
تطرح تجربة جماعة الإخوان المسلمين في سورية، بما انطوت عليه من إيجابيات وسلبيات، أسئلةً كثيرةً لا تتعلّق بقدرتها على النجاة من الأزمات الخطيرة، وتجاوزها المآزق الصعبة، وبقائها في قيد الحياة هذه الفترة المديدة كلّها، فقط، بل أيضاً بمحافظتها على المنطلقات والخطط ذاتها، على الرغم من فشلها في إنجاز مكاسب راسخة وتحقيق نقلة في أفكار المجتمع، بما في ذلك كوادر الجماعة وجمهورها، ليس لإحداث تغييرات سياسية واجتماعية عميقة ودائمة فقط، بل ولحمايتها وصونها. وهذا ما حاول عبد الرحمن الحاج مقاربته في مقالته “الإخوان المسلمون في سورية… 80 عاماً” (العربي الجديد 8/4/2026)، من دون نجاح كبير في تناول موضوعه، إذ لم يكن دقيقاً في عرضه تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، ولا في ما أطلقه من أحكام وتقديرات حول مسيرتها ومستقبلها.
النشأة والبنية التنظيمية
وقعت مقاربة الحاج في أخطاء عديدة، لعلّ أوّلها تفسيره اختيار الجماعة اسم “مراقب عام” لأعلى منصب تنظيمي وربطه بطبيعة الدور المنوط بصاحب المنصب “المراقبة لأداء الجماعة، ما يوحي بمفهوم ضبطي وتنسيقي أكثر منه قيادياً”، مع أن دوره القيادي ثابت عملياً؛ وأنّ التسمية جاءت متّسقة مع واقع ارتباط “الجماعة” في سورية بالتنظيم الأمّ الذي يلعب دور القيادة والتوجيه، فـ”المرشد العام” و”مجلس شورى الجماعة” في المركز (مصر) هما رأس الهرم التنظيمي و”المراقب العام” مرتبة ثانية؛ قيادي لفرع الجماعة في سورية. أمّا ثانيها فربطه ضعف دور المركز في قيادة الجماعة في سورية بعد خروج المراقب العام عصام العطّار من سورية، وقد خرج إلى الحج عام 1964، ولم تسمح له السلطة بالعودة، فتوجّه إلى أوروبا، ونتيجة طول المسافة، وبطء وسائل الاتصال آنذاك، وصعود قيادات محلّية في المدن، تحوّلت الأطراف إلى مراكز شبه مستقلّة: جناح حلب، وجناح دمشق، وجناح حماة. تفسير مجرّد لا يتّفق مع واقع الجماعة في حينه، إذ بدأت الخلافات في وجهات النظر داخل الجماعة في سورية قبل ذلك بكثير، في عام 1960 تحديداً، بتحفّظ قيادات وازنة في الجماعة على موقف “المراقب العام” الأوّل، الشيخ مصطفى السباعي، من جمال عبد الناصر، الذي وصف موقفه بـ”التراخي” تحت تأثير ما نقله “إخوان” مصريون فرّوا من مصر إلى سورية بعد انفجار الصراع بينهم وبين النظام المصري، وما فعلته السلطة بأعضاء الجماعة هناك من اعتقالات وتعذيب وتشريد، تلاها الخلاف حول الموقف من العصيان المدني في حماة عام 1964، إذ رفض عصام العطّار المشاركة فيه أو تأييده، واشتُهر قوله ردّاً على “إخوان” حماة الذين طالبوه بالمشاركة في العصيان أو تأييده، بأنّه “لا يؤمن في الوصول إلى السلطة إلا بالوسائل الديمقراطية ولو كلّفه ذلك خمسمائة عام من الانتظار”. واتسع الخلاف داخل الجماعة عام 1970، على خلفية وصول حافظ الأسد إلى قمّة السلطة، حول سبل النضال بين من يدعو إلى التمسّك بالطرائق السلمية (العطّار ومحيطه الدمشقي)، ومن يدعو إلى تبنّي العنف لأنّ النظام لا يفهم سوى لغة القوة (أعضاء الجماعة في حماة وحلب ودير الزور)، خلافٌ تعمّق مع الوقت حتى بلغ حدّ القطيعة بين التيّارين بانسحاب العطّار من الجماعة.
