غمّيضةُ المفاوضات

آدم فتحي

    

يعرف هواةُ لَعِب الورق أنّ الحساب لا يلغي الحظّ، وأنّ اللاعب الماهر يعتبر الحظّ جزءاً من اللعبة، محاولاً مراودته واستدراجه. كما يعرف مُحترفو الشطرنج أنّ الحركة الأولى شديدة الأهميّة، لكنّ الثانية أهمّ، والأهمّ منهما الثالثة، وأنّ الفوز لا يكون لمن يُحسن اختيار الحركة الأولى، بل لمن “يتصوّر” أكبر عدد من “الحركات الموالية”، لأنّ الغلبة، في النهاية، منذورةٌ لأكثر اللاعبين انفتاحاً على أكبر قدر من الاحتمالات والفرضيّات. وليس من حاجةٍ إلى التذكير بأنّ اللعب ليس نقيض الجدّ، بل هو وجهٌ من وجوهه، وهو أكثر تعقيداً من أن يُختصر في كلّ ما لا يُجدي نفعاً. الرياضيّات لعب. الاقتصاد لعب. وفي وسع المتابع أن ينسب العمل السياسيّ إلى اللعب أيضاً، لولا أنّ سياسة العالم اليوم لم تعد تشبه شيئاً ممّا يُلعب: لا الورق ولا الشطرنج. إنّها أقرب إلى طاولةٍ تُبدَّل أرجلها في أثناء اللعب. أو لعلّها ملعبُ كرة قدم يُغيّر فيها المرمى طوله وعرضه وارتفاعه ومكانه، بينما الكرة في طريقها إليه. إنّها لعبةٌ لَعُوب، لا تعرف فيها هل خصمك خارج الرقعة أم داخلها، وهل تُلاعب خصماً أصلاً، أم أنّك تلعب ضدّ انعكاسك في مرآةٍ عمياء، خصوصاً في كلّ ما يتعلّق بالمفاوضات.

ليس من مفاوضاتٍ في غياب نسبةٍ من التوازن، ونسبةٍ من قواعد اللعب التي يتواضع على احترامها اللاعبون. ويبدو أنّ القرن الجديد فقَدَ التوازنَ والقواعد. من ثمّ لم تعد المفاوضات فنّاً لإنتاج التسويات، وحواراً بين طرفين يتبادلان العروض والتنازلات للوصول إلى اتّفاق، بقدر ما أصبحت عرضاً غريباً لا نعرف فيه من يَلعب، ومن يُلعَب به، إن كانت هناك لعبة أصلاً. باتت المُفاوضات في القرن الجديد أقرب إلى لعبة الغمّيضة، القائمة على نظريةٍ تُمحَى قواعدُها في أثناء اللعب. ومن المفارقة أن يتحدّث الجميع عن “مفاوضات”، بينما ما يحدُث ليس سوى “إملاءات”، بوجود طرفٍ واحدٍ يملك الطاولة والقواعد، بل والحقّ في إعادة تعريف اللعبة حسب الحاجة. وهو الخصم والحَكم. بينما في الجهة المقابلة فريقٌ من الأشباح، لا أوراق لديه، لا فوق الطاولة ولا تحتها، ولا حتى “جوكير”. يدخل اللعبة لا بوصفه فاعلاً، بل بوصفه موضوعاً للمساومة. يضع كلّ ما لديه: ذاتَه، قيمَه، حقوقه، وحتى ما تبقّى من قدرته على التأثير، ويقدّمها، حرفيّاً، مثل قربانٍ على مذبح الاستسلام. والأسوأ، أنّه يُدعى إلى اعتبار هذا السلوك “واقعية” أو “حكمة سياسية”، وكأنّ الانسحاب التدريجي من معنى الفعل شكلٌ من أشكال الانتصار.

سمّى القدامى اضطرابَ الموج “لعباً”، حين لا يسير بالسفينة إلى الوجهة المقصودة، وأطلقوا صفة “اللعبة” على المخدوع الذي يُستخفُّ به. وإذا استعرنا هذا المعنى، فإنّ مفاوضين كثراً، في القارّات الخمس، يبدون أقرب إلى التعريف الثاني: كائنات تستدرج إلى طاولةٍ لا تملك فيها سوى كونها لعبة. والسؤال هنا: لمن تذهب المكافأة؟ تكافئُ نظريّةُ الألعاب التقليدية اللاعبَ الأكثر انفتاحاً على الفرضيات. أمّا في هذه “الطبعة” الجديدة، فإنّ الفرضية الوحيدة المتاحة هي غياب الفرضيات. أنت لا تلعب ضمن قواعد، بل ضمن فضاءٍ يُعاد تشكيله وفق أهواء الفوضى اللاخلّاقة، المستندة إلى خوارزميات التوحّش المعربد. وليس من نتيجة لمحاولتك التكيّفَ مع الوضع الجديد، سوى انجرارك، في النهاية، إلى الانخراط في غُمّيضة المفاوضات هذه، التي لا يهمّها حلحلة المسائل، بقدر ما يهمّها مساعدة الطرف الغالب على سحق الطرف المغلوب، وتعويد المغلوب الاستسلام، باعتبار الاستسلام مرونة تفاوضيّة، وإرغامه على الاقتناع بهزيمته، على أساس أنّ الهزيمة حتميّة حضاريّة.

ما الحلّ؟ الأرجح أنّ الردّ الوحيد على غمّيضة المفاوضات إبطال شرطها الأوّل: التعامي. لكنّ فتح العينين لا يكفي إن بقيت البصيرة مغمضة، وفتح البصيرة لا يكتمل إن ظلّ البصر خائفاً من الواقع. المطلوب ربطُ الرؤية بالمعنى لإدراك ما يخفى ولماذا يخفى. عندئذ فقط، يمكن للضعيف أن يتّخذ من الضعف حيلة. لقد اعتاد الجلّاد إلزام الخاسر بدفع فاتورة الهزيمة، وجرّه إلى تسجيل الأهداف في مرماه. وعلى المستضعف أن يصنع من جراحه كشّافات كي يضع اللعبة في دائرة الضوء. ما إن تُضاء اللعبة حتى تختفي الغمّيضة. عندئذ، لا يصبح الضعيف قويّاً فجأة، بل يشرع في منع قوّة جلّاده من أن تبقى بلا كلفة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى