لعنة الجغرافيا: بين التموضع الجغرافي وحدود الفعل السياسي

خالد الجابر

  تفرض تداعيات الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إعادة تفكير جذرية في مفهوم الجغرافيا السياسية، ليس بوصفها إطاراً تفسيرياً يُستدعى لفهم توزّع القوى، بل باعتبارها قوة قسرية فاعلة تعيد تشكيل مصاير الدول خارج إرادتها المباشرة، وتفرض عليها أدواراً ومآلات لم تخترها. فالجغرافيا هنا ليست خلفية ساكنة للأحداث، بل متغيّر حاسم يصنع الأحداث نفسها، ويحدّد سلفاً هامش المناورة المتاح أمام الفاعلين الإقليميين.

لقد وجدت دول الخليج العربي نفسها، مرّة أخرى، في موقع لا يتيح لها خيار الانخراط أو الامتناع بحرية كاملة، بل يضعها في قلب ارتدادات صراع لم تكن طرفاً مباشراً في قراره، لكنها كانت طرفاً فعلياً في نتائجه وتكاليفه. فقد استُهدفت بنيتها التحتية الحيوية، وهُدّدت منشآتها النفطية وموانيها ومطاراتها، وتعرّض أمنها الاقتصادي واللوجستي لضغوط غير مسبوقة، وصولاً إلى التلويح المتكرّر بتهديد مضيق هرمز الذي لا يمثل مجرد ممر إقليمي، بل عقدة حيوية في النظام الاقتصادي العالمي.

يفتح هذا الوضع سؤالاً إشكالياً يتجاوز حدود الحدث العسكري المباشر، ويتغلغل في عمق النظرية السياسية نفسها: هل الجغرافيا قدر ثابت لا فكاك منه، أم أنها مجال مرن يمكن إعادة تشكيله سياسياً عبر الإرادة والمشروع والتحالف؟ في حالة الخليج، تبدو الإجابة أكثر تعقيداً مما توحي به الثنائيات التقليدية، إذ تتحوّل الجغرافيا من مساحة سيادية تُمارَس فيها السلطة إلى بنية ضغط دائمة تُمارَس عليها السلطة. فالموقع الاستراتيجي، الذي يُفترض أن يكون مصدر قوة ونفوذ ورافعة للفعل الدولي، يتحوّل إلى عبء وجودي، حين يكون محاطاً بتشابكات إقليمية ودولية متضاربة، تجعل من استقراره هدفاً دائماً لقوى خارجية، أو عرضة للاهتزاز المستمر عند كل توتر. وهنا لا تصبح الدول ضحية لضعفها الذاتي، بل لفرط أهميتها في حسابات الآخرين، في انقلاب دلالي لافت يقلب معادلة القوة التقليدية رأساً على عقب.

المعادلة لن تُحل بتغيير الموقع، وهذا مستحيل أصلاً، بل بتغيير منطق التعامل معه

غير أن اختزال المشهد في مفهوم “لعنة الجغرافيا” وحدها قد يكون قراءة ناقصة ومضللة، لأنها تُحيل المسؤولية إلى قدر مجهول، وتُعفي الفاعلين من تبعات خياراتهم. فالجغرافيا لا تعمل في الفراغ، ولا تنتج آثارها تلقائياً، بل تُفعَّل عبر سياسات القوى الكبرى والإقليمية التي تعيد إنتاج التوترات أو تهدئتها، وفق حسابات مصالحها المتغيرة.

من هنا، يصبح الشرق الأوسط ليس مجرّد منطقة غنية بالموارد الطبيعية، بل نظاماً مفتوحاً للصراع، تتقاطع فيه خطوط الطاقة مع ممرات التجارة الدولية، وتتشابك فيه الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الاقتصادية والأيديولوجية. إن مرور جزء كبير من التجارة العالمية عبر هذه المنطقة، وارتباطها الوثيق بأسواق الطاقة العالمية، يجعل أي اضطراب فيها حدثاً يتجاوز الإقليم ليُلقي بظلاله على النظام الدولي بأسره، ويستدعي استجابات تتخطى قدرة الفاعلين المحليين على التحكم.

المفارقة الأعمق هي أن هذا الثقل الجيوسياسي الهائل لم يُترجم دائماً إلى قدرة ذاتية على حماية الاستقرار أو صياغة الأمن الإقليمي، فالدول الواقعة في قلب هذه الجغرافيا تجد نفسها في موقع “المفعول به” أكثر من كونها فاعلاً مستقلاً صاحب مبادرة، رغم محاولات متزايدة وجادّة لبناء منظومات ردع ذاتية، وتنويع شبكات التحالف والشراكة.

وهنا يظهر التوتر الحادّ بين منطق السيادة الذي يفترض حرية القرار ومنطق التبعية البنيوية للجغرافيا الذي يفرض قيوداً صارمة، إذ لا يكفي امتلاك القوة الاقتصادية أو العسكرية إذا كانت مسارات التهديد ومصادره تُصاغ خارج الحدود الوطنية، وفي غرف قرار بعيدة عن العواصم المعنية.

ومضيق هرمز، في هذا السياق التحليلي، ليس مجرد نقطة استراتيجية على خريطة الملاحة الدولية، بل رمز مكثف لهذه المعادلة المختلة بين الموقع والقدرة. فتعطيله أو حتى مجرد التلويح بتهديده لا يعني فقط أزمة إقليمية محدودة الأثر، بل اضطراباً مباشراً في شريان الاقتصاد العالمي، وارتفاعاً فورياً في أسعار الطاقة، وموجات تضخم عابرة للقارات.

تصبح الجغرافيا لعنة حقيقية حين تُترك دون تحويلها إلى مشروع استقرار إقليمي جماعي

وهذا ما يجعل استقرار المضيق رهينة توازنات دولية تتجاوز إرادة الدول المشاطئة له، ويعمّق الشعور بأن الجغرافيا هنا ليست فقط إطاراً للفرص الاقتصادية والدبلوماسية، بل أيضاً بنية للابتزاز الجيوسياسي المستمر، تُستخدم أوراقها في مفاوضات لا تكون دول الإقليم طرفاً كامل الصلاحية فيها.

من هنا، يمكن القول إن الأزمة الحقيقية ليست في الجغرافيا ذاتها باعتبارها معطى طبيعياً ثابتاً، بل في الطريقة التي يُعاد بها إنتاج معناها سياسياً من الفاعلين المحليين والدوليين. إنها تصبح لعنة حقيقية حين تُترك دون تحويلها إلى مشروع استقرار إقليمي جماعي، وحين تبقى محكومة بمنطق الصراع الصفري الذي يرى في مكسب طرف خسارة حتمية لآخر، بدلاً من منطق التكامل الأمني الذي يبني على المصالح المتقاطعة. وفي هذه الحالة، لا تكون الدول مجرّد ضحايا لموقعها الجغرافي، بل أيضاً ضحايا غياب رؤية جماعية قادرة على تحويل هذا الموقع من ساحة تنازع دائم إلى فضاء توازن مستدام، يحمي المصالح المشتركة ويُخفض منسوب التوتر.

السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: كيف نتخلص من “لعنة الجغرافيا”؟ فهذا سؤال مستحيل الإجابة عنه بطبيعته، بل كيف يمكن إعادة تعريف الجغرافيا نفسها والتكيّف الاستراتيجي معها باعتبارها مجالاً لإنتاج الأمن لا استهلاكه، ولتثبيت الاستقرار لا تفكيكه، ولصياغة التفاهمات لا تعميق الانقسامات، فالمعادلة لن تُحل بتغيير الموقع، وهذا مستحيل أصلاً، بل بتغيير منطق التعامل معه، والانتقال من مقاربة ردة الفعل إلى مقاربة المبادرة، ومن التموضع الدفاعي إلى الفعل البنّاء الذي يُعيد للجغرافيا معناها بوصفها فرصة لا قدراً، ومجالاً للسيادة لا موضوعاً لها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى