مفهوم الانتقال الديمقراطي في المغرب

  عبد القادر الشاوي

الانتقال الديمقراطي السلمي في ظل نظام استبدادي في التجربة المغربية إشكالية قديمة طرحت مع إعلان أول دستور ممنوح مباشرة بعد أقل من ست سنوات من استقلال المغرب، بحسب اتفاقيات إيكس ليبان في 1956، وهي، في الوقت نفسه، حالة خاصة، لأنها لم تعد قائمة على نحو ما كانت عليه من حدّة في السنوات التي أعقبت الاستقلال، وفي أثناء سيادة حالة الاستثناء، وخلال المد الجماهيري الصاعد الذي تميّزت به البدايات الأولى للسبعينيات وما تلاها من القرن الماضي.

يفيد معنى “الإشكالية القديمة” في مسألة الانتقال الديمقراطي السلمي أنَّ المطالبة بالديمقراطية تبلورت في مسار الحركة الوطنية المغربية وتجربتها في ضوء ما عانت منه في المجال السياسي في ظل الحماية، ولكن أيضاً بتأثير من نظامها الليبرالي ذي الطبيعة الرأسمالية الذي اعتُمد من أشكال الديمقراطية المتبلور تاريخياً، وفي السياق الزمني الأوروبي، في نطاق الثورة الفرنسية على نحوٍ من الأنحاء. والمعتمد في النظر، وهو الذي طاف فترة بأذهان العاملين الأُوَل في إطار الحركة الوطنية المغربية منذ تشكل أحزابها بعد 1934، هو مفهوم الشورى، المستمد من النص القطعي (سورة الشورى 33) المشروط في الآية القرآنية بالاستجابة لرب العالمين، وإقامة الصلاة، والإنفاق من الرزق، بعد أن استوحاه المُصْلِح وَحَاوَل بناءَه في ضوء سلطة الفقه والفقيه والعلم الديني قاعدةً مضمونةً، بالاتفاق على الحد الأدنى، لتقييد سلطة الحاكم المستبد العادل.

غير خافٍ أن المطالبة بالديمقراطية، وخصوصاً في فكر بعض الزعماء البارزين، من أمثال علال الفاسي ومحمد بلحسن الوزاني، أو عبد الخالق الطريس في منطقة الحماية الإسبانية في الشمال، لم تكن للعمل بنظامها في الحياة الدنيا وسياسة المجتمع والدولة بالقانون والحق، لأن المنظور الديني التربوي، والهُويّاتي إلى حد ما، المعتمَد في البناء واقتراح البرامج وطرق التفكير والمعاملات التقليدية في الفضاء المدني المديني، على وجه الخصوص، كان محكوماً ببعض مقوّمات الفكر السلفي المرتبط بدعوات النهضة المشرقية (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده) وَبَدَاوَة “الوهابية”، فلم يكن يعنيه، في المقام الأول، إلا أن تقوم الأمة من سَقْطَتها اعتماداً على النموذج المقرّر، أو المستخلص بالتأويل البَعْدِي، من فترة النبوة والصحابة ومن سار على نهجهم امتثالاً لعقائدهم المحفوظة، وأنْ يكون في “تطبيق الحكم الشورى” المُوصَى به تنفيذ التأويل الديني القادر على تبرير الغلبة ونظام السيطرة.

كانت المطالبة بالديمقراطية في المجال السياسي تعني، حصراً، السماح الممكن بحرية الحركة وقيادة النضال والاعتراف بالحق في المواطنة الكاملة، ولو تحت النفوذ الأجنبي

وفي مقابل هذا، كانت المطالبة بالديمقراطية في المجال السياسي تعني، حصراً، السماح الممكن بحرية الحركة وقيادة النضال والاعتراف بالحق في المواطنة الكاملة، ولو تحت النفوذ الأجنبي. وبطبيعة الحال، رغبة في تطبيق البرامج التي كانت متبلورة، بكونها مطالب مستعجلة ومؤجلة على السواء، لم تَكُن وَلَم تَبْرُز فيها الفكرة الاستقلالية إلا في فترة متأخرة، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية وإعلان الوثيقة التي قرّرت ذلك، وألحّت عليه (في الشمال، 1943 وفي الجنوب، 1944). ولهذا تضمنت هذه الوثيقة مسألة المطالبة بإقرار الديمقراطية في معرض المطالبة بالاستقلال، رفضاً للإصلاح المقترح من سلطات الحماية (مجلس شورى الحكومة) بعد أن انحازت إليه بعض الفئات العاملة في القطاع التجاري والخدمات واقتصاد الحرب بعامة، وانسحبت منه أخرى على قرابة سياسية وعائلية بمكوّنات الحركة الوطنية ذات المصلحة الكبرى في أن يكون الاستقلال مناسبة لتحكمها وسياقاً لاستغلالها وسيطرتها الحزبية والسلالية.

