
حتّى قبل أن تتضح معالم إطار الاتفاق الجارية صياغته بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإيران، بدأت تظهر بقوّة ملامح عدم الرضا، حتّى لا نقول الاستياء الإسرائيلي، حيال اتفاقٍ كهذا. وأسباب هذا كثيرة ومتنوّعة، لكنّها في الإجمال تعكس الفجوات في مواقف الدولتَين اللتَين خاضتا حربهما المشتركة على إيران، ثم اختلفتا بشأن كيفية إنهائها، لا سيّما بعد أن قرّر ترامب رسم نهاية لها لا تتطابق أبداً مع التوقّعات أو التطلّعات الإسرائيلية.
ما تريده إسرائيل كان إسقاط النظام الإيراني، ولقد أقنعت ترامب بوجود فرصة كبيرة لتحقيقه. لكن الأخير تعلّم، هذه المرّة، الثمن الباهظ لتصديق التوقّعات الإسرائيلية غير الواقعية، فلا النظام انهار بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار المسؤولين، ولا الشعب الإيراني خرج محتجّاً إلى الشوارع يطالب بإسقاط النظام، ولا القيادة العسكرية تراجعت أمام الضربات التي تلقتها، ولا الاقتصاد الإيراني انهار من جرّاء تشديد الحصار البحري الأميركي على إيران.
ما يقوم به الجيش الإسرائيلي على الأرض منافياً للعقل والمنطق ويثير الغضب. إذ لا يمرّ يوم من دون سقوط شهداء من المدنيين اللبنانيين
باختصار شديد، كلّ ما ادعت الاستخبارات الإسرائيلية أنّه ممكن لم يتحقّق. وعلى الرغم من هذا، ظلّ المسؤولون الإسرائيليون يضغطون على الإدارة الأميركية ويدّعون أن ّالمزيد من الضربات ومن تشديد الحصار سيؤتي ثماره وسيجبر النظام في إيران على التراجع أو التنازل. لكن الضغوط الإسرائيلية هذه المرة لم تنجح، إذ قرّر الأميركيون إدارة المفاوضات بعيداً عن تأثيرهم. وهذا الأمر سيكون له، على المستوى الإسرائيلي، صدىً مزدوجاً: فإذا فشل الاتفاق لسبب من الأسباب، فسيقول الإسرائيليون: حذّرناكم ولم تستمعوا إلينا؛ أمّا إذا نجحت المفاوضات في التوصّل إلى اتفاق، فسيقول الإسرائيليون إنّ الولايات المتحدة وحدها تتحمّل مسؤولية الاتفاق، وليس نحن الذين حذّرنا منه.
لكن المسؤولين الإسرائيليين يشعرون بالقلق الشديد، ليس فقط إزاء مضمون الاتفاق الذي، في رأيهم، سيكون غامضاً وسيتيح تأويلات مختلفة من كلا الطرفين، ولا خروج النظام الإيراني بصورة من خسر (ربّما) المعركة العسكرية لكنّه ربح المفاوضات، ولا التفاصيل الأخرى المتعلّقة باليورانيوم المخصَّب وبالصواريخ الباليستية والعلاقة بوكلاء إيران في المنطقة، بل أيضاً، وبشكل خاص، ماذا سيحدث في الجبهة اللبنانية. والسؤال المطروح الآن في إسرائيل: هل توقيع إطار الاتفاق سيعني وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان؟
من يتابع التحليلات والنقاشات الإسرائيلية بشأن تداعيات التسوية مع إيران على لبنان لا يمكن أن يصدّق أنّ هذا كلّه يقال في وقت إسرائيل نفسها من المفترض أنّها تجري مفاوضات دبلوماسية وعسكرية مع لبنان لوقف الحرب والتوصّل إلى وقف إطلاق نار. ومن خلال ما ينشره الإعلام الإسرائيلي، يبدو أنّ الخوف الأكبر الآن أن يتضمّن الاتفاق مع إيران وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان. في وقت تشتكي قيادة الجيش الإسرائيلي من القيود التي فرضها ترامب على عملياتها، كثيراً ما يتكرّر تعبير “أيدي الجنود مقيَّدة”، وأنّ ترامب لا يسمح للجيش الإسرائيلي بأن يردّ ردّاً قاصماً على عمليات حزب الله.
إنّ مقارنة هذا الكلام بما يقوم به الجيش الإسرائيلي على الأرض، تجعله يبدو منافياً للعقل والمنطق ويثير الغضب. إذ لا يمرّ يوم من دون سقوط شهداء من المدنيين اللبنانيين، ومن المزيد من أعمال التدمير والتجريف والتوغّل للقوات الإسرائيلية في الجنوب الذي تتحوّل بلداته وقراه إلى أكوام من الركام. ذلك كلّه لا يُرضي القيادة العسكرية الإسرائيلية، ولا حتّى الرأي العام الإسرائيلي الذي يريد الحسم.
من الواضح أنّ ما ستتمخّض عنه التسوية الجاري التوصل إليها بين الأميركيين والإيرانيين سيضع إسرائيل أمام معضلة حقيقية في جنوب لبنان. ومن منظور إسرائيلي، فإنّ توقّف المعارك الآن في الجبهة اللبنانية، في الوضع الحالي للمواجهات، هو صورة أخرى من إخفاق حرب 2006، التي انتهت هي أيضاً من دون حسم. وفي الواقع، يمكن القول إنّه منذ حرب لبنان الأولى عام 1982 التي يطلق عليها الإسرائيليون “سلامة الجليل”، لم يتمكّن الجيش الإسرائيلي من تحقيق الحسم. فقط يومها تمكّن الجيش الإسرائيلي، بعد ثلاثة أشهر من الحصار الذي فرضه على العاصمة بيروت وقطع الكهرباء والمياه عنها، من إجبار منظّمة التحرير الفلسطينية على الموافقة على إخراج قواتها المسلّحة من لبنان، بوساطة قادها يومها الموفد الأميركي فيليب حبيب. لكنّ هذا الحسم ما لبث أن تآكل بسرعة مع تمسّك الجيش الإسرائيلي بالبقاء في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، واضطراره بعد 18 عاماً إلى الانسحاب من طرف واحد عام 2000 من هناك من دون مقابل.
إذا قبلت إسرائيل اتفاقاً أميركياً إيرانياً يشمل لبنان، فإنّها تتخلّى عن مطلب نزع سلاح حزب الله
الخيارات المتاحة الآن أمام إسرائيل كلّها صعبة وشائكة. فإذا أرادت أن تحتفظ بحقّها في التحرّك بحرية في لبنان لمواجهة ما تعتبره خروقاً ضمن إطار أيّ اتفاق لوقف إطلاق النار، فإنّها قد تثير حفيظة الرئيس ترامب الذي يريد إغلاق ملفّ الحرب مع إيران بأسرع ما يمكن. وإذا تمرّدت على الاتفاق، ورفضت أن يشمل المعارك في لبنان، فإنّها قد تدخل في اشتباك مباشر وعلني مع ترامب، وهذا أمر شديد الصعوبة على نتنياهو الذي لا يريد إثارة غضب “صديقه المقرَّب”. أمّا إذا قبلت بأن يشمل الاتفاق لبنان، فمعنى هذا أنّها تخلّت عن تفكيك حزب الله ونزع سلاحه في كل لبنان. ومعنى هذا عودة إلى الوضع ما قبل “7 أكتوبر” (2023)، وهذا بمثابة كابوس ليس لنتنياهو فحسب، بل للإسرائيليين جميعهم.
لو كانت إسرائيل جادّةً في مشاركتها في المفاوضات المباشرة مع لبنان، لشكّل التوصّل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران فرصةً حقيقيةً لدفع عجلة التفاوض والتوصّل إلى تسوية مع الدولة اللبنانية، سواء بشأن احتلال القوات الإسرائيلية لأراضي المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، أو لمصير سلاح حزب الله. لكنّ الاستياء الإسرائيلي والمخاوف المبالغ فيها من التوصّل إلى اتفاق تجعل من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان مجرّد مسرحية لإلهاء الرأي العام ومحاولة لإرضاء ترامب لا أكثر. ومع الأسف الشديد، فإنّ هذه المسرحية يدفع ثمنها لبنان، كالعادة، المزيد من الانقسامات الداخلية والخلافات العبثية التي تستنزف اللبنانيين، وتدمّر نسيج الوحدة الوطنية، وتهدد مستقبل لبنان وطناً لجميع أبنائه.
المصدر: العربي الجديد






