
بينما يُلقى القبض على المجرم أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في تنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، التي راح ضحيتها 41 مدنياً قُتلوا بالرصاص على يد عناصر من جيش نظام بشّار الأسد بينما كانوا يؤمرون بالركض والقفز في حفرة واسعة معصوبي الأعين ومربوطي الأيدي، ما يزال أنصارٌ لذلك النظام في دول عربية يتمسّكون بتأييده والدفاع عنه وتكرار أكاذيبه عن تعرّضه لمؤامرة كونية بسبب مواقفه السياسية التي تروي هي الأخرى أكاذيب تاريخية تصوّره نظاماً مقاوماً، بينما كان يذيق السوريين وغير السوريين ممن يقعون في قبضته مرّ العذاب والتسلط والقهر، ويوغل في تقسيم الشعب على أساس طوائفه، بينما يقصّر في واجباته التنموية تجاه بلدٍ ظلّ عبر التاريخ مصدراً لصناعة الحضارة والمدنيّة والتفوق البشري، ما جعل ذلك النظام قوة احتلال تصبغ نفسها بصبغة وطنية لتصادر خيرات البلاد وحرّياتها وكرامة أبنائها.
كان السؤال الأخلاقي الكبير خلال سنوات الثورة السورية: كيف يمكن لعربيٍّ سويٍّ أن يضع يده في يد مجرم يقود نظاماً قتل الملايين وشرّدهم وأفسد حياتهم؟ بل أن يدافع عنه مدّعياً أنه صاحب موقف أخلاقي؟ والسؤال الأخلاقي اليوم بات ينطوي على شعبة إضافية: كيف له أن يدّعي أن سورية كانت أفضل في عهد القتل الجماعي والسجون الإجرامية، وأن يغمض عينيه عن كل ما جرى مترحماً على “سورية التي ضاعت”؟ ثم حين يُلقى القبض على مجرم مثل الذي قاد مجزرة “التضامن”، يلجأ إلى مغالطة “وأنت أيضاً” ليقول إن جبهة النصرة كانت مجرمة أيضاً، وظنه أن هذا يعفي النظام السابق الذي كانت مسؤوليته حماية البلد وتنميتها وصون كرامة أبنائها، من جرائمه التي ترفضها النفوس السليمة أياً كان فاعلها.
لتبرير جرائمه يقول إن جبهة النصرة كانت مجرمة أيضاً، وظنه أن هذا يعفي النظام السابق الذي كانت مسؤوليته حماية البلد وتنميتها وصون كرامة أبنائها
الإجابة أن هذا ليس جديداً في أحوال “التضامن العربي”. يمكننا منذ مطلع هذا القرن على أقل تقدير أن نستذكر إغماض الشعوب العربية أعينها عن تسلط بعض الأنظمة ودمويّتها تجاه شعوبها، إذا كانت ترفع شعارات جوفاء عن تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية. تؤيد تلك الشعوب أنظمة القهر في بلدان غير بلدانها، غير عابئة بأشقائها العرب الذين يعيشون الظلم والاستبداد على أرض الواقع، ثم تتهم ضحايا تلك الأنظمة الفاسدة بأن رفضهم لها أو ثورتهم ضدها تنطوي على دوافع طائفية أو قبلية أو أنهم عملاء للاستعمار، متناسين أن أخطر أنواع الاستعمار هو الذي يأتيك بمسمّى وطني وشعارات قومية وزي ثوري، ليقضم خيرات البلاد ويصادر حرّيات الناس وكرامتهم، بينما يردّد أكاذيب عن فلسطين التي يستغل قضيتها ليمنح نفسه شرعية يتسلّط بها على رقاب الناس، بينما هو غير معنيٍّ لا بتحرير ولا تنمية ولا تخطيط.
هكذا تصرف نفرٌ من العرب، غير العراقيين، مع نظام صدّام حسين الذي عاث في مستقبل العرب إفساداً وتخريباً نتيجة حروبه العبثية التي قضمت خيرات الأمة، وأفسدت فرص تقاربها وتخطيطها المستقبلي المشترك، طامحاً لتحقيق أوهامه الشخصية في دخول التاريخ، إذ ما يزال الحالمون العرب يعتبرون صدّام بطلاً بعد 20 عاماً على إعدامه، ولا يُفاجأ المرء حين يجد صوره معلقة على سياراتٍ في شوارع غير دولة عربية باعتباره رمز الكرامة ومقاومة الاستعمار والإمبريالية. ما يعني أن هؤلاء لم يهتموا يوماً بأحوال الشعب العراقي في ظل حكمه، حين كان يفرض عليهم حروباً طويلة تنتهي إلى لا شيء، يهدر عليها موارد البلاد، بينما يفقد العراقيون مستقبلهم. ثم حين يتغيّر النظام يتباكون على الأمجاد التي كانت زمن صدّام مقارنة بما آلت إليه أحوال البلاد بعده، وكأنه بريء مما ترك البلاد عليه من انقساماتٍ طائفيةٍ وقوميةٍ وقبلية، وانهيار اقتصادي، بعد أن كان ورث بلاداً ماضية على طريق التنمية والتفوق يوم قفز إلى السلطة في غفلة من الزمان.
ليس ثمّة أمل لمستقبل عربي أفضل لكل شعب من شعوبنا، إلا بأن نعرف أن عدو الداخل لا يقلّ خطورة عن عدو الخارج
ينطبق الحال نفسه اليوم على العرب غير السوريين من مؤيدي نظام الأسدين المجرم، الذي عاث في سورية تخريباً وإفساداً وتدميراً وتفتيتاً على أساس طائفي. هؤلاء الذين يؤيدونه ويدافعون عن “زمنه الجميل”، لم يعبؤوا يوماً بأحوال السوريين، ثم بدمائهم ومستقبلهم، ولم يتضامنوا معهم لمجرد أن قاتلهم يرفع شعارات المقاومة والتحرير والوحدة والعروبة. هل حقاً كانوا يصدقونه؟ بالطبع لا، فهم ليسوا أغبياء، لكن من المؤكد أن لكل منهم دوافع ذاتية للسكوت عن الإجرام والمضي في ركبه حتى لو بكلمة، ثم هم اليوم يغضون النظر عن أن أحوال البلاد وانقساماتها الطائفية العميقة ليست إلا صنيعته وخطيئته.
ما دام هذا حال التضامن بين الشعوب العربية، فكيف لها أن تعترض على نقص التضامن بين الأنظمة؟ وكيف لها أن تتهم تلك الأنظمة بأنها سبب انهيار منظومات العمل العربي المشترك التي كان يمكن أن تكون بديلاً مقبولاً لوعود الوحدة العربية في الظروف الدولية غير البريئة التي تحيط بنا؟ يا لحالنا المتردّي هذا. أيتها الأجيال القادمة: ليس ثمّة أمل لمستقبل عربي أفضل لكل شعب من شعوبنا، إلا بأن نعرف أن عدو الداخل لا يقلّ خطورة عن عدو الخارج، وأن العدو لا يقول لك إنه عدوّك، بل يأتيك متزيّناً بوعود التحرير التي يعرف هو أنه لن يقدر عليها، لينسيك مطالبته بأول واجباته، تحقيق التنمية وبناء الفرص وتمكين الإنسان، وهي الأساس المتين والوحيد لشق طريق الاستقلال التام وتحرير الأرض العربية المحتلة. لا يجوز لأي عربي أن يؤيد نظاماً يهمل إنجاز ذلك الأساس المتين في بلده لمجرّد إطلاقه وعوداً جوفاء في الهواء، وذلك أول التضامن الحقيقي والنافع بين الشعوب العربية.
المصدر: العربي الجديد