أما ما عَنيتُه بـ”الحالة الخاصة” ضمن إشكالية الانتقال في ظل الاستبداد، المذكورة من قبل، فالمقصود بها أن الانتقال الديمقراطي السلمي في العهد الاستقلالي أصبح قضية نقاش، ومطلب فئاتٍ اجتماعية، ومصلحة سلطة للانفراد بالحكم، وشعاراً يسارياً بناه الرافعون له على تصورات الفكر القومي، بل ويمكن اعتباره أيضاً من الأفكار الدستورية التي خامرت رواد العمل الوطني عشية تخلي الحمايتين، الفرنسية والإسبانية، عن مشروعهما الاستعماري، وخصوصاً عندما تحوّل القبول بفكرة (الاستقلال داخل الاستقلال) إلى شكل آخر من أشكال السيطرة الجديدة التي أحْكمَت، من حول النضال الوطني ومن حول السلطة الملكية نفسها، وثاق التبعية والخضوع للمشترطات التي أملتها الدولتان الحاميتان.

الملكية سلطة أوتوقراطية، والمعارضة سلطة ديمقراطية مفترضة ناهضة تريد أن تحقق بالنظام الديمقراطي سلطتها المستمدة من الشعب، لا من الدين، أو من الأحقية التاريخية، أو من السلالة

الظاهر حسب بعض المؤشرات المثبتة في كتابات علال الفاسي وبلحسن الوزاني، أن المطلب الديمقراطي الوارد في وثيقة المطالبة بالاستقلال (1944) كان أيضاً “عهداً ملكياً” أقرَّ به السلطان محمد بن يوسف (الملك فيما بعد) بحكم الارتباط “الوطني” الذي انعقد، بطريقة ما، بين “العرش” والحركة الوطنية منذ 1934. وسنرى كيف اكتسب ذلك الارتباط، بَعْدَ نَفْي السلطان من قِبَلِ سلطات الحماية، طابعاً شرعياً لأنه أصبح يجسّد، من الناحيتين، الشعبية والوطنية، نوعاً من الرابطة المصيرية التي يتوقف عليها بلوغ الهدف المشترك المُرَكَّب من المطالبة بالاستقلال وعودة محمد الخامس إلى عرشه، بل وأكثر من هذا لم يكن شعار المقاومة المسلحة (1953)، الذي تمحور بقوة حول ذلك وتماهى مع رَمْزِيَّتِه، إلا للتأكيد أن الديمقراطية هي المطلب الوحيد الذي يمكن أن يؤسّس لبناء المغرب الآخر الخارج من الحماية.

ومن هذه الزاوية، إعلان دستور 1962، بصرف النظر عن طبيعته وطريقة كتابته وعرضه والفصول المختلفة التي تضمنها، ما كان له، بحكم ما ذُكر سابقاً، إلا أن يُنَصِّبَ الملكية على رأس الدولة المغربية، وأن يكون الإسلام دينها والملك أمير مؤمنيها وحامي حمى دينها (الفصل 19)، وشَخْصُه مقدّس لا تنتهك حرمته (الفصل 23). ثم وأنْ يكون نظام الحكم، المنصوص عليه في الفصل الأول، “ملكية دستورية ديمقراطية اجتماعية”، تحت التصدير العام الذي ينصّ في الديباجة، بالإضافة إلى ذلك، على السيادة الكاملة، واللغة العربية لغة رسمية، والانتماء إلى المغرب الكبير، إلخ.

ولكن هذا المسار، بعهده الملكي وقبول حركته الوطنية به على علاته، انتهى بأنْ أطبَقَت حالة الاستثناء (1965) على البلاد برمَّتها عندما تأكدت سلطة الملكية، وَمَن حالفها من النخب المنتعشة والمرتبطة بها، بأنَّ السير الديمقراطي، وفي مَنَاطِق الجِوَار أمْثِلَةٌ على ذلك واضحة، ولو أنها مختلفة، يمكن أن يقود بفعل ميكانيزماته الخاصة، وخصوصاً ما بني منها على فصل السلطات والحريات العامة المقرّرة في فصوله، إلى ما لا يمكن احتماله، أو التعايش معه، أو القبول به. الملكية سلطة أوتوقراطية، والمعارضة سلطة ديمقراطية مفترضة ناهضة تريد أن تحقق بالنظام الديمقراطي سلطتها المستمدة من الشعب، لا من الدين، أو من الأحقية التاريخية، أو من السلالة.

هل يمكن الانتقال الديمقراطي السلمي في غياب القوى الديمقراطية، فكراً وسلوكاً، وهي قوى ثورية أو ليبرالية أو إصلاحية؟

وبصرف النظر عن نقاشاتٍ خيضت في المرحلة الاستقلالية بشأن الدستور الممنوح والفصول الحصرية التي تضمنها في علاقة بطبيعة السلطة والحاكم إلخ، فإن الأساس الديني للحُكم أصبح قاعدة مرعية في جميع المعاملات، فكانت البيعة (غير المشروطة) الصيغة الأمثل للسيطرة وللتحكّم، أي انفراد الملكية بالسلطة المطلقة وشروعها في بناء تحالفات مختلفة خاضعة مالياً ومصلحياً وشعورياً ووعياً (إن كان لها وعي خارج الوعي بالمصالح التي تريد جنيها)، في مقدّمة السُّلَط الاستثنائية الضامنة لما أريد من استقرار وتطور وسيادة. فالموضوع الجوهري والهام في إطار الدولة الدينية كامن في السؤال الذي لا يُطرح ولا يُناقش بحكم براغماتية التفكير السياسي الذي سيطر على النخب فَازْدَرَى وعيَها: هل يمكن الانتقال الديمقراطي السلمي في غياب القوى الديمقراطية، فكراً وسلوكاً، التي هي قوى ثورية أو ليبرالية أو إصلاحية في العموم، أي ليست أوتوقراطية ولا استبدادية؟ السؤال الثاني: هل يمكن قيام الانتقال الديمقراطي في إطار الدولة الدينية المستبدة التي تحكم بالمطلق في كل شيء؟

والمثير حقّاً أن جميع النقاشات الدستورية، وخصوصاً ما كان منها متعلقاً بالسلطة التأسيسية، أصلية وفرعية، التي انتعشت في فترة إقرار الدستور الممنوح (18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1962) وَعَرْضِه على الاستفتاء الشعبي في أقل من 20 يوماً (7 ديسمبر/ كانون الأول 1962)، تبخّرت بصورة تلقائية، فسجلت بذلك ما كان من المفروض أن يكون من باب الوعي بالتناقض الجوهري الذي لا يرتفع بين الدولة الدينية والديمقراطية، وبين الحريات العامة والاستبداد، وبين التقدم والتخلف. ومما يلاحظ في هذا السياق أن حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي الذي تأسس في سنة 1989 بعد انشقاقه عن “الاتحاد الاشتراكي” هو الوحيد الذي استعاد شيئاً من تلك النقاشات عندما تبنّى، علانية وصراحة، فكرة “المجلس التأسيسي”، وطالب بقوة بأن تكون الآلية السياسية والقانونية لصياغة الدستور وإرساء قواعد حكم دستوري جديد يستمد سلطاته العامة من الشعب. ولذلك رأيناه على موقف مبدئي في التعامل مع الاستحقاقات النيابية التي عرفها المغرب منذ انتخابات 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1997، بحيث قاطعها وندّد باعتماد الدستور الممنوح قاعدة لها، إلى أن انتهى به المطاف إلى “التكتّل” مع تيار يساري يغالب صعوبة البقاء والاستمرار في المجال الشرعي الذي رَخَّص له بالوجود في نطاق تعدّدية تتألف حاليّاً من 36 حزباً.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى