سودان تشرشل.. قراءة معاصرة

     مدى الفاتح

  

كان ونستون تشرشل في أواسط العشرينيات، حينما كتب كتابه التوثيقي “حرب النهر”، ولعله هو نفسه، مع يتحلّى به من ثقة في النفس، لم يكن ليتصوّر أن ذلك الكتاب سيكون أحد المراجع التاريخية، التي لن يستطيع أي ساردٍ أو محلّلٍ لتاريخ المنطقة أن يتجاوزه.

جمع تشرشل الذي سيحصل لاحقاً على جائزة نوبل للآداب في الكتاب ما بين أسلوب الكتابة الصحافي، المهتم بالتوثيق للمعركة، التي كان الإنكليز يخوضونها في أرض السودان، وأسلوبه الأدبي الرشيق، الذي كان يظهر حينما يسهب في وصف الأماكن والأشخاص. العنوان نفسه موحٍ، فقد أطلق تشرشل على الكتاب الصادر في نهاية القرن التاسع عشر اسم “حرب النهر”، مع عنوان جانبي “سرد تاريخي لاستعادة السودان”.

من ملاحظاتٍ على العنوان حديثه عن النهر في معرض وصف الحرب المتعلقة بالسودان، وهذا يعود إلى تفسيرين: الأول المتعلق بطريق الحملة، الذي اتخذ طريق نهر النيل، حيث دارت أهم المعارك على جوانبه ومدنه. يتعلّق الثاني بأهمية منطقة النهر نفسها، فبالنسبة للبريطانيين، فإن الأراضي التي كانت تشغلهم وكانوا يحرصون على ضمها كانت تلك المرتبطة بالنيل، فقد رأوا أن تأمين مجرى النهر مهم، حتى وإن كان موطئ قدمهم الأساسي، والمكان الذي يتمسّكون به أكثر، هو مصر.

هذا يفسر تأخّرهم في ضم إقليم دارفور البعيد في أقصى الغرب، وتركيزهم في فترة حكمهم على مناطق النيل وشعوبها.

لم يكن تشرشل لحظة نشر الكتاب مدفوعاً بوجهة نظر سياسية، فهو لم يكن قد برز بعد سياسيّاً شهيراً

وتتعلق ملاحظة أخرى بكلمة “الاستعادة”، التي استخدمها تشرشل في سياق الحرب على الدولة المهدية، فهي تذكّر بمصطلح “ريكونكويستا”، الذي يستخدمه المؤرّخون الإسبان للإشارة إلى حرب الممالك المسيحية ضد ممالك الأندلس المسلمة، والتي انتهت بإسقاط غرناطة في أواخر القرن الخامس عشر.

كانت الكلمة تحوي قدراً كبيراً من الاستحقاق، فمثلما كان الإسبان يروْن ما حدث استعادة مبرّرة وعودة للسكان الأصليين بعد قرون من الاحتلال. كان تشرشل يريد أن يقول إن الحملة الإنكليزية، التي كان هو جزءاً منها، كانت تهدف إلى تصحيح وضع شاذ؛ خروج المتمردين المهدويين من سلطة المركز القاهري، الذي كانت بريطانيا تهيمن على القرار فيه.

بعد أكثر من قرن على نشر الكتاب، يتعامل مؤرّخون محليون كثيرون معه بحذر، مشككين في صدق أحداثه ومعتبرين أنه يخدم، في نهاية المطاف، وجهة النظر الاستعمارية. والتشكيك مقبول، لكن ما يجب وضعه في الاعتبار أن تشرشل وقت كتابه تلك اليوميات لم يكن مدفوعاً بوجهة نظر سياسية، فهو لم يكن قد برز بعد سياسيّاً شهيراً، بل كان هدفه الظاهر محاولة وضع رواية صادقة تعين متخذ القرار في لندن على فهم تعقيدات الواقع، والصعوبات، التي تواجه العمل في هذه المنطقة.

يمكن الانتباه هنا إلى أن تشرشل لم يكن مسيئاً، وهو يتحدّث في كتابه عن دراويش المهدي أو عن الخليفة، بل على العكس، كان يظهر للقارئ بمظهر المتعاطف معهم، وهو يتحدث عن شجاعتهم ويتعامل مع المهدية كحركة تحرّر. ولم يعطِ تشرشل الجرائم والمجازر الكبيرة، التي حدثت في عهد خليفة المهدي ضد قبائل ومجموعات مختلفة أي تركيز كبير، وقد كانت تلك كافية لتشويه صورة الخليفة إن كان ذلك في مراده. الكاتب الشاب لم يكتف بذلك، بل قام ببعض التبرير حينما اضطرّه السرد لذكر مذبحة المتمة الشهيرة مثلاً، فبدا وكأنه يقول إن الضحايا كانوا يستحقون ذلك لأنهم كانوا يتململون ويظهرون الخروج عن طوع الخليفة. هذا للمفارقة هو التبرير نفسه، الذي يقدمه مدافعون عن الخليفة حتى يومنا هذا للتهرّب من الاعتراف بتلك الجريمة وبمثيلاتها. كان تشرشل يقول إن تلك الأحداث، التي أتت قبل فترة قصيرة من “حملة الاستعادة” تسببت في عزوف قبائل مثل “الجعليين” عن دعم الخليفة ومساندته، بل إن كثيراً من مقاتلي وفرسان المنطقة كانوا يشاركون في الحملة ويدعمونها رغبة في الانتقام من الخليفة، الذي لم يكن بالنسبة إليهم سوى مجرد طاغية ذاقوا في عهده الكثير من العذاب بمختلف الألوان.

لم يعطِ تشرشل الجرائم والمجازر الكبيرة، التي حدثت في عهد خليفة المهدي ضد قبائل ومجموعات مختلفة أي تركيز كبير

على الرغم من أن تشرشل كان ظاهر الإعجاب بالمهدويين وبالخليفة، فإن أصحاب التاريخ المدرسي، المشغولين بتنقية الماضي من كل البقع السوداء وتقديم رواية جميلة ومحببة عن التاريخ، كانوا لا ينصحون بقراءته، لأن الكاتب لم يستطع أن يمنع نفسه، وهو المشغول بتقديم صورة معبرة عن واقع الحال، من ذكر بعض التفاصيل والأحداث، التي كانت تبرهن على عنصرية الخليفة، وعن كراهيته لكثير من قبائل النهر. يذكر تشرشل على سبيل المثال أن الخليفة ورجال حربه المقرّبين منه والمنتمين لمجموعته العرقية كانوا يصفون في جلساتهم الخاصة قبائل الوسط والشمال بأقذع الصفات. الأمر هناك لم يكن مجرد تفصيل عابر، بل عقدة سوف تتمدّد عبر العقود والأجيال وتظهر في خطابات معاصرة تحاول توظيف واستعادة خطاب الكراهية القديم بحيث يكون مفيداً في صراعات الحاضر.

قراءة “حرب النهر” اليوم تذكّرنا بتحول معاني كلمة “السودان” خلال القرنين الأخيرين، فتشرشل يشير إلى هذه المنطقة باسم النهر، ثم يستخدم في أحيان أخرى مصطلح السودان الإنكليزي، وهو تعبير استعماري وُضِع للتفريق بين هذه المنطقة ومنطقة السودان الفرنسي، التي كانت تشمل بقية دول غرب أفريقيا، والتي ستضع فرنسا يدها عليها.

مسألة الدلالات هذه أيضاً مهمة، فالسودانيون، الذين يتحدث عنهم تشرشل كمرافقين ومقاتلين ضمن الحملة هم ليسوا عموم أهل السودان المعروفين اليوم كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن. كان تشرشل يفرق بين أولئك “السودانيين” وبين العرب وبين مقاتلين من قبائل نهرية أخرى كالجعليين والشايقية والبطاحين وغيرهم، وهي نقطة جديرة بالتوسعة والتفصيل.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى