صراع الموظفين

عبسي سميسم     

تشهد مؤسسات الدولة السورية حالة صراع بين موظفيها على أكثر من مستوى، بدأت تظهر تداعياتها للعلن، فيما يحمّل كل طرف من أطراف هذا الصراع الحكومة مسؤولية ما يحصل في تلك المؤسسات بسبب سياسات التوظيف والإدارة التي تتّبعها. ويتجلّى الصراع الأبرز بين الموظفين الحكوميين الذين كانوا في عهد النظام السابق وأُبقوا على رأس عملهم، والموظفين الجدد الذين استُقدموا لملء مواقع شاغرة معظمها قيادية في تلك المؤسسات، ممن يُسمون بموظفي إدلب (أي الذين هُجّروا خلال فترة الثورة إلى محافظة إدلب من كل المحافظات فضلاً عن سكان المحافظة)، والذين يرى فيهم الطرف الآخر أشخاصاً بلا خبرة إدارية، يديرون شؤون المؤسسات بطريقة ديكتاتورية، وفيها تهميش كبير لهم. كما يشتكي الموظفون القدامى من الفرق الكبير في الرواتب بينهم وبين الموظفين الجدد الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي وبقيم تصل إلى أكثر من 2000 دولار في بعض المواقع، فيما لا يزال سقف رواتبهم يراوح بين 100 و300 دولار في أحسن الحالات، هذا عدا احتمالية الاستغناء عنهم في أي لحظة.

أما الموظفون الجدد، فيرون في موظفي النظام السابق امتداداً لمنظومة فساد غير قابلة للتطوير ولا تمتلك أي إرادة للخروج من روتين وبيروقراطية الإجراءات التي كانت متّبعة والمصممة لممارسة كل أنواع الفساد الإداري، كما يرون أنه بعد تحرير البلاد من حقهم أن تكون لهم الأولوية في التوظيف وشغل المناصب الإدارية بعد الثمن الباهظ الذي دفعوه ثمناً لمعارضة النظام، ولحريتهم. ويبرر الموظفون الجدد رواتبهم العالية بأنّ قسماً كبيراً منها يذهب ثمناً لإيجارات البيوت وكلفة المعيشة الغالية في العاصمة بعد تركهم أماكن سكنهم الأصلية للالتحاق بتلك الوظائف، عدا كون تلك الوظائف لا تزال تُشغّل بعقود عمل مؤقتة لا تمنحهم أياً من حقوق الموظفين الحكوميين. كما يتهم كل طرف من الموظفين الحكومة بمحاباة الطرف الآخر، ووصل الصراع أوجه بتنظيم وقفات احتجاجية من طرفي الموظفين، كان آخرها يوم أمس السبت للموظفين الجدد في مدينة إدلب.

أما المظلومية الأخرى لموظفي الحكومة، فهي مظلومية الموظفين الذين فصلهم النظام المخلوع وصدر مرسوم رئاسي بعودتهم إلى عملهم، ولكن في الواقع أُعيد قسم منهم بعقود خارجية من دون دمجهم ضمن نظام العمل ومن دون استعادة أي من حقوقهم بصفتهم موظفين دائمين، بالإضافة إلى أنّ قسماً كبيراً منهم لا يزال ينتظر دراسات أمنية للموافقة على العودة إلى العمل، على الرغم من مرور ما يقارب عشرة أشهر على مرسوم الإعادة.

وما يزيد الطين بلة في موضوع مظلوميات الموظفين هي السياسة التي تتّبعها الحكومة في عمليات التوظيف التي تتم من دون اتّباع أدنى معايير الكفاءة، فهي تعتمد بالدرجة الأولى على الولاء، كما ظهرت مجموعة من المدراء في مؤسسات الدولة هي من إخوة وأقارب من الدرجة الأولى لموظفين كبار في الدولة من وزراء وشخصيات ضمن الكتلة الصلبة للسلطة، يتعاملون مع تلك المؤسسات باعتبارها ملكيات خاصة ويصدرون قرارات ليست من صلاحياتهم ويفرضون إجراءات تحتاج إلى قوانين.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى