلى الغرفة.
ومن أهم آثار الهدنة السائلة أنها قائمة على التوجّس لدى كافة أطرافها، ما ينتقص سلفاً من آفاقها السلمية. على سبيل المثال، من المتوقع أن تنفق طهران الأموال التي ستحصل عليها من عودة تصدير النفط ومن الحسابات المجمَّدة في ميادين متصلة بتقوية النظام وقدراته العسكرية، بما أنه سيبقى تحت التهديد حتى توقيع اتفاق نهائي. ليس هناك في نص الهدنة ما يمنع طهران من إنفاق الأموال لتقوية دفاعاتها العسكرية، بما في ذلك الإنفاق الخارجي على ما يُعرف بأذرعها الإقليمية، وقد تزداد أهمية حلفاء إيران في هذه الفترة، وتزويدهم بالدعم يسير عكس أحد أهداف الحرب، خصوصاً بشقّها الإسرائيلي.
بلدان المنطقة عموماً لن تكون خارج التخوف من عودة الفيل إلى الغرفة، ما سيجعلها تتصرف على أنها في حالة طوارئ نسبية، وهذا ينسحب على الشهور التي ستشهد المفاوضات الأميركية-الإيرانية، متضمنةً المهل المتوقعة حتى الانتخابات الأميركية. ومن المحتمل جداً أن يشهد سوق النفط توجساً مماثلاً، يكون فيه الطلب قوياً على الشحنات العاجلة بينما يتراجع على العقود الآجلة. ليعود هذا فيؤثر على الاقتصاديات التي تعتمد تقليدياً على العقود التي تعكس استقراراً، لا تلك التي تعتمد على المضاربات والتي قد تلجأ إليها طهران خلال الشهور القليلة المقبلة.
في الهدنة الحالية السائلة لا يُعرف ما إذا كان ترامب يريدها فقط كاستراحة إجبارية على مشارف الانتخابات، أو أنه يريدها كتوطئة للانسحاب كلياً من مغامرته الإيرانية. وكان قد انسحب جزئياً بتخلّيه عن أهداف قد تبنّاها في بداية الحرب ثم تراجع عنها، وفي رأسها إسقاط النظام الإيراني. في الواقع، سيكون ترامب قد انقلب على نفسه إذا قَبِل باتفاق نهائي شبيه بذلك الذي أبرمه أوباما، لكن لا يُستبعد أن يكون هو بنفسه لم يحدد قائمة نهائية ثابتة للأهداف والأولويات، وهذا الغموض سيضيف عاملاً آخر من عدم الاستقرار الدولي، في انتظار ما قد يفعله الفيل داخل وخارج الغرفة.
واحد من الاعتبارات التي لا تصحّ عادة في السياسة، وتصحّ فقط مع الاستثناء الترامبي، أنه قد يروق له ما فعله بالحرب الأخيرة، بأن جعل العالم يقف على قدم واحدة بسبب توقف إمدادات النفط عبر مضيق هرمز. هذا لا يؤدي بالضرورة إلى إعادة السيناريو بإغلاق المضيق، لكن من المحتمل جداً أن يحتفظ ترامب بورقة التهديد نفسها طالما لم يوقّع اتفاقاً نهائياً مع طهران، يتباهى بجزء منه بسبب تجاوزه الاتفاق النووي السابق في عهد أوباما، وغير بعيد عن المقارنة نفسها يتباهى بصناعته السلام، ربما مع حماسة إضافية وشعارات من قبيل: لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى!
على صعيد متصل، لا يخفى أن ترامب بات معجباً بالصورة التي روّجها عن نفسه، ومنها صورة الرئيس الذي يصعب التكهّن بقراراته وتصرّفاته، مع نزوع لا يُحدّ للحضور على السوشيال ميديا وفي الإعلام التقليدي. التصريحات المتضاربة، أحياناً خلال ساعات، باتت كأنها لعبة مفضّلة، وإذا اعتاد العالم على تلقّيها بعدم اكتراث فهذا لا يعني أنها بلا تأثير بالمطلق، فهي على الأقل تعزز أجواء من عدم اليقين إزاء سياسات القوة الأعظم.
يزيد من فداحة تصريحات ترامب المتواصلة أنه سيكون متحرراً من العديد من الضوابط بعد الانتخابات النصفية، وإذا فاز الجمهوريون بها سيعتبر فوزهم تفويضاً إضافياً له ولسياساته، وإذا فاز الديموقراطيون فمن المرجّح أن يتطرف في سياساته التي تزعجهم. في كل الأحوال ستكون منطقة الشرق الأوسط هي الأكثر تأثراً حتى انتهاء ولايته، فهو يستأنف إرث أسلافه الجمهوريين في المنطقة، ويزيد عليهم من حيث الانخراط الأكبر في تفاصيلها.
من المرجّح أن تبقى حظوظ عدم الاستقرار في المنطقة هي الأعلى حتى رحيل ترامب عن البيت الأبيض، إلا إذا حصل على الاتفاق الذي يرضيه كتتويج لعهده، الاتفاق الذي سيقلب أحوال المنطقة وتحالفاتها، بما يجعلها أيضاً غير مستقرة في المدى القريب؛ هذا إذا لم يؤخذ بالحسبان وجود نتنياهو على رأس الحكومة الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ إسرائيل.
إن نظرة غير متسرّعة إلى أحوال بلدان المنطقة كفيلة بملاحظة عوامل الاضطراب ضمن العديد منها، خصوصاً في شرق المتوسط. الحرب الأخيرة أضافت تأثيراً سلبياً على اقتصاديات هذه الدول، وعلى الاقتصاديات الغربية والخليجية (المانحة تقليدياً)، ليُضاف ذلك إلى العوامل الأخرى لعدم الاستقرار. في هذه اللوحة قد تكون السياسات الحذرة المنضبطة هي الأفضل في مواجهة الجموح الترامبي، ويكون من الرعونة الظنّ أنه بالإمكان التكسّب من سياساته، وهو في الغرفة أو خارجها، فقد أثبت للتوّ فشله هو نفسه في الاستفادة من الترامبية.
المصدر: المدن






