الضاحية ذريعة إيران للتصعيد

بسام مقداد

لا الإسرائيليون ولا اللبنانيون ولا سواهم، يصدقون أن إيران قصفت ليل السبت الأحد المنصرم الأراضي الإسرائيلية ثأراً لقصف إسرائيل الضاحية الجنوبية. فقد سبق أن ورط نظام الملالي فصيله اللبناني، حزب الله، في أكثر من حرب، وليس مع إسرائيل عبر لبنان فقط، وتكبد الشيعة ومدنهم وقراهم الكثير من القتل والدمار، ولم يحرك النظام ساكناً أكثر من شعارات الاستنكار والتأييد عن بعد. في ذروة قوته بقي نظام الملالي متفرجاً على ما تلحقه بحزبه والشيعة ولبنان الحروب التي أثارتها مقتضيات مصلحته. فما الذي تغير غير الضعف الذي لحق به، حتى يسارع نظام الملالي للثأر لضاحية بيروت الجنوبية؟ وما حاجته للتصعيد الحالي الذي يؤدي إليه هذا الثأر؟ وكيف غيرت الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل طبيعته وأصبح التصعيد وسيلة للحفاظ على وجوده، وسواها من الأسئلة التي عمل النظام طيلة فترة وجوده لتفاديها؟

الخبير الروسي المعروف بالشؤون الإيرانية Nikita Smagin قال على موقعه على الفايسبوك في 8 الجاري إنه يعتقد أن الأمر لا يتعلق بلبنان، بل بحقيقة أن الحرس الثوري مستعد لحرب لا نهاية لها حتى النصر المظفر. وتُعتبر الضربات على إسرائيل تصعيداً متعمداً من جانب إيران، التي تدرك قيادتها العواقب جيداً. وتتمثّل هذه العواقب في استمرار الحرب بكلّ ما يترتب عليها من آثار، بما في ذلك تدمير المنشآت المدنية في إيران.

لم يقتصر تدمير النخبة العسكرية والسياسية الإيرانية على يد القوات الأميركية والإسرائيلية على مجرد استبدال مجموعة من القادة بمجموعة أخرى، بل أدى أيضاً إلى تحول جذري في المفاهيم. بمعنى آخر، لم يعد إحياء مفهوم الشهداء والدفاع المقدس مجرد شعار، بل أصبح نموذجاً يحتذى به لصناع القرار في إيران.

الضعف العسكري والتقني مقارنة بالعدو واضح للجميع في إيران، ويدركون أنه لا يمكنهم كسب الحرب بالقوة. لكن الأمر عينه حدث بالضبط خلال الحرب الإيرانية العراقية. فقد تمكن نظام الملالي من البقاء على قيد الحياة بثمن باهظ من التضحيات -استعداد للتضحية بكل شيء على مذبح النصرــ من الرفاه الاقتصادي إلى حياة البشر. أي أن النظام كان يقول لأعدائه “قد نكون أضعف منكم عسكرياً، لكننا مستعدون لتحمل خسائر لستم مستعدين لها على الإطلاق”.

يرى  Smaginعناصر من الحسابات العقلانية في هذا المنطق. فأعداء إيران يعانون من موت فرد واحد أكثر مما يعاني الإيرانيون من موت المئات. وهناك أيضاً عامل الصراع الداخلي: فما دامت الحرب مستمرة، يبقى الحرس الثوري هو السلطة الشرعية في إيران. كما يوجد بُعد ديني أيضاً، إذ أن بعض هؤلاء الناس مستعدون حقاً للتضحية بأنفسهم.

يستنتج الخبير من ذلك أن الحرس الثوري يدفع الوضع نحو حرب لا نهاية لها. ورغم أن هذا التوجه لا تتبناه جميع النخب الإيرانية، إلا أن صناع القرار يُعدّون البلاد والمنطقة لهذا السيناريو تحديداً.

وكالة الأنباء الإسرائيلية cursor الناطقة بالروسية أيضاً نقلت في 8 الجاري نصاً للبروفسور في جامعة تل أبيب أوزي رابي (Uzi Rabi) كتبه لموقع walla.

رأى رابي أن طهران تستخدم الصواريخ كأداة للمساومة مع ترامب، في محاولة للحصول على فوائد من الاتفاقية من دون دفع الثمن الحقيقي. وهي إذ تطلق رشقات الصواريخ على إسرائيل، لم يعد من الممكن اعتبار هذا مجرد رد فعل على الضربة الإسرائيلية على الضاحية في بيروت.

ما يحدث هو محاولة واضحة لاستخدام إسرائيل كأداة للمساومة. فالسلطات الإيرانية تحاول إفهام للولايات المتحدة ودول الخليج وإسرائيل أنه ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشروط مواتية لها، فإن جميع الجبهات ستظل مشتعلة. فإسرائيل، لبنان، الحوثيون، مضيق باب المندب، القواعد الأميركية والخليج العربي، كل هذا قد يصبح مرة أخرى حلقة ضغط واحدة.

ويرى الكاتب أنه لفهم خطوة إيران بقصف إسرائيل، من الضروري الإجابة على السؤال: ما الذي تريده إيران حقاً. فالنظام الإيراني لا يسعى بالضرورة إلى حرب شاملة، لأن مثل هذا الصدام قد يكشف نقاط ضعفه. ومع ذلك، فإن طهران غير مستعدة أيضاً لتوقيع اتفاقية تلزمها بإعادة بناء بلد محطم، والتعامل مع أزمة اقتصادية خانقة، وبنية تحتية متهالكة، ومجتمع منهك. فمن الصعب للغاية على القيادة الإيرانية الانتقال من سياسة المقاومة إلى سياسة إعادة البناء. فالحرب تضمن لهم الشرعية والانضباط والخوف، بينما يتطلب السلام إعادة نظر بالقيم، ووضع أولويات جديدة، ومعالجة القضايا الداخلية التي لا يرغب النظام في طرحها.

لهذا السبب تريد إيران جني ما يوفره الاتفاق من فوائد، لكنها ترفض دفع ثمنه. تسعى طهران إلى الحصول على الأموال، وكسب الوقت، ورفع العقوبات، وضمان الهدوء لحزب الله، والاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم. تريد السلطات الإيرانية تحقيق تنازلات من دون أن تبدو وكأنها تستسلم، وإبرام صفقة من دون التخلي عن نفوذها، ووقف إطلاق النار من دون حل محورها الراديكالي. يعتمد المفهوم الإيراني على الدرع العسكري الديني نفسه الذي تم بناؤه على مدى عقود: البرنامج النووي، وترسانة الصواريخ، وحزب الله، والحوثيين، والتشكيلات الإقليمية الموالية لإيران. وبالنسبة لطهران، هذا ليس مجرد إضافة إلى السياسة الخارجية، بل هو بمثابة بوليصة التأمين الرئيسية للنظام نفسه.

ويرى البروفسور الإسرائيلي أن هذا ما يفسر الأهمية البالغة للضربات الصاروخية على الأراضي الإسرائيلية. فإيران لا تهاجم بدافع الغضب العاطفي عقب الضربة الإسرائيلية للضاحية في بيروت، بل تفعل ذلك لفرض تعريفاتها الجمركية الخاصة. فإذا هاجمت إسرائيل حزب الله في بيروت، فسترد إيران. وإذا أرادت الولايات المتحدة إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، فعليها تقديم تعويضات. وإذا أراد دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق، فعليه أن يدرك أن الوقت من ذهب.

وكالة الأنباء realtribune التي تبث بالعربية والروسية نقلت في 5 الجاري مقاطع من نص كتبه لمطبوعة “فورين أفير” الأميركية البروفسور في العلاقات الدولية في جامعة تكساس محمد آية اللهي طبار. حمل النص عنواناً يقول “إيران لم تعد تسعى للسلام: “الحرب التي لا نهاية لها” أصبحت واقعاً”. رأى الكاتب أن إيران تعتزم تغيير طبيعة تفاعلها مع واشنطن وحلفائها بشكل جذري، لتصبح قطباً في عالم متعدد الأقطاب. والحرب، برأي طهران، تساعد على بلوغ هذا الهدف.

فإيران تعتقد أن الصراع يزيد من نفوذها الدولي: فقد أدت الضربات على الدول العربية التي تستضيف القوات الأميركية إلى ظهور شرخ بين الولايات المتحدة وشركائها في الخليج؛ كما أجبر إغلاق مضيق هرمز العديد من الدول على إعادة النظر في موقفها تجاه طهران؛ وقد انهارت الاتفاقيات السابقة مع الولايات المتحدة، كما أثبتت التجربة.

رأى الكاتب أنه بعد مقتل المرشد علي خامنئي، الأصوات الحذرة في إيران إما أنها صمتت أو انتقلت إلى معسكر المتشددين. وباتت البلاد الآن تحت سيطرة المتشددين الذين شعروا بالانتصار بعد نتائج الحرب. لعقود، هددوا بإغلاق مضيق هرمز، لكن البراغماتيين تراجعوا خشيةً من الرد. وعندما نفذت طهران تهديدها أخيرًا، رحب به العديد من النخب والمواطنين الإيرانيين بذلك.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى