
ربما تكون المؤشّرات المتتالية، خلال الأيام الأخيرة، مؤشّراً كبيراً على وجود مساحة مشتركة يمكن البناء عليها لوقف الحروب في المنطقة، على الأقل في الجبهتين الإيرانية والأميركية (الإسرائيلية) واللبنانية من جهةٍ ثانية (على فرض نجاح الهدنة واستمرارها لاحقاً، مع العلم أنّ إسرائيل تصر على عدم الانسحاب حالياً من المناطق التي سيطرت عليها)، وهي استراحة مهمة لمنطقة الشرق الأوسط من مرحلة عاصفة شكّلت منعرجاً كبيراً في تاريخها، وإنْ لم تنتهِ تداعياته بعد، بل في الوقع لم تبدأ على صعيد إعادة تشكيل اللعبة الإقليمية الجديدة.
ثمّة ملفات عالقة كثيرة، وفي مقدمتها غزّة، التي ما تزال عملياً تحت الاحتلال ومشروعات البناء الوهمية التي لم تبدأ، مع شكوك حقيقية في جدّية تلك المشروعات، ونيّة إسرائيل الانسحاب. فيما يقف ملف الضفة الغربية والأوضاع المتأزمة فيها وانسداد كامل في أفق عملية التسوية السلمية مع مشروع متدحرج بصورة متسارعة، تقوده حكومة بنيامين نتنياهو لضم الأراضي وتغيير الواقع الحالي وتقويض السلطة الفلسطينية التي أصبحت، هي الأخرى، في حالةٍ من الضعف الشديد وقيد الخطط الإسرائيلية.
في الأثناء، بدأت تتسارع مشروعات اقتصادية عملاقة في المنطقة تمسّ خطوط الإمداد والممرّات البرية والبحرية، التي ترتبط بتصوّرات متعدّدة لمستقبل اقتصاد المنطقة، بخاصة المشروع الهندي – الأوروبي (IMEC)، وهنالك مشروعات أخرى تطل برأسها على المنطقة، منها ما يتعلّق بنواة لمشروع التركي – السوري، الذي قد تنضم إليه الأردن والسعودية (تطلق عليه تقارير مصطلح “البحار الأربعة”)، بينما في جعبة حكومة نتنياهو تصوّرات أخرى مرتبطة بالاتفاقيات الإبراهيمية، وتحظى بتأييد ودعم كبيرين من إدارة الرئيس ترامب.
لا تنفصل تلك المشروعات عن نظريات أمنية وسياسية ثاوية وراءها، فلم يعد ممكناً اليوم فصل عجلة الاقتصاد عن الصراعات الجيو سياسية في العالم، ومنطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة، لكن أيّاً من هذه المشروعات التي يحاول بعضها إدماج إسرائيل في المنطقة يحمل تصوّراً واضحاً للتسوية السلمية، باستثناء مشروع السلام الإقليمي لترامب وصهره جاريد كوشنير ومعهم إسرائيل، الذي بني على فرضية أنّ المنافع الاقتصادية في المنطقة ستؤدّي إلى إدماج إسرائيل وإزاحة القضية الفلسطينية عن مركز المشهد الإقليمي، وتهميشها وصولاً إلى أن يطويها النسيان وتصبح المسألة إدارة الحياة اليومية والاقتصادية لملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزّة، على المدى القصير، والتخلص من القضية بصورةٍ عمليةٍ على المدى البعيد.
قد تكون المواجهة العسكرية الكبرى بين إيران وأميركا – إسرائيل قد توقفت مؤقتاً، لكنّ المواجهة الأكبر هي على مستقبل المنطقة والتصوّرات حولها، والدول العربية والإسلامية، التي أصبحت جزءاً من الإقليم بعدما توسّع (بدخول عملي لكل من باكستان وتركيا، وبدرجة أقل إندونسيا وماليزيا) معنية بمراجعة كل ما حدث، على الصعيد الاستراتيجي والأمني وربط المشروعات الاقتصادية لمستقبل المنطقة بتصوّرات أكثر استقلالية تأخذ مصالح المنطقة السياسية والاقتصادية والثقافية بعين الاعتبار، ومن ذلك، أيضاً، مستقبل القضية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل التي أصبحت مصدر تهديد للمنطقة، بخاصة مع العقيدة العسكرية والأمنية الجديدة التي تقوم على بناء مناطق عازلة في المحيط الإقليمي، لتكون القوة الإقليمية الكبرى المهيمنة.
إحدى القضايا ذات الأولوية الملحة اليوم، في ضوء هذا الصراع الجديد، تتمثّل بمبدأ “السلام بين شعوب المنطقة”، التي مزقتها الحروب الداخلية والبينية بدرجة كبيرة، وهو ما يستدعي تغليب منطق المصالح العليا لهذه الشعوب والمجتمعات والدول على الجروح والأزمات والشقوق الداخلية والبينية الكبرى، وهي مهمة “الاستشفاء والعلاج” كبيرة لا تقع فقط على عاتق الحكومات والأنظمة، بل النخب المثقفة والمفكرين المطالبين اليوم ببناء خطاب سلام عربي – إسلامي يتسم بالاعتدال والواقعية لتجنب الانزلاق نحو مستوى أخطر من الارتباطات والتبعية والتهميش أو التحجيم لمصالح “أهل المنطقة”، هو مشروع بحاجة إلى عقول تفكّر خارج صندوق الثأر والعاطفة الآنية والمرحلة الماضية والانتقال والانطلاق نحو مرحلة جديدة، لا تقوم على منطق “عفى الله عما مضى”، بل التعلّم من المرحلة السابقة ومن أخطائنا جميعاً فيها، وتجاوز الشروخ الطائفية والداخلية والعرقية والدينية، لأنّ البديل رهن المستقبل لمن يريد تكريس التبعية والخضوع على المنطقة.
المصدر: العربي الجديد