لم يكن انسحاب العطّار من الجماعة انشقاقاً، كما ادّعى الحاج، فقد انسحب من دون إعلان، ومن دون أن يدّعي أنّه ممثّل الجماعة الحقّة
اعتبر الحاج، في مقاله، انسحاب العطّار من الجماعة انشقاقاً، وهو ليس كذلك، لأنّه انسحب من دون إعلان، ومن دون أن يدّعي أنّه ممثّل الجماعة الحقّة، وشكّل في أواخر سبعينيّات القرن العشرين تنظيمه الخاصّ “الطلائع الإسلامية”، الذي قال عنه الحاج إنّه تنظيم عسكري، في حين لا علاقة للتنظيم بالعمل العسكري لا من قريب ولا من بعيد. فالعمل العسكري ليس من بين وسائل العطّار، وقد تأكّد ذلك من خلال عمل التنظيم، إذ لم يعرف أنّه نفّذ عملاً عسكرياً على الإطلاق، وكان تركيزه على المسلمين في ألمانيا، ومركز نشاطه جامع بلال في آخن. ويبدو أنّ مفردة “طلائع” قد دفعت الحاج إلى تبني هذا القول، مع أنّ العطّار استخدمها بمعنى الروّاد، ووُصف التنظيم في بعض المراجع بأنّه “مدني دعوي سياسي”، يؤكّد هذا مناشدة العطّار أعضاء الجماعة في سورية خلال فترة المواجهة مع النظام، في ثمانينيّات القرن الماضي، باعتماد الطرائق السلمية. وقد توالى على منصب المراقب العام قادة مختلفون في الخلفية والرؤى السياسية والاجتماعية، منهم من تبنّى العمل السلمي والانخراط في الحياة السياسية عبر المشاركة في الانتخابات النيابية: المراقبان، الأوّل الشيخ مصطفى السباعي (1945 – 1964)، والثاني عصام العطّار (1964 – 1973)، تلاهما مراقبون عامّون يتبنّون التغيير بالقوة: عبد الفتاح أبو غدّة (1973 – 1975)، وعدنان سعد الدين (1976 – 1981)، ومنير الغضبان (عام 1985 ستة أشهر)، ومحمّد أديب الجاجي (1985 مدّة ستة أشهر)، وحسن هويدي (1991 – 1996)، عادت بعدها الجماعة، في فترة مراقبة علي صدر الدين البيانوني (1996 – 2010)، ومن تلاه: محمّد رياض الشقفة (2010 – 2014)، ومحمّد حكمت وليد (2014 – 2023)، وعامر البوسلامة (منذ يناير/ كانون الثاني 2023)، إلى تبنّي الخيار السلمي بعد التجربة المريرة والهزيمة الساحقة التي انتهت إليها المواجهة المسلّحة مع النظام في ثمانينيّات القرن الماضي، وما ترتب عليها من خروج من البلد فترةً طويلةً.
حضور في الثورة أكبر من الهامش
وقال الحاج في تقويمه دور الجماعة في الثورة السورية عام 2011: “ومع اندلاع الثورة لاحت الفرصة العظيمة المنتظرة في الأفق، غير أنّ تجربة الصدام المسلّح في الثمانينيّات، وذاكرتها الدامية، ظلّت تضغط على الجماعة، ما أوقعها في موقف متردّد، فهي لا تريد تصدّر المشهد وتحمّل العواقب، بما في ذلك الخوف من وصف الثورة بالإسلامية والتأثير في مستقبلها، وتخشى تحمّل مسؤولية الفشل، لأنّه لا ضمان لنجاح الثورة، ولا هي تريد تفويت الفرصة في الوقت نفسه، فشاركت الجماعة في التحالفات السياسية الرئيسة، وكان لها دور في تشكيل تلك التحالفات، إلا أنّها ظلّت في الصفّ الثاني. كانت دائماً حاضرةً، لكنّها هامشية التأثير؛ كانت صورة حضورها أكبر من ظلّ تأثيرها، خصوصاً أنّ الكلمة الفعلية كانت للقوى المقاتلة في الميدان التي لم تكن القوى السياسية تملك عليها سيطرة أو نفوذاً…. وفي النتيجة، لم يكن للجماعة تأثير يتناسب مع وزنها السياسي والتاريخي. ورغم ذلك، كانت جماعة الإخوان المسلمين راضيةً لأنّها تعتقد أنّها تصرّفت بدافع المسؤولية، وليس بدافع المكاسب الحزبية”. هذا سرد غير صحيح بالمطلق، إذ شاركت الجماعة في تأسيس المجلس الوطني السوري، ولعبت على القوى الأخرى بإدخال عناصر لها إلى “المجلس” تحت أسماء كتل واجهة، وأخذت أكثر من حصّتها في الهيئة العامة، والأمانة العامّة، والمكتب التنفيذي، والرئاسة، فانتخب محمّد فاروق طيفور (نائب المراقب العام للجماعة)، نائباً لرئيس المجلس الوطني السوري”، ونائباً لرئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وعضواً في هيئته السياسية في دورات عدّة، وكان عضواً في لجنة الأحزاب بداخله، ومديراً لملفّ العلاقات مع الهيئات الإسلامية. شارك في مؤتمر جنيف 2 عام 2014، وكان عضواً في الهيئة العليا للمفاوضات لقوى الثورة والمعارضة السورية بنسختها الأولى. وقاتلت الجماعة لتسلّم موقع المدير المالي، ونجحت في ذلك، ووظّفت الموقع في استقطاب القوى والأفراد.
هل تعمّد الحاج تجاهل وقائع رئيسة في تاريخ الجماعة للإبقاء على الانطباع السلبي بتمسّك الجماعة بالعنف؟
لم تقف هنات الحاج عند ذلك، بل وقع في محذور تجاهل وقائع رئيسة في تاريخ الجماعة، ففي مايو/ أيار 2001 أعلنت الجماعة من منفاها في لندن مشروع “ميثاق شرف وطني للعمل السياسي في سورية”، تبنّت فيه الدولة المدنية والمواطنة والاستفادة من منجزات العصر (كتب كاتب هذه السطور تعقيباً عليه نشرته صحيفة النهار اللبنانية)، عُرض خلال مؤتمر المعارضة السورية في لندن في أغسطس/ آب 2002، طوّرته، فغدا كتاباً نشرته عام 2004 تحت عنوان “المشروع السياسي لسورية المستقبل… رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية”. وانضمت في عام 2005 إلى تحالف “إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي”، وإلى “جبهة الخلاص الوطني” في أوائل عام 2006، من دون التشاور مع “الإعلان”، في ضوء تقدير سياسي خاطئ مفاده أنّ علاقات نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدّام، العربية والدولية، ستساعد في تحقيق مكاسب سياسية سريعة، مع أنّ سمعة خدّام لم تكن تبرّر مثل هذا الاعتقاد. وانسحبت من “الإعلان” عام 2006، ومن “جبهة الخلاص” في إبريل/ نيسان 2009. وأعلنت تعليق نشاطها في معارضة النظام السوري في أغسطس/ آب 2009 تقديراً لموقفه من العدوان الصهيوني على غزّة عام 2008، وفق قولها. وقفت في بداية الثورة السورية على الحياد بانتظار نتائج وساطة تركية مع النظام بدأت عام 2010، حين كانت تركيا والنظام في شهر عسل، شاع وقتها أنّ هدف الوساطة عودة الجماعة إلى البلاد وانضمامها إلى الجبهة الوطنية التقدّمية الحاكمة، واشتراكها في الوزارة. ولمّا لم يستجب النظام، أصدرت في إبريل/ نيسان 2011 بياناً سياسياً دعت فيه إلى إسقاط نظام الأسد، وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2011 شاركت في تأسيس “المجلس الوطني السوري”، وفي 25 مارس/ آذار 2012 أصدرت وثيقةً حملت عنوان “عهد وميثاق”، أعلنت من خلالها رؤية الجماعة لسورية ما بعد سقوط النظام، داعيةً إلى بناء دولة مدنية حديثة ديمقراطية تعدّدية. واعتبرتها “أساساً لعقدٍ اجتماعي جديد، يؤسّس علاقةً وطنيةً معاصرةً وآمنةً بين مكوّنات المجتمع السوري”.
هل تعمّد الحاج تجاهل هذه الوثائق بما انطوت عليه من مضامين إيجابية للإبقاء على الانطباع السلبي عن الجماعة قوّةً متمسّكة بالعنف وسيلة لتحقيق هدفها السياسي؟
“الإخوان”: المراجعة المطلوبة
ثالثة الأثافي، كما تقول العرب، في مقاربة الحاج، تلك الدعوة النمطية إلى تبنّي “خيارات استراتيجية، وإجراء مراجعة عميقة لحسم خياراتها”، وتقديم كشف حساب عن “أسرار الأحداث والفظائع في الثمانينيّات، وما الأخطاء والمسؤوليات التي يتحمّلونها، وأيضاً ما الإنجازات التي حقّقوها، وإذا ما أرادوا التقدّم نحو المستقبل، فعليهم تصفية حساب الماضي، فالماضي الذي لا يُعالج لا يموت”، و”البحث عن مخارج، والتفكير في البدائل، فيمكن لها أن تكون قوةً سياسيةً تحافظ على التنوّع في المجتمع السوري، سواء بحلّ نفسها وإنشاء تنظيم جديد، أو بالبقاء في الظلّ. هي أمام مفترق طرق قاسٍ بعد ثمانين عاماً من التأسيس”. لا يشكّل هذا الكلام العام وصفةً لمخرج، طالما لم يحدّد طبيعة المخرج الذي يراه مناسباً للجماعة في ضوء فهمه لسبب أو أسباب تعثّرها وارتباكها. فعل ما فعلته الجماعة في تقرير لها عن نتائج اجتماع قيادي، حين أشارت إلى مناقشة الأوضاع العامة ووضع الجماعة، وقالت إنّ الاجتماع “سدّد وصوّب”. واقع الحال أنّ الجماعة تعاني من مشكلات مركّبة، نظرية وعملية، نجمت عن تبنّيها تصوّرات عقدية مختلطة، سلفية على أشعرية على أهل الحديث على صوفية، من دون أن ترى التعارض الكامن في هذه الخلطة، ولا ضرورة بذل الجهد والاجتهاد لوضع تصوّر خاص في ضوء فهمها للمؤشّرات العقدية الواردة في القرآن الكريم بالاعتماد على تطوّر القدرات الفكرية والعلمية ومناهج البحث وأدواته، من جهة، وتخلّيها عن تكييفات المراقبَين الأول والثاني: السباعي والعطّار، لأدبيات الجماعة الأمّ كي تنسجم مع السياق السوري وانحيازها لتنظيرات الجناح المتشدّد في الجماعة الأمّ: سيد قطب، الذي أدخلها في دورة عنف خسرت فيها كثيراً، انحياز لم تتحرّر منه بالكامل، من جهة ثانية، وتمسّكها بنظام داخلي قائم على ثنائية السمع والطاعة للقيادة؛ ما حوّل كوادرها إلى نسخ كربونية من هذه الأوامر الصادرة، لا تحيد عنها بتشغيل أدمغتها والاجتهاد في فهم الواقع ووضع تصوّرات وخطط وفق ذلك، فتكون قادرةً على التصرّف والعمل في حال غياب القيادة، من جهة ثالثة.
خاتمة
يستدعي ما سبق تقديم منهج جماعة الإخوان المسلمين الخاصّ، وقراءتهم الخاصّة للقواعد العُقدية والعملية بصورة تتّفق مع روح الإسلام والتطوّر الإنساني، وفرز الفقه الإسلامي، والتحرّر من المنهجية التقليدية: القياس وأسباب النزول وربط صحّة الأحاديث النبوية بالسند، والتحرّر من تقليد الأسلاف بالزي واللحية والسبحة، وتغليب العبادات على إعمار الكون، وإقامة العدل والمساواة بين البشر، والتخلّص من التعصّب المذهبي بتحاشي الدخول مع المذاهب الإسلامية في صراعات عقدية ومذهبية، والانفتاح عليها وأخذ اجتهاداتها بالاعتبار مدخلاً لإعادة الإسلام إلى دوره الأصيل: دين من أجل الإنسان، دين للدنيا، وتحريره من العقلية المذهبية الضيّقة واشتراطاتها وقيودها التي حوّلت الإسلام إلى دين استبدادي، والتركيز على وضع أسس لمواجهة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة، مع وضع قواعد وآليات لإدارة مؤسّسات السلطة والشأن العام بأخذ فترة الانقطاع الحضاري، التي دامت قروناً، بالاعتبار، واقتراح تصوّر مؤسّسي وإجرائي لممارسة الشورى بعد حسم أنّها ملزمة بما يتناسب مع الظروف والمتغيّرات.
المصدر: العربي الجديد






