قراءة سورية في فكر الكواكبي

سلام الكواكبي

               

يقول عبد الرحمن الكواكبي: “صفة الاستبداد، كما تشمل حكومة الحاكم المطلق الذي تولّى الحكم بالغلبة أو الوراثة، تشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيّد المنتخَب متى كان غير مسؤول” (“طبائع الاستبداد في مصارع الاستعباد”)… والكواكبي من أبرز المفكّرين العرب الذين تناولوا ظاهرة الاستبداد بوصفها أصل العلل السياسية والاجتماعية في العالم العربي والإسلامي. فهو لم يكتفِ بوصف الحاكم المستبِدّ التقليدي، بل قدّم تعريفاً أعمق وأشمل للاستبداد بعدّه بنيةً سياسيةً كاملة تقوم على غياب المسؤولية والمحاسبة، حتى لو ارتدت ثوب الدستور أو الانتخابات أو المؤسّسات. ويوضّح الكواكبي أنّ الاستبداد لا يرتبط بشكل الحكم فقط، بل بطبيعة العلاقة بين السلطة والشعب، وبمدى وجود رقابة فعلية ومسؤولية متبادلة بين مؤسّسات الدولة والأمّة. وإذا ما أُسقط هذا التصوّر على الحالة السورية، نجد أنّ سورية كانت تمثّل نموذجاً معقّداً للاستبداد الذي تجاوز صورة الحاكم الفرد، ليصبح منظومةً سياسيةً وأمنيةً واجتماعيةً متكاملةً عطّلت الدولة والمجتمع معاً.

يذهب الكواكبي إلى أنّ الاستبداد قد تمارسه الجماعة كما يمارسه الفرد، وربّما بصورة أشدّ خطراً عند اتفاقها الكامل

وصف الاستبداد بأنّه يشمل “حكومة الحاكم المطلق الذي تولّى الحكم بالغلبة أو الوراثة”، ينطبق بدرجة كبيرة على النظام السياسي السوري خلال العقود الماضية. فمنذ استيلاء حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة عام 1963، ثمّ وصول حافظ الأسد إلى الحكم عبر ما سُمّي بـ”الحركة التصحيحية” عام 1970، تشكّل نظام سياسي قائم على احتكار السلطة. ومع انتقال الحكم إلى بشّار الأسد عام 2000، بدا واضحاً أنّ الجمهورية السورية تحوّلت عملياً إلى نظام ذي طابع وراثي، رغم احتفاظه بالشكل الجمهوري والدستوري. وهنا تتجلّى رؤية الكواكبي حين يؤكّد أنّ الاستبداد قد يستمرّ، حتى لو تغيّرت الأسماء والواجهات، ما دامت السلطة الفعلية محتكرةً وغير خاضعة للمحاسبة.
لكنّ الكواكبي يتجاوز فكرة الحاكم الفرد ليشير إلى أنّ “الحاكم الفرد المُقيَّد المنتخَب متى كان غير مسؤول” يبقى مستبِدّاً أيضاً. وهذه الفكرة ذات أهمية كبيرة في فهم الحالة السورية، لأنّ النظام السوري حافظ عقوداً على مؤسّسات شكلية مثل البرلمان والانتخابات والدستور، إلا أنّ هذه المؤسّسات لم تكن تملك القدرة على مراقبة السلطة التنفيذية أو محاسبتها. فالانتخابات الرئاسية كانت تُدار ضمن شروط تجعل النتيجة محسومةً مسبقاً، وظلّ مجلس الشعب في أغلب مراحله تابعاً للسلطة التنفيذية، بينما بقيت الأجهزة الأمنية تدير الدولة والمجتمع. وبهذا المعنى، فإنّ وجود مؤسّسات دستورية لم يكن كافياً لنفي الاستبداد، لأنّ جوهر المشكلة يكمن في غياب المسؤولية السياسية الفعلية.
ويذهب الكواكبي أبعد من ذلك حين يعتبر أنّ الاستبداد قد تمارسه الجماعة كما يمارسه الفرد، وربّما بصورة أشدّ خطراً عند اتفاقها الكامل. ويمكن إسقاط هذه الفكرة على تجربة حزب البعث في سورية، إذ تحوّلت قيادة الحزب والأجهزة المرتبطة به إلى نُخبة مغلقة تحتكر القرار السياسي والاقتصادي والعسكري. فرغم وجود هياكل جماعية ومؤتمرات حزبية ومجالس قيادية، لم تكن هذه المؤسّسات تعبّر عن إرادة المجتمع، بل عن إرادة دائرة ضيّقة. وهنا يصبح الاستبداد مؤسّسياً، لا مرتبطاً بشخص واحد فقط، لأنّ غياب التعدّد والاختلاف الحقيقي يؤدّي إلى تحويل الدولة إلى جهاز مغلق يعيد إنتاج السلطة ذاتها.
حتى”الحكومة الدستورية” نفسها قد تكون استبداديةً إذا كانت السلطات فيها منفصلةً شكلياً من دون وجود ترابط في المسؤولية. وهذه الفكرة تكاد تكون مفتاحاً لفهم الأزمة السورية الحديثة. فالدساتير السورية المتعاقبة، نصّت نظرياً على وجود سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، إلا أنّ السلطة التنفيذية بقيت مهيمنةً على الجميع. فالقضاء لم يكن مستقلّاً بصورة كافية، والسلطة التشريعية لم تمتلك القدرة على مساءلة الحكومة أو الأجهزة الأمنية، كما أنّ الإعلام والمجتمع المدني خضعا لقيود صارمة. ونتيجة لذلك، غابت الرقابة الحقيقية، وتحوّلت الدولة إلى بنية تتركّز فيها السلطة بيد السلطة التنفيذية والأمنية.
لقد أدّى هذا الشكل من الاستبداد إلى تراكم أزمات عميقة داخل المجتمع السوري. فحين تُلغى المشاركة السياسية وتُقمع الحرّيات وتُمنع المحاسبة، تتراكم مشاعر الاحتقان والعجز داخل المجتمع. وعندما اندلعت الثورة في سورية عام 2011، لم تكن مجرّد ردّة فعل على حادثة معيّنة أو مطلب اقتصادي، بل كانت انفجاراً تاريخياً ضدّ عقود طويلة من الاستبداد السياسي والأمني. غير أنّ غياب المؤسّسات المستقلة والقادرة على إدارة الخلافات سلمياً جعل الأزمة تتحوّل سريعاً إلى صراع دموي معقّد، تدخّلت فيه قوى داخلية وخارجية متعدّدة.
وتبرز أهمية كلام الكواكبي حين يؤكّد أنّ الاستبداد لا يرتفع إلا إذا “عرفت الأمّة أنّها صاحبة الشأن كلّه وتعرف أن تراقب وأن تتقاضى الحساب”. ففي الحالة السورية، لم يكن الخلل مقتصراً على السلطة وحدها، بل شمل أيضاً ضعف المجتمع المدني وغياب الثقافة السياسية القائمة على المشاركة والمحاسبة. فالاستبداد الطويل يؤدّي غالباً إلى إضعاف المجتمع نفسه، عبر نشر الخوف والانقسام والاعتماد على السلطة بدل المبادرة الشعبية. ولذلك، لا يمكن أن يقتصر أيّ مشروع لبناء سورية جديدة على تغيير الأشخاص أو تعديل بعض القوانين، بل يحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة والمساءلة وسيادة القانون.

لا يكون الخروج من الاستبداد بإسقاط الحاكم فقط، بل ببناء ثقافة سياسية تؤمن بأنّ الأمّة مصدر الشرعية

إنّ قراءة الكواكبي للحكم الاستبدادي تكشف أنّ المشكلة الأساسية ليست في شكل النظام السياسي الظاهري، بل في غياب المسؤولية والرقابة الشعبية. وهذا ما يجعل أفكاره شديدة الراهنية في ما يخص الحالة السورية القائمة. فحتى بعد سنوات الحرب والتغيّرات الكُبرى، يبقى التحدّي الحقيقي أمام السوريين هو بناء دولة تكون فيها المؤسّسات خاضعة للمحاسبة، ويكون فيها الشعب قادراً على مراقبة السلطة والتأثير في القرار السياسي بصورة حقيقية.
إنّه تحليلٌ مبكّر وعميق لآليات الاستبداد، يتجاوز زمانه ومكانه. وعند إسقاط أفكاره على سورية، نرى بوضوح كيف يمكن للنظام السياسي أن يحتفظ بالمظاهر الدستورية والانتخابية، بينما يظلّ استبدادياً في جوهره بسبب غياب المسؤولية والمحاسبة. كما نرى أنّ الخروج من دائرة الاستبداد لا يتحقّق فقط بإسقاط الحاكم، بل ببناء ثقافة سياسية جديدة تؤمن بأنّ الأمّة هي مصدر الشرعية، وأنّ السلطة وظيفة عامة تخضع دوماً للرقابة والمساءلة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى