أفريقيا ونهاية أيديولوجيا التنمية

سمير حمدي

        

مثّل انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، في أواخر الثمانينيّات، إعلان نهاية الحقبة الاستعمارية. تزامن هذا مع انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، ما بشّر (نظرياً على الأقلّ) بعهد جديد للقارّة الأفريقية. فبعد تحرّرها من صراع الشرق والغرب، بدا أنّ أفريقيا بصدد استعادة موقعها الجغرافي، وربّما مصيرها. إلا أنّ هذا المنعطف الجديد تزامن أيضاً مع فترة من الاضطراب والبحث عن البدائل. فقد أثار الخضوع القسري لقواعد العولمة، وفشل سياسات إعادة البناء الهيكلي، وتدهور المؤشّرات الاقتصادية والاجتماعية، تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل الدول الأفريقية، وحول ماضٍ لم يُستوعب جيّداً، عالق بين آثار الاستعمار المتبقّية وآمال الاستقلال التي غالباً ما تلاشت. عادت الأسئلة المركزية التي صاحبت حلم الاستقلال إلى الظهور من جديد بعد فشل مخطّطات التنمية والتحديث التي راهن عليها آباء الاستقلال. وكان السؤال المركزي: ما المسار الذي ينبغي اتباعه لتحسين أوضاع الشعوب الغارقة في الفقر؟

يواجه الأفارقة اليوم احتياجات ملحّة، وأسئلة أكثر من الإجابات، محرومين من الأدوات التحليلية نتيجة ضعف التفكير النقدي وهيمنة السلطوية السياسية. يقف الأفريقي في بيته، فيُدرك ما سماه فرويد “الألفة الغريبة” للأشياء: فهو في بيته وغريب في آن واحد. هذا العالم الذي يحيط به، الذي هو عالمه، ينتمي إليه من دون أن ينتمي إليه حقّاً. في الواقع، بعد أن خضع للهيمنة وللاستبداد لفترة طويلة، أي مستقبل ينتظره؟

ظهر مصطلح “التنمية” في النظرية الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، بالتزامن مع تطبيق إنهاء الاستعمار، أولاً في آسيا في خمسينيّات القرن العشرين، ثمّ في أفريقيا في ستينيّاته. وحتى ذلك الحين، لم تكن القوى الاستعمارية مهتمةً بالتنمية، بل بـ”استغلال” مستعمراتها.

يقف الأفريقي في بيته، فيُدرك ما سماه فرويد “الألفة الغريبة” للأشياء: فهو في بيته وغريب في آن واحد

بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح مصير الدول المستقلّة حديثاً مسألةً ملحّةً للغاية. وهكذا ظهرت فكرة مساعدة هذه الدول التي وُصفت بأنّها “متخلّفة”، وكان تبرير هذه “المساعدة” من الناحية الدعائية لأسباب أخلاقية، بالطبع، فمن الضروري للغرب المتقدّم مكافحة الفقر، ولكن يجب تقديمها أيضاً لمصلحة ما يسمّى العالم الحرّ: إنّها مسألة منع الدول الفقيرة من الانزلاق إلى المعسكر الشيوعي، وفتح أسواق جديدة للشركات الغربية.

عند استقلالها في الستينيّات، ورثت العديد من الدول الأفريقية ديوناً من الاستعمار، كما استدانت أيضاً لبناء دولها الجديدة. كان الأمر ميسور التكلفة للغاية لأنّ أسعار الفائدة كانت قريبة من الصفر. ومع ذلك، في نهاية السبعينيّات، بعد الصدمات النفطية، ارتفعت أسعار الفائدة بشكل كبير. وفي ظلّ استشراء الفساد وهيمنة أنظمة شمولية اغلبها تستمدّ وجودها من انقلابات عسكرية سُمّيت زوراً “الثورات”، أصبح حلم التنمية بعيد المنال، وتبخّرت المشاريع الكُبرى وأصبحت كابوساً تحاول الشعوب الاستفاقة منه.

في الثمانينيّات والتسعينيّات، انهار عدد كبير من الأنظمة الدكتاتورية الأفريقية. وقبلت الأنظمة التي خلفتها عموماً السياسات التي أوصى بها أو فرضها البنك وصندوق النقد الدوليان، واستمرّت في سداد ديونها البغيضة. أمّا النموذج النيوليبرالي، بعد أن فُرض بمساعدة الدكتاتوريات، تم الحفاظ عليه بفضل نير الديون. في الواقع، منذ إطاحة الجيل الأوّل من الدكتاتوريات أو انهيارها، استمرّت الحكومات الجديدة في تطبيق السياسات التي تشكّل قطيعةً مع محاولات تنفيذ نموذج التنمية المستقلّ جزئياً.

لا تخجل الأنظمة الجديدة من إعلان عجزها عن توفير الحدّ الأدنى لشعوبها منهيةً عقوداً من شعارات أيديولوجيا التنمية

وظهر مصطلح التنمية المستدامة في الخطاب الدولي، نحو عام 1990 لتوصيف الإجراءات التي على الدول الأفريقية اتخاذها استجابةً لشروط صندوق النقد ورديفه البنك الدولي، في وقتٍ كان فيه مفهوم التنمية، رغم مكانته المهيمنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يفقد مصداقيته تدريجياً. خلال هذه الفترة ظهرت سياسات إعادة الهيكلة الاقتصادية بقروض من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي مقابل إصلاحات لتحرير الاقتصاد. وحدثت موجة ثالثة من الديون في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين مع وصول الصين، التي سرعان ما أصبحت الدائن الرئيس في القارّة.

الغالبية العظمى من القادة الحاليين في البلدان الأفريقية عالقون تماماً في النموذج النيوليبرالي. ومع عودة موجة الانقلابات (العسكرية والدستورية) والتي افتتحها الانقلاب المصري 2013، فإنّ غالبية الذين وصلوا إلى الحكم مرتبطون بالكامل بمصالح الطبقات المهيمنة المحلّية التي ليس لديها أيّ احتمال للانفصال عن السياسات التي تفرضها الدول الكُبرى بما في ذلك الصين. ولم تعد الأنظمة الجديدة تخجل من إعلان عجزها عن توفير متطلّبات الحدّ الأدنى لشعوبها من تعليم وصحّة وثقافة، منهية بذلك عقوداً من الشعارات المستندة إلى أيديولوجيا التنمية. وأصبحت الأجندة الاقتصادية التي يتم تطبيقها على أرض الواقع تهدف إلى إخضاع المجالَين العامّ والخاصّ لمنطق البحث عن أقصى قدر من الربح في إطار الرأسمالية المتوحّشة. ولم يعد شعار التنمية مطروحاً، وإنّما الهدف هو إعادة إنتاج الفقر (وليس الحدّ منه) وزيادة فجوة التفاوت.

عاجلاً أم آجلاً، سيحرّر الأفارقة أنفسهم من عبودية الديون والاضطهاد الذي تمارسه الطبقات المهيمنة في الشمال والجنوب. ومن خلال نضالهم، سيحقّقون تنفيذ السياسات التي تعيد توزيع الثروة وتضع حدّاً للنموذج الإنتاجي المدمّر للطبيعة. عندئذ سيتّجه الحكام الجدّد إلى إعطاء الأولوية المطلقة للوفاء بحقوق الإنسان الأساسية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى