ختام رمضان وحكمة الصيام

سامر خير أحمد

         

مع ختام شهر رمضان الفضيل، يمكننا أن نتأمل في الحكمة من فرض الصيام، التي اجتهد فيها المسلمون عبر التاريخ، وغلب عندهم القول إن غايتها أن يشعر عامة الناس مع الفقراء الذين يحسّون عادة بالجوع لأنهم لا يجدون قوت يومهم. وحيث يصح أيضاً قول فقهاء كثيرين إن الغاية من الصيام حكمة يعلمها الله، يمكننا أن نتدبر، بعد أن عشنا شهر القرآن، في آياته وسوره، حول الصيام ومجمل شعائر العبادات، حيث ترد الشعائر الأربع؛ الصلاة والصيام والزكاة والحج، مرتبطة بمسألة التقوى، على نوعين:

الأول: يختص بالصيام والحج، فتقول آيات سورة البقرة إن الغاية منهما إدامة التقوى في نفوس المؤمنين المتقين، أي تذكيرهم بها، وهذا منطقي، إذ يقع أداء الصيام المفروض أو الحج على الأكثر مرة في السنة، أي في شهر رمضان وفي موعد الحج من شهر ذي الحجة، ما يعني أن هذا النوع من شعائر العبادات يهدف إلى تنشيط مشاعر التقوى لدى المسلمين المتقين، كذلك تذكير غير المتقين من المسلمين بوجوب العودة إلى التقوى، فبابها مفتوح لهم وليس موصداً ضدهم. تقول الآية رقم 183:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”، ثم تضيف الآية 187 بعد أن تشرح أحكام الصيام: “كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ”. أما عن الحج فتقول الآية رقم 197: “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى”. ولهذا كان جزاء كل من الصيام والحج غفران الذنوب، فهما اللذان يعيدان المسلم إلى ظلال التقوى.

إقامة الصلاة وأداء الزكاة يردان في القرآن أنهما من أمارات التقوى، لا من وسائل التذكير بها كما الصيام والحج

الثاني: يختص بالصلاة والزكاة. والزكاة لا ترد في سورة البقرة إلا مرتبطة بالصلاة في سياق وصف المؤمنين المتقين. فالسورة تجعل في الآية رقم 3 من أوائل صفات المتقين أنهم: “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”. ثم تقول في الآية رقم 110 إرشاداً للمؤمنين المتقين: “وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ”. بعدها تقول الآية رقم 177 في شرح صفات المتقين: “.. ولَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون”.

أما الصلاة فترد منفردة من غير الزكاة في مواقع أخرى من السورة، ولكن من غير إقرانها بالإقامة، أي أنها ترد بلفظ “الصلاة” لا “إقامة الصلاة”. وسواء كان معنى الصلاة كمعنى إقامة الصلاة، أي أداء شعيرة العبادة، أو كان معناها الصلة الوجدانية مع الله التي تنطوي على استشعار مراقبته كما يقول بعض المسلمين، فإن لفظ الصلاة يرد في سياق توجيه المسلمين بشأن امتحان الحياة وما يتضمنه من ابتلاء بالخير والشر، فتقول الآيات إن الصلاة تعينهم على ذلك الامتحان تماماً كما الصبر: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين” الآية 153. وعلى هذا تختص الصلاة بأن لها غايتين: أولاهما التعبير عن التقوى كحال الزكاة، والثانية الإعانة على التمسك بالتقوى وعدم الوقوع في الفحشاء والمنكر وسط ابتلاءات الحياة بالخير والشر. والإعانة لا تعني التذكير بالتقوى وحسب، بل مدّ الإنسان بالسكينة والطمأنينة النفسية كي يتمكن من الصبر في مواجهة الابتلاءات. كذلك ترد الصلاة في مواقع أخرى من السورة في سياق حديثها عن بني إسرائيل، فهي إذن تختص ببني إسرائيل لا بالمتقين الذين يخابطهم القرآن، ولا يجوز نزع تلك الآيات من سياقها وتعميمها على كل الناس أو استعمالها لغير المعنى الذي وردت لأجله.

غاية الصلاة والزكاة التعبير عن التقوى، أما غاية الصيام والحج فالتذكير بها وفتح الباب للعودة إليها

وعلى هذا، إقامة الصلاة وأداء الزكاة يردان في القرآن أنهما من أمارات التقوى، لا من وسائل التذكير بها كما الصيام والحج. تؤكّد هذا في شأن الزكاة الآية رقم 156 من سورة الأعراف: “وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُون”.َ لكن أمارات التقوى تفيض عن هاتين الشعيرتين، فكيف تختلفان إذن عن باقي الأمارات؟ أي لماذا تعتبر الصلاة والزكاة من أركان الإسلام، ولا تعتبر باقي أمارات التقوى من أركانه أيضاً، كالوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء؟ الواضح أن هاتين الشعيرتين تؤدَّيان دورياً على نحو مخصوص، فثمة نسبة للزكاة من المال وثمة شكل للصلاة وعدد لركعاتها، على غير أمارات التقوى الأخرى التي لا تؤدّى دورياً وليس لها شكل مخصوص.

غاية الصلاة والزكاة إذن التعبير عن التقوى، أما غاية الصيام والحج فالتذكير بها وفتح الباب للعودة إليها. وللصلاة غاية إضافية قوامها الإعانة على التمسك بالتقوى. وإنما اعتُبرت جميعها أركان الإسلام على اختلاف الغايات منها لأنها كلها أوامر تقوم على نحو مخصوص وتؤدى دورياً في توقيت مخصوص. وتشترك الصلاة مع الصيام والحج في جانب التذكير الدوري بالتقوى، كي تكون سلاح المؤمن في مواجهة ابتلاءات الحياة والصمود فيها، وتشترك مع الزكاة في التعبير الدوري عن الانتماء للمتقين.

والحال، إن مسألة التقوى تمثل شغلاً شاغلاً لأركان الإسلام، كما لمجمل خطاب القرآن؛ فيقرنها بالإيمان بالله واليوم الآخر والرسالات وسائر الغيب كما تقول الآيات الأولى من سورة البقرة، حتى يمكن وصف عقيدة الإسلام بأنها عقيدة التقوى والإيمان.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى