الرياضة والذاكرة الإسرائيلية… من المنافسة إلى الاصطفاف السياسي

أحمد الجندي              

لطالما قُدِّمت الرياضة بوصفها مساحةً تتجاوز الخلافات السياسية والهُويّات المتصارعة، غير أنّ الذاكرة الجماعية كثيراً ما تعيد سحب الأحداث الرياضية إلى ميادين السياسية. وفي هذه الحالة، لا تُقرأ المباريات الكُبرى من منظور الأداء والنتائج فقط، بل تتحوّل، في أحيان كثيرة، إلى رموز لصراعات وتحالفات تتجاوز حدود الملاعب الرياضية، بل قد تصبح ميادين الرياضة نفسها ساحةً لتصفية الحسابات. يلفت الانتباه هنا تعامل بعض القطاعات الإسرائيلية مع نهائي دوري أبطال أوروبا بين ناديي باريس سان جيرمان وأرسنال، لا بوصفه مواجهة كروية خالصة بين ناديين أوروبيَّين، بل بوضعه ضمن خريطة التحالفات السياسية الإقليمية في الشرق الأوسط، وتقديم المباراة منافسة بين قطر، مالكة “باريس سان جيرمان”، التي تنظر إليها إسرائيل دولة معادية، والإمارات حليفة إسرائيل التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع نادي أرسنال من خلال عقود الرعاية والاستثمار. ما يضفي على هذه المسألة أهمّيةً خاصّةً، أنّ المجال الرياضي يكشف بشكل لا شعوري الميول العاطفية (والعفوية) لدى المشجّعين والمهتمّين بمتابعة المنافسات الرياضية، بل يمثّل في مستوى أعمق من هُويّة الفرد ومفهومه لذاته.

في هذا السياق، جاء عنوان مقال الصحافي عوزي دان، في صحيفة هآرتس، “لا ينبغي الفرح من أجل باريس سان جيرمان، لكن أيّ نتيجة أخرى ستكون ظالمة لكرة القدم”. وكانت افتتاحية المقال أكثر صراحةً حين خطّ قلم الكاتب أسباب عدم فرحته للفريق الفرنسي: “من الصعب على المشجّع المحايد، وبالتأكيد الإسرائيلي، تشجيع الفريق المملوك لقطر”. أمّا محرّر القناة 14 المقرّبة من الحكومة الإسرائيلية، فكان أكثر ما أثاره في أعمال الشغب، التي اندلعت في العاصمة باريس عقب المباراة، هو مظاهر “معاداة السامية” التي عبّر عنها واحد من المشجّعين الفرنسيين. لكن ما يُظهر عمقَ المعنى في تحويل الحدث من مجرّد مباراة رياضية إلى ساحة صراع سياسي، كان أوضح ما يكون في تغريدة نائبة وزير الخارجية الإسرائيلية شارين هسكل: “أشاهد دوري الأبطال: أرسنال ضدّ باريس سان جيرمان، في أرض الملعب تتنافس إنكلترا ضدّ فرنسا، لكن بالنسبة إلينا، هو دربي الخليج، الإمارات ضدّ قطر… وبصفتي نائبةً لوزير خارجية إسرائيل، أقف بكلّ قلبي مع أصدقائنا وشركائنا المقرّبين من أبوظبي ودبي، هيا يا أرسنال”. وهي تغريدة وصفها الصحافي في موقع سبورت1 الإسرائيلي، نير كيبنيس، بأنّها تكشف ضحالة فكر شارين ومعلوماتها، لأنّ الإمارات لا تمتلك فريق أرسنال، بل ترعاه فقط، أمّا الفريق الذي تمتلكه فهو مانشستر سيتي الإنكليزي، ما يعني أنّ الأمر برمّته مجرّد صورة دعائية سخيفة لنائبة الوزير.

ميل إسرائيلي متكرّر إلى قراءة المنافسات الرياضية من خلال منظار السياسة وإثبات التفوّق الحضاري داخل البيئة الإقليمية

لسنا أمام ظاهرة جديدة، إذ لا يقتصر ما يحدث على هذه المباراة، فمن يتابع الخطاب الإسرائيلي، يلاحظ ميلاً متكرّراً إلى قراءة المنافسات الرياضية من خلال منظار السياسة وإثبات التفوّق الحضاري داخل البيئة الإقليمية. يعيد ذلك للذاكرة موقفاً قديماً للصحافيَّين الإسرائيليَّين في “يديعوت أحرونوت”، راز شكنيك وعوز موعلام، اللذَين أوفدتهما الصحيفة لتغطية كأس العالم الماضية لكرة القدم التي نظّمتها دولة قطر. فقد تعمّد الكاتبان تحويل الحدث الرياضي إلى ميدان صراع سياسي وحضاري بين الشعوب العربية، التي تكره كلّ ما هو إسرائيلي وترغب في “محو إسرائيل”، والإسرائيليين “الراغبين في السلام والتعايش”، لكنّهم يضطرّون إلى مواجهة المشاعر العدائية وإخفاء الهُويّة الإسرائيلية أمام هذا الكره “غير المبرَّر”.

وإذا كانت السياسة تمثّل أحد مفاتيح تفسير هذا السلوك، فإنّ الذاكرة التاريخية تبدو عاملاً أكثر عمقاً وتأثيراً، إذ تعيد تشكيل الموقف من الرياضة وتحدّد، في أحيان كثيرة، اتجاهات التعاطف والعداء. وغالباً ما تعيد هذه الذكريات صياغة المنافسة الرياضية باعتبارها امتداداً للصراعات القديمة، وبناء الاصطفاف الرياضي على أساسها. فالرياضة لا تنفصل بصورة كاملة عن التاريخ، إذ غالباً ما تترك الأحداث الكُبرى بصماتها في وعي الشعوب، ثمّ يعاد استحضارها في مناسبات تبدو للوهلة الأولى بعيدة عنها.

تستخدم ذكرى المحرقة اليهودية لإلهام الرياضيين الإسرائيليين وتحفيزهم من خلال زيارة بعض الفرق الإسرائيلية، قبل المباريات، متحف “ياد فاشيم” الإسرائيلي

تحضرني هنا تغريدة للصحافي الإسرائيلي، عقيفا نوفيك، في أعقاب مباراة منتخبي الدنمارك وفنلندا من بطولة يورو 2021، وانتهت بفوز الفريق الفنلندي، عبّر فيها عن حزنه لهزيمة المنتخب الدنماركي. والشاهد أنّ موقف نوفيك لم يكن مرتبطاً بالمباراة نفسها أو بمستويي الفريقَين، بل كان انعكاساً لقراءة تاريخية تعود إلى الحرب العالمية الثانية؛ إذ استحضر وقوف الفنلنديين إلى جانب الألمان، واشتراكهم معهم في حصار مدينة لينينغراد الروسية، في مقابل الدور الذي لعبته الدنمارك في عهد ملكها كريستيان العاشر في إنقاذ اليهود ومساعدتهم في الفرار إلى السويد، التي كانت على الحياد. ما يثير الاهتمام في هذا المثال أنّ الفنلنديين لم يضطهدوا اليهود مثلما فعل الألمان، إلا أنّ وقوفهم إلى جانب الألمان كان سبباً كافياً لجعلهم مدانين في الوعي الإسرائيلي، وإن بدرجة أقلّ. ومن ثمّ، الذاكرة الإسرائيلية المنشغلة بتضخيم الذات اليهودية عبر البحث في التاريخ وتفسيره وفق منظار لا يرى إلا ما يتعرّضون له، حوّلت المباراة إلى عملية رمزية لتصفية حسابات، وفرصةً لإحياء “المحرقة النازية” التي أصبحت لإحياء ذكراها مكانة مقدّسة حتى صارت أقرب ما يكون إلى الدين في المجتمع الإسرائيلي.

في هذا السياق، تتحدّث دراسة بعنوان “لا مُقدَّس ولا مُدنَّس… تصوير المحرقة في وسائل الإعلام الرياضية الإسرائيلية”، للباحثَين الإسرائيليَّين إيلان تامير وموشيه ليفي، عن استمرار حضور المحرقة في الحياة الرياضية الإسرائيلية، ويضربان أمثلةً كثيرةً على هذا الحضور. من ذلك، ما اعتادته وسائل الإعلام الإسرائيلية في وصف كرة القدم الألمانية بماكينات الحرب، وهو وصف لا يترك مجالاً للخيال حين يُقارَن اللاعبون الألمان بهذه الآلات، وحين تركّز التقارير على مدى انضباط الفريق وطاعته، في إشارة واضحة إلى الحرب العالمية الثانية، حسبما يقول الباحثان. وأحياناً، قد تستخدم هذه الذكرى لإلهام الرياضيين الإسرائيليين وتحفيزهم من خلال زيارة بعض الفرق الإسرائيلية، قبل المباريات، متحف “ياد فاشيم” الإسرائيلي الذي يخلّد ذكرى ضحايا المحرقة، أو زيارة متاحف يهودية في أوروبا تخلّد الذكرى نفسها مثل زيارة فريق مكابي تل أبيب الإسرائيلي النصب التذكاري ليهود فيلنا، قبل مباراته ضد فريق ريتاس الليتواني، وزيارة المنتخب الإسرائيلي لكرة القدم موقع بيبي يار في أوكرانيا، قبل مباراته مع منتخبها في عام 2013. وعلاوة على هذا، لا تبدو المبالغة في استخدام المحرقة محدودة بسقف، وهو ما يظهر جلياً في اعتبار ذكراها وسيلةً لتمجيد النجاح والإصرار على التعافي والبقاء في عقل الرياضيين الإسرائيليين في المنافسات الدولية. في هذا الإطار، يصبح عزف النشيد الإسرائيلي في برلين ذا دلالة خاصّة، “ولحظة فارقة”، ويتحوّل احتراف لاعب إسرائيلي في ناد نمساوي مناسبةً لاعتبار هذا “أمراً رمزياً وردّاً على ما حاولوا إبادته في المحرقة”، ويُربط أداء متميّز للاعبة كرة سلّة بالوشم الذي رسمته على جسدها تخليداً لذكرى جدّها الذي نجا من معسكرات الاعتقال.

الرياضة في إسرائيل أكثر من مجرّد لعبة، تتحوّل إلى مرآة تعكس هشاشة التعامل مع الآخر

الأغرب من هذا كلّه ما ذكره الباحثان، تامير وليفي، عن توظيف ذكرى المحرقة في المجال الرياضي حتّى في المنافسات الإسرائيلية المحلّية، واستخدام تعبيرات ترتبط بهذه الذكرى من أجل إظهار أقصى درجات الكره والرغبة في إذلال الآخر، مثل هتاف مشجّعي فريق هابوعيل تل أبيب ضدّ منافسهم نادي مكابي تل أبيب “نأمل أن يعاني مكابي من المحرقة” ونعتهم بـ”النازيين”، وهتاف مشجعي الفريق نفسه ضدّ فريق بيتار القدس بـ”أيّها النازيون”، أو هتاف مشجّعي أحد الفرق الرياضية ضدّ مالك سابق للنادي بـ”أيّها النازي الألماني”.

تبقى هنا الإشارة إلى أنّ تسييس الرياضة ليس ظاهرةً إسرائيليةً خالصةً، بل عالمية تتجلّى في أكثر من سياق، فتتحوّل الملاعب، في أحيان كثيرة، إلى فضاء لتصفية الحسابات أو تمرير رسائل سياسية معينة. وقد ظهر هذا بوضوح في استبعاد روسيا من المشاركة في البطولات العالمية والقارّية عقب حربها على أوكرانيا، وهو مبدأ لم يُطبَّق على إسرائيل التي استمرّت مشاركتها في مختلف المسابقات الدولية رغم جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزّة ولبنان وغيرهما. غير أنّ اللافت في الحالة الإسرائيلية ليس مجرّد حضور السياسة في الرياضة، بل كثافته وتشابكه مع الذاكرة الجماعية، ولا سيّما ذكرى المحرقة، بما يجعل المنافسات الرياضية مناسبات متكرّرة لإعادة إنتاج الاصطفافات التاريخية والهُويّاتية. ومن ثمّ تبدو الرياضة في السياق الإسرائيلي أكثر من مجرّد لعبة، وتتحوّل إلى مرآة تعكس هشاشة التعامل مع الآخر، والإمعان في جعل كلّ شيء خاضعاً لمنطق الصراع.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى