
بينما كانت بيروت تحصي الغارات الإسرائيلية على مناطقها، التي كان سكانها على ثقة ببعدهم عن أحياء القصف المعتاد، كانت القيادات السياسية مشغولة بالنقاش حول صحة ما أعلن عن إدراج الإيرانيين لبنان قي قائمة شروط الهدنة التي سلمت للإدارة الأميركية. وفي هذه الأثناء كانت شبكات التواصل الاجتماعي تتداول مساهمة ساخرة مريرة من النقاش: “نظراً لعدم ثبوت رؤية هلال الهدنة، فإن يوم غد هو يوم قصف عادي”.
قد يكون لكلٍ تأويله لهذا التعبير الذي تعذر التحقق من صاحبه، لكن ما لا يخفيه كاتبه هو صدمته، مرارته، فجيعته من نقاش يدور في الثواني الفاصلة بين غارة وغارة، بين موت وموت، بين دمار ودمار في بيروت التي استعادت ذاكرة احتلالها، الذي كرره بعد شارون من نسب لنفسه تحريرها منه.
من القيادات من تلطى بالنقاش ليبرر تأجيل احتفاله بـِ “النصر التاريخي” على العدو الإسرائيلي، وليس للاعتذار عن عدم إطلاق مقذوف واحد من تلك التي استدعى بها حرب الإسناد الجديدة على لبنان، أو يواصل إطلاقها لمزيد من “الإسناد” لقيادته في الحرس الثوري. ولا شك أن القصف الإسرائيلي لبيروت قد أثار غضب المساندين، ليس فقط لحرمانهم من الاحتفال بالنصر في ساحات بيروت، بل لعدم تمكنهم من مشاركة الحرس الثوري احتفاله بالنصر “التاريخي” أيضاً. لكنهم تخطوا الأمر، وعلى غرار رسالة مجتبى خامنئي للإيرانيين بمناسبة “النصر”، وجه نعيم قاسم أمس الجمعة من مخبأه رسالة مكتوبة إلى أنصار حزب الله اعتبر فيه ضحايا القصف “عاملاً مساعداً للنصر”. ورأى أن إسرائيل لم تتمكن من احتلال الجنوب، واضطرت لتغيير أهدافها أكثر من مرة.
بالنسبة لقاسم: الموت نصر، والنزوح نصر، وموت الأطفال نصر، والعدم نصر. نصره يتحقق حتى لو بقي مقاتل واحد يطلق رصاصة أو قذيفة استفزاز إضافي لإسرائيل لتصعيد وحشية قصفها وتوسيع احتلالها. سيبقى قاسم يصر على تحقيق “نصره” حتى لو لم يبقَ لبناني واحد يقول لا لكارثة نصره والموت، ونعم للحياة في بيته وأرضه ووطنه.
قيادات الضفة الثانية من لبنان التي استبشرنا بوصولها، واعتبرنا أننا غادرنا أخيراً اتفاقية القاهرة المشؤومة، استنكرت، كما العادة، خرق إسرائيل للقانون والأعراف الدولية، وعبرت عن حزنها لسقوط الضحايا، وإلى آخر “معزوفة اللياقات وواجب المركز”. لكنها، وبعد طول انتظارنا وتشجيعنا، عثرت على هلال المفاوضات المباشرة، ولم تعترف بهلال الهدنة الذي عثر عليه الحرس الثوري مع الأميركيين.
مع ترحيبهم وابتهاجهم بخطوة المفاوضات المتأخرة التي يأملون أن تضع حداً لحروب إسرائيل والحرس الثوري وفصيله المحلي على لبنان، إلا أنهم يتساءلون: هل كان يجب أن ننتظر وحشية قصف إسرائيل لبيروت حتى يتم اتخاذ قرار المفاوضات المباشرة وحظر السلاح في بيروت؟ منذ مطلع العام المنصرم ونحن نرفع الصوت تأييداً وتشجيعاً ومطالبة باتخاذ هذه الخطوات، لكن بعض القيادات، وليس كلها، بقي مصراً على الحوار مع حملة السلاح ومفاوضتهم للتخلي عن سلاحهم. هل كان ينبغي أن نخذل كل الوساطات ومبادرات دعم لبنان وحث سلطاته على التوقف عن وهم التوافق مع حملة السلاح، والمبادرة إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل التي سبقنا الكل لمفاوضتها، حتى سوريا “قلب العروبة النابض”.
بعد 15 شهراً من الانتظار والجهد الضائع ومغادرة آخر وسيط مع مبادرته، استفاقت السلطة في مطلع حرب الإسناد الحالية، وطرحت مبادرة التفاوض المباشر مع إسرائيل. لكن رد نتنياهو كان مختصراً: ولماذا نفاوض سلطة ليس بيدها القرار، بل تتركه لمن يصادر قرارها ويبتز ضعفها ويهددها بسلاحه.
كان الانتظار كارثياً، مكلفاً، مهيناً ونحن نتسقط أخبار الرد على مبادرة التفاوض المباشر. ولم يرد نتنياهو إلا بعد أن قصف بيروت إنتقاماً من تردد بعض السلطة اللبنانية، ومن قرار هدنة ترمب التي جعلته الخاسر الوحيد في الحرب على إيران، حسب صحيفة الغارديان البريطانية في 8 الشهر الجاري.
خلال الشهر الذي مضى على الحرب على نظام الملالي في إيران، وعلى فصيله في لبنان، لم يتوفر الوقت ولا الرغبة لدى نتنياهو للرد على مبادرة التفاوض المباشر مع لبنان. وبعد أن خرج “الخاسر الوحيد” من الحرب، وجد المزيد من الوقت والرغبة ليتعجل التفاوض مع لبنان.
موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 9 الجاري نصاً بعنوان “نتنياهو: المفاوضات المباشرة مع لبنان في أقصر وقت ممكن”.
قدم الموقع للنص ما يبدو تفسيراً لسبب استعجال نتنياهو التفاوض مع لبنان في أقرب فرصة، فأشار إلى أن الضغط الدولي يتزايد على إسرائيل في أعقاب الضربات الكثيفة التي استهدفت أهداف حزب الله في مناطق مختلفة من لبنان. ويوجه القادة الأوروبيون النقد لإسرائيل بسبب احتمال أن تعطل ضرباتها لحزب الله عملية التفاوض بشأن المشكلة الإيرانية.
نقل الموقع عن نتنياهو تأكيده الخميس في 9 الجاري على أن المفاوضات مع لبنان ستتركز على نزع سلاح حزب الله وتسوية العلاقات بين البلدين. وعبر عن ترحيبه بقرار رئيس الوزراء نشر قوات في بيروت وحظر السلاح فيها.
كما نقل الموقع عن مصدر إسرائيلي إشارته إلى أن المفاوضات يمكن أن تبدأ في الأيام القريبة المقبلة، و”ستجري على خلفية العمليات العسكرية المتواصلة”.
يعود الموقع إلى نتنياهو لينقل عنه تأكيده بأن القرار جاء استجابةً لطلبات متكررة من لبنان لفتح قناة تفاوض مباشرة مع إسرائيل. وأضاف بأن لبنان طرح فكرة إجراء مثل هذه المفاوضات قبل شهر من الآن، وبدأ بتشكيل الوفد المحتمل للتفاوض. وقد تبنى هذه المبادرة الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي أفادت التقارير بأنه كان “مستعداً للمضي قدماً والسعي إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل”. لكن إسرائيل لم ترد رسمياً حتى الآن على هذه الاقتراحات. وفسر اللبنانيون تأخر الرد الإسرائيلي بأن المبادرة لم تحظَ إلا باهتمام محدود من جانب المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين، وأن فشل بيروت في احتواء حزب الله ومنع المزيد من الهجمات على إسرائيل قد قوّض الثقة في القيادة اللبنانية.
نقل الموقع عن مسؤول لبناني قوله لوكالة رويترز بأنه عندما حاولت بيروت التواصل مع واشنطن الشهر الماضي بشأن اقتراح للتفاوض مع إسرائيل، أوضحت واشنطن أن فرصة التفاوض قد فات أوانها.
يوضح الموقع أن تصريح نتنياهو يأتي وسط ضغوط دولية متزايدة على إسرائيل لوقف هجماتها على لبنان. ويعود ذلك إلى ارتفاع عدد القتلى والدمار في لبنان، فضلاً عن تهديدات إيران بوقف المفاوضات مع الولايات المتحدة في إسلام آباد ما لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.
ويشير الموقع إلى أن رويترز تقول أن الرئيس دونالد ترامب طلب من نتنياهو في مكالمة هاتفية تقليص الضربات على لبنان للمساعدة في دفع المفاوضات مع إيران. ووفق مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية، أنه بينما تتفق واشنطن وتل أبيب على أن لبنان غير مشمول بوقف إطلاق النار الحالي، وافقت إسرائيل على أن تكون “شريكاً مفيداً”. وجاء هذا الحوار بعد أن أعلن نتنياهو علناً نيته مواصلة شنّ ضربات مكثفة على لبنان.
المصدر: المدن






