
إذن، عُقد الاجتماع بين ترامب وشي جين بينغ في بكين. ولا نعرف الكثير عن نتائجه الحقيقية، باستثناء تغريدات ترامب المتحمسة دوماً.
من القليل الذي شهدناه: ترامب، وهو يعلم أن مئات الكاميرات تصوره، مدّ يده ليلقي نظرة على مفكرة شي جين بينغ عندما غادر الطاولة لدقيقة؛ المفكرات والأقلام والهواتف المحمولة، التي وزعها المضيفون الصينيون، جُمعت من جميع أعضاء الوفد الأميركي وأُلقيت في كيس قمامة عند سفح الطائرة؛ رفض شي جين بينغ مقابلة رؤساء الشركات الأميركية الكبرى التي اصطحبها ترامب إلى بكين؛ شراء الصين 200 طائرة بوينغ بدلاً من 500 طائرة كما كان مخططاً، وانخفاض أسهم الأخيرة بعد نشر تقارير عن ذلك.
كما نعلم أيضاً، أنه بعد أيام قليلة، سافر بوتين إلى بكين للقاء شي. ورافقه رؤساء شركات وطنية كبرى، ليست في مجال التكنولوجيا أو المالية، بل في مجال بيع النفط والغاز الروسي. وهذا الطبق الذي يقدمه بوتين للإمبراطور الصيني هو طبقٌ يُقبل عليه الأخير بشهيةٍ كبيرة.
لكن ما الذي تقرر بشأن إيران؟ لا نعرف على وجه اليقين، ولكن هناك مؤشرات.
الأربعاء المنصرم، توجه وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي على وجه السرعة إلى طهران من أجل “الرد الإيراني الأخير”. وهذه هي زيارته الثانية لإيران خلال الأسبوع الماضي، عقب القمة الصينية- الأميركية. ويلعب نقوي دور ساعي البريد. فمن طهران، وفور وصوله إلى إسلام آباد، يتوجه مسرعاً إلى كويتا (عاصمة بلوشستان الباكستانية) للقاء قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي يتصل شخصياً بترامب ليطلعه على آخر المستجدات بشأن الموقف الإيراني في المفاوضات.
رغم ما ينشره ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يزال وضع الصفقة هشًا. فقد وافقت إيران ظاهريًا على تعليق برنامجها النووي لمدة عشرين عامًا، لكنها ترفض تسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب. كما وافقت أيضاً على فتح مضيق هرمز، ولكن فقط حين تدخل حيز التنفيذ الآلية القانونية (البروتوكول) المنظمة لاستخدام المضيق، مع ما يترتب على ذلك من رسوم إيرانية: إدفع ثم أبحر!
الثلاثاء المنصرم أجرى ترامب ونتنياهو مكالمة هاتفية مطولة و”حادة”، وألغى نتنياهو حضوره جلسة الكنيست العلنية والتصويت الحاسم على حل البرلمان يوم أمس الأربعاء. نعم! تم حل الحكومة الإسرائيلية بفضل الحسيديم، الذين انسحبوا من الائتلاف مع نتنياهو. وستجرى الانتخابات الإسرائيلية في أيلول/ سبتمبر أو الأسبوع الأول من أتشرين الأول/أكتوبر. وقبل ذلك يمكن إنجاز الكثير، بما في ذلك إشعال حرب جديدة.
قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال برادلي كوبر، وصل الأربعاء إلى مقر القيادة المركزية الأميركية في فلوريدا، وكانت آخر زيارة له إلى هناك في 26 شباط/ فبراير، أي قبل يومين من اندلاع الحرب. وتعتبر مصادر عسكرية إسرائيلية أن الحرب حتمية.
منطقيا، كان يجب أن يعود وزير الداخلية الباكستاني من إيران مساء الأربعاء المنصرم، حاملاً معه أخباراً من طهران، ويتخذ ترامب القرار.
خلال فترة وقف إطلاق النار، كان من المفترض أن يكون كلا الطرفين على أهبة الاستعداد لجولة جديدة من الحرب. ولن تُفاجأ إيران هذه المرة، كما حدث صباح يوم 28 شباط/ فبراير، وبالتالي فهي مستعدة لإغراق الشرق الأوسط بأكمله في أزمة عميقة.
على مدى العقد الماضي، انتفضت إيران المحاصرة بالعقوبات، ونظمت مظاهرات رسمية وطنية كانت ترفع شعاراً يبدو سخيفاً “نسقط مع أميركا!” والآن يمكن توسيعه بسهولة لتصبح “نسقط مع الشرق الأوسط بأكمله”.
الأربعاء المنصرم نشرت صحيفة “جمهوري إسلامي” المحافظة مقالاً مثيراً للاهتمام يدعو إلى عدم استهداف كابلات الإنترنت البحرية في مضيق هرمز، خشية أن تنضم إلى الحرب ضد إيران دول غير مشاركة فيها. ومن الواضح أن مستوى التصعيد يثير جدلاً داخلياً حاداً داخل المؤسسة الإيرانية، وتهديد الحرس الثوري بشأن الكابلات هو أبعد ما يكون عن كونه مجرد استعراض دعائي أو خطاباً لترهيب ترامب.
لكن يمكن للحرس الثوري أن يسوق حججه المضادة. ففي جميع ممالك الخليج تقريباً توجد قواعد أميركية تُشن منها ضربات مدمرة على إيران، لذلك بنظرهم، لا يوجد أبرياء في هذه الحرب.
قبل أيام، أصدر مكتب نتنياهو بيانًا أكد فيه أنه في ذروة الحرب، زار نتنياهو الإمارات العربية المتحدة، واستقبله بن زايد شخصيًا عند درج الطائرة، واصطحبه بسيارته في جميع تنقلاته، ونظم له استقبالاً ملكياً. أثارت هذه التصريحات العلنية قلقًا بالغًا في أبوظبي، فسارع مكتب بن زايد إلى نفيها، مؤكداً أن هذا لم يحدث قط! ثم كرر مكتب نتنياهو: “كيف يُعقل ألا يكون قد حدث؟”، ثم أضاف تفاصيل أخرى، منها أن الإسرائيليين زودوا الإمارات مجاناً بفرقة من “القبة الحديدية” مع طاقم تشغيلها. بعبارة أخرى، أصبحت الإمارات الآن عملياً قاعدة عسكرية إسرائيلية، وليست أميركية فحسب.
وعلى الفور سارعت السعودية إلى استغلال الكشف عن الاجتماع السري، لكن من دون جدوى، فقد سرب الأميركيون (أو اللوبي الإسرائيلي، من يدري أيهما) معلومات إلى وسائل الإعلام تفيد بأن السعوديين لم يقدموا قواعدهم خلال الحرب فحسب، بل قاموا أيضاً بقصف إيران سراً بأنفسهم. وهذا لا يعني سوى إطلاق يد إيران في حال اندلاع جولة جديدة من الحرب. وباختصار، إذا شب حريق جديد، لن ينجو منه سوى قلة.
ويقترح الصقور الإيرانيون، إذ يستشعرون الاضطرابات، الاستيلاء بهدوء على البحرين أيضاً، لتصبح بذلك محافظتهم الحادية والثلاثين (كلام المتحدث باسم خامنئي والمحافظ المتشدد حسين شريعتمداري).
التطور الآخر المثير في هذه القصة، يوم الأربعاء، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً صادماً يفيد بأن غارة جوية استهدفت منزل الرئيس السابق أحمدي نجاد في اليوم الأول من الحرب. أحمدي نجاد – انتبهوا! – كان يُعتبر من قبل الولايات المتحدة شخصية محتملة لقيادة إيران بعد سقوط نظام خامنئي. ويزعمون أنهم لم يخططوا لقتله على الإطلاق، ولكن تحت ستار محاولة اغتيال في حالة الذعر والارتباك التي بدأت في 28 شباط/ فبراير، تم ببساطة “إطلاق سراحه” من الإقامة الجبرية والأمن والمراقبة على مدار الساعة التي فرضتها عليه حكومة بيزشكيان.
وأضافت صحيفة نيويورك تايمز أن ترامب وفريقه لم يكونوا يخططون لتنصيب ولي العهد بهلوي، بل أحمدي نجاد. وكما قد تتذكرون، في الأيام الأولى التي أعقبت التفجيرات وسقوط الضحايا، أعلن ترامب قائلاً: “للأسف، حتى أولئك الذين كنا نأمل أن يُحدثوا تغييرًا في النظام قد لقوا حتفهم”. وفي الأيام الأولى، أُعلن عن وفاة أحمدي نجاد (أو احتمال إصابته بجروح خطيرة).
يبقى مجهولاً مكان وجوده طوال هذه الأشهر، وما إذا كان قد تمكن من الفرار وفقًا للخطة الأميركية، أو ما إذا كان لا يزال في إيران. ومع ذلك، بالأمس فقط، عادت حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى النشاط فجأة.
على عكس معظم الخبراء والصحافيين، لا أعتبر هذه الرواية محض خيال. أحمدي نجاد جزء من دولة عميقة، يمتلك، من بين أمور أخرى، كمّاً هائلاً من المواد التي تُدين النخبة الحالية، التي حصل عليها خلال فترة رئاسته. فخلال ولايته الثانية، أقال وزير الإعلام (المخابرات والأمن)، الذي عيّنه علي خامنئي، و… عيّن نفسه وزيراً بالوكالة، ما منحه وصولاً غير مقيد إلى جميع المواد السرية للغاية لجهازKGB الجمهورية الإسلامية.
أحمدي نجاد خرج من صفوف الباسيج الذين قاموا بعمليات خصخصة لصالح الحرس الثوري، لكنه ليس جنرالاً عسكرياً متمرساً؛ إنه ما أسميه داخل النظام “تكنوقراطياً في الحرس الثوري”. وعلى عكس معظم الخبراء في الشؤون الإيرانية الذين يعتبرونه شخصية هامشية طُردت منذ فترة طويلة من النظام. شخصياً لا أعتقد ذلك.
كان لأحمدي نجاد، وربما لا يزال، راعٍ سريّ قويّ داخل النظام، منحه مراراً وتكراراً تصاريح وموافقات لمغادرة البلاد في رحلات خارجية سرية بالغة الأهمية. وعندما منعته أجهزة الدولة من المغادرة في المطار، سمح له شخص ما بالمغادرة والعودة. شخص يتمتع بأعلى سلطة للقيام بذلك.
أحمدي نجاد ورقة رابحة يملكها أحد أعضاء النظام في حال قرر خوض لعبة شطرنج مع الولايات المتحدة. لكن الطريق إلى هذه اللعبة لا يزال بحاجة إلى تمهيد.
وقد يكون هذا هو السبب في ظهور المقال عن أحمدي نجاد في الوقت نفسه الذي انتقل فيه قائد القيادة المركزية الأميركية إلى فلوريدا، كما هو الحال في 26 شباط/ فبراير من هذا العام؟
هل يقف أحمدي نجاد على الهامش، منتظراً الفرصة المناسبة؟ هل صعوده مستحيل من دون تطهير شامل لأكثر العناصر تطرفاً في النظام؟ أم أن الإصلاحيين، المدركين لخطة أحمدي نجاد للعودة إلى السياسة، يحاولون تقويضه؟
هل ستؤدي مرحلة جديدة من الحرب، إن حدثت، إلى غرق الشرق الأوسط بأكمله في الفوضى وعدم الاستقرار، أم أنها ستقتصر على ضربات محددة الأهداف؟
سنرى.
المصدر: المدن






