
أثار وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين جدلاً واسعاً حين صرّح بأنّ حكومة بلاده أقدمت على طبع عملة عراقية بمقدار 25 تريليون دينار (نحو 19 مليار دولار)، لتغطية العجز في السيولة، ولتسديد رواتب الموظّفين والمتقاعدين ومستحقّات الرعاية الاجتماعية. وجاءت أكثر ردّات الفعل إثارةً من البنك المركزي، الذي نفى في بيان له أن تكون العمليات الجارية “طباعة للنقد” من دون غطاء، مؤكّداً أنّ الأمر لا يعدو “اقتطاع حوالات خزينة” ضمن أدوات السياسة النقدية المسموح بها قانوناً. وبهذا الردّ “الدبلوماسي” لا ينكر البنك أصل إصدار الـ25 تريليون، وإنّما يضعه في إطار مختلف عن الانطباع الذي أوحى به كلام فؤاد حسين، إذ يوحي حديث الوزير بأنّ الدولة تطبع أموالاً بلا غطاء، ما قد يؤدّي إلى زيادة التضخّم وارتفاع أسعار السلع. أمّا تفسير البنك المركزي فيعني أنّنا أصدرنا سيولةً نقديةً في مقابل حوالات دين حكومية تسلّمتها الحكومة، على أن تُسدَّد مستقبلاً.
في كلّ الأحوال، يبعث هذا التضارب في التصريحات بين أطراف داخل دائرة صنع القرار رسالةً سلبيةً إلى الأسواق والمستثمرين والرأي العام، في ظرف حسّاس وصعب ربّما لم تواجهه أيّ حكومة عراقية منذ عام 2003. فقد اعتادت الحكومات السابقة تأجيل الأزمات وإطلاق الوعود من دون كلفة سياسية كبيرة، أمّا حكومة علي الزيدي، فتواجه مخنقاً لا يتيح هامشاً واسعاً للمناورة، وهي مطالبة بمعجزتَين: اجتياز الأزمة الاقتصادية الناتجة من إغلاق مضيق هرمز، وحلّ المليشيات ونزع السلاح المنفلت.
في ما يتعلّق بالمليشيات، لا يزال المشهد ضبابياً، ولا يوجد ما يؤكّد أنّ المسألة ستتجاوز حدود المناورات الشكلية. أمّا في الجانب الاقتصادي، فالرجل لا يساعد كثيراً على تعزيز الثقة بقدرته في مواجهة الأزمة، فقد أثارت تصريحاته عن ضرورة مغادرة الاشتراكية موجةً من السخرية والانتقاد، إذ يُفترض أنّه جاء من عالم المال والأعمال، ولديه معرفة أوّلية بالهيكل الاقتصادي للدولة، كما أنّه رئيس وزراء ولديه مستشارون اقتصاديون من المتوقّع أنّهم يزوّدونه بالمعلومات الدقيقة قبل الإدلاء بتصريحات للإعلام.
عملياً، غادر العراق سياسات الاقتصاد الموجّه في عقد التسعينيّات بسبب ضغط العقوبات الاقتصادية، وفسح المجال أمام القطاع الخاصّ لمحاولة توفير فرص العمل، كما باع أو أجّر عدداً من مصالحه الاقتصادية. لكنّه لم يتحوّل إلى اقتصاد حرّ بالكامل، إذ بقيت الدولة توفّر الإعانات الغذائية عبر البطاقة التموينية، وظلّت قطاعات النفط والطاقة تحت سيطرتها.
لم يحدث تحوّل جذري في المشهد الاقتصادي بعد عام 2003، على الرغم من التفاؤل الذي رافق البدايات، حين أعلن الحاكم المدني بول بريمر، في وقتها، إنهاء عصر الاشتراكية، وأصدر أوامر هدفت إلى فتح باب الاستثمار الأجنبي، وتخفيض الرسوم الجمركية، وتحرير الاقتصاد، والسماح ببيع بعض أصول الدولة، باستثناء النفط والموارد الطبيعية.
عملياً، بقيت الدولة هي المشغّل الأكبر، وتضخّمت البطالة المُقنّعة خلال عقدَين، مع تدنّي إنتاجية الموظّف الحكومي، وظهور ظاهرة “الموظّف الفضائي”، فضلاً عن تعدّد الرواتب والمنح لفئات مختلفة، بما جعل الدولة العراقية، على الرغم من انفتاح سوقها، دولة “توزيع ريع” بامتياز. ويضاف إلى ذلك الفساد الذي تحوّل إلى عرف غير مكتوب تدير من خلاله الأحزاب المسيطرة موارد الدولة وفق مصالحها.
ما يحتاجه العراق ليس الخروج من الاشتراكية أو التمسّك بها، ولا الإيحاء بأنّ الانتقال إلى اقتصاد السوق يمكن أن يتمّ بكبسة زر، وإنّما عقول اقتصادية خلّاقة قادرة على اجتراح مسار ينقل العراق من حفرة الريع التي ينزل إليها كلّ سنة جيش جديد من المطالبين بالتوظيف، إلى اقتصاد أكثر إنتاجيةً وتنوّعاً، من دون ترك المواطن لآلة العرض والطلب المتوحّشة، وبناء نموذج عراقي خاصّ يستفيد من آليات السوق لتحفيز الإنتاج والاستثمار، مع احتفاظ الدولة بدورها في العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الأضعف. وهو أمر لن يُؤتي ثماره، في كلّ الأحوال، خلال ولاية رئيس الوزراء الحالي، لكنّه قد يمنحه شرف التأسيس لتصحيح المسار.
المصدر: العربي الجديد






