
سُئلتُ عن رأيي في وكلاء إيران، وعلى رأسهم حزب الله، وماذا ستفعل إيران (التي تُطلق على نفسها اسم الجمهورية الإسلامية الثالثة في وسائل إعلامها الرسمية)؟ هل ستقوم باستبدال (إقرأ: التخلص من) هذا الأصل مقابل أكوام الذهب التي وعدها بها الأميركيون؟
إن تسليم جميع وكلاء إيران هو بلا شك حلم يراود الكثيرين، بمن فيهم بنيامين نتنياهو وإسرائيل، والإصلاحيون الإيرانيون الذين سئموا من تحويل مليارات الدولارات، التي كان من الممكن إنفاقها على تنمية البلاد، عبر الحرس الثوري إلى خلايا عسكرية لا حصر لها في لبنان والعراق وأفريقيا واليمن وسواها. وكان زرع حزب الله في لبنان وتعزيزه، هو ما أدى إلى الفظائع التي يشهدها اللبنانيون اليوم في بيروت والجنوب.
الجيش الإسرائيلي عالي التطور تكنولوجياً، ألقى بكل ثقله على لبنان بسبب حزب الله. وقد دخلت إسرائيل الأرض اللبنانية لتعقبه. وهي تعيث قتلاً بكل ما هو حي، وتحاول الإستيلاء على جنوب البلاد كاحتلال مؤقت في البداية وإقامة منطقة منزوعة السلاح، وهو ما قد يتحول إلى احتلال دائم فيما بعد.
شمال إسرائيل يعيش في الملاجئ تحت القصف المتواصل وأصوات صافرات الإنذار. ويريد نتنياهو معالجة هذه المشكلة بأي ثمن، وإقامة منطقة أمنية عازلة. لإسرائيل مصالحها الخاصة، ولإيران مصالحها الخاصة، ولبنان هو الذي يعاني.
بالعودة إلى السؤال الذي بدأت به هذه المقالة: هل إيران، حتى التي أضعفتها الحرب، مستعدة للتخلي عن رصيدها من الوكلاء؟
كلا. ترامب يؤكد أن النظام في إيران قد تغير، وهو محق بمعنى ما. بعد اغتيال خامنئي البالغ من العمر 86 عامًا، الذي كان يوازن على حبل مشدود بين جميع الفصائل ويحافظ على “الصبر الاستراتيجي” لسنوات عديدة، وصل جيل ثانٍ من “الثوار” إلى السلطة، ليس آيات الله، بل الحرس الثوري. والحرب تساعد فيلق الحرس على الاحتفاظ بالسلطة وتوطيدها. وطالما بقيت السلطة بيد العسكر، سيتم الحفاظ على أهم الأصول من الوكلاء وحمايتها بأي ثمن.
لقد أدرج الإيرانيون البند المتعلق بلبنان في “خطة السلام” التي تم تسليمها عبر الباكستانيين لترامب ووافق عليها. أي أن هدنة الأسبوعين بين إيران والولايات المتحدة قد تضمنت وقف إطلاق نار إلزامي في لبنان، وترامب وافق عليه.
تم نشر الخطة على الحساب الرسمي على منصة X لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وأعيد نشرها على الفور في صحيفة نيويورك تايمز ليلة 8-9 نيسان/ أبريل (مساء يوم 8 في الولايات المتحدة).
أثارت هذه الخطة، التي استُبعدت منها إسرائيل ونتنياهو شخصياً، غضباً شديداً لدى الأخير عندما علم بوقف إطلاق النار وشروطه من صحيفة نيويورك تايمز وحساب ترامب على منصته الخاصة، تروث سوشيال.
إن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، الذي كان يمهد بالتحول إلى سلام وتعاون تجاري، يمثل كابوساً لنتنياهو، الذي بنى مسيرته السياسية بأكملها على هدف تدمير إيران كدولة. وكان قريباً جداً من تحقيق ذلك لدرجة أن بعض القنوات التلفزيونية الإسرائيلية أطلقت في 8 نيسان/ أبريل بثاً مباشراً مع ساعة رصد توقيت انتهاء إنذار ترامب، الذي في حال غياب صفقة، هدد بتدمير الحضارة الإيرانية القديمة بأكملها، كما كتب على حسابه. وأقلعت من القواعد البريطانية عدة قاذفات من طراز B – 52 التي تحمل رؤوساً نووية. هذا ما كان ينتظره نتنياهو، وليس صفقة قبل ساعة ونصف الساعة من محو إيران المحتمل عن وجه الأرض.
لذلك، في الثامن من نيسان/ أبريل، انقضت إسرائيل بكل غضبها وقوتها العسكرية على لبنان، الذي لا يمتلك ترسانة صواريخ وجيشًا مماثلًا لجيش إيران.
في لبنان يقيم حزب الله، أثمن أصول إيران. وبذريعة تدميره، تطايرت القنابل على منازل ومبانٍ متعددة الطبقات وأحياء سكنية في أنحاء لبنان. مئة هدف، أي مئة قنبلة في عشر دقائق. رعب توراتي حقيقي، رعب كارثي الأبعاد.
ضغط نتنياهو على ترامب كان هائلاً لدرجة أن نائب الرئيس فانس (الذي تتم المفاوضات مع الإيرانيين عبره من خلال الباكستانيين) قد اضطر وعلى درج الطائرة مباشرة في بودابست، التي وصلها لدعم أوربان عشية الانتخابات، اضطر للتبرير بالقول بوجود سوء فهم، إذ لم يعد أحد إيران بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. “يا جماعة، دعونا لا ندع استفزازات بيبي تفسد الصفقة بأكملها الآن (لم يُقل هذا بشكل مباشر، ولكنه قريب في المعنى)”.
لكن سرعان ما تم العثور على شهود، كيف قام رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بالتدقيق ببنود خطة السلام مع ترامب قبل نشرها، وكيف أجرى ترامب تعديلات عليها بخط يده، وأضاف عبارة “حضرة السيد الرئيس” إلى اسمه. كما أنه اطلع بوضوح على البند المتعلق بلبنان، وأبقاه، ووافق عليه.
مساء الخميس، قال الإيرانيون، الذين صُدموا من شدة وحجم قصف لبنان، إنهم سيسافرون إلى إسلام أباد في نهاية هذا الأسبوع للقاء فانس وكوشنر إذا أوقف نتنياهو المذبحة في لبنان. وكأنهم يقولون: لماذا نوقع صفقة ونفتح مضيق هرمز مع رئيس أمريكا العظيمة، الذي لا يستطيع كبح جماح دولة بحجم طهران؟
فجأةً، التفت العالم بأسره نحو ترامب وبيبي. صديقان، شريكان في الحرب، يجدان نفسيهما الآن في نقطة تاريخية قد يتحولان فيها إلى عدوين.
من الأقوى؟ من سيتغلب؟ إذا كان ترامب عاجزاً حتى عن التعامل مع شريكه الاستراتيجي ورفيقه، فماذا يمكننا أن نقول عن قدرته على هزيمة أعدائه؟ ترامب يدرك ذلك جيداً، تماماً كما نتنياهو، الذي قد يعني انسحابه من هذه الحرب موته السياسي: فقد فشل في كسر شوكة إيران، وخضع بصمت لترامب، وفشل في تحقيق أهدافه. حزب الله ما زال موجوداً، وبعد عامين ونصف عام من حربٍ ضارية، لا يزال يُرهب شمال إسرائيل. تظهر لديه صواريخ جديدة من مكانٍ ما، وإيران لا تستسلم، وستقاتل حتى الموت من أجل حزب الله نفسه.
إنها مستعدة لخسارة صفقة كبيرة مع الأميركيين، لإنهاء الحرب، فقط بسبب نقطة واحدة في معاهدة سلام، لا تتعلق حتى بها، بل بلبنان. والأمر عينه سنشهده في العراق واليمن. فمهما بلغت تكلفة الدفاع عنهم والمحافظة عليهم، ستدافع الجمهورية الإسلامية الثالثة عنهم حتى الموت. فهم يحلون العديد من المشاكل الاستراتيجية التي تهدد بقاءها، ولن تتخلى عنهم.
الحوثيون ليسوا مجرد أداة للضغط على السعودية، بل هم المفتاح الذهبي لمضيق آخر: باب المندب، والذي يمكن استخدامه قريباً إذا استمرت الحرب (وهي ستستمر بشكل أو بآخر).
العراق، ولأسبابٍ كثيرة يصعب حصرها في فقرة واحدة، يُعدّ بالغ الأهمية بالنسبة لإيران، بحيث لا تسمح لإسرائيل أو الولايات المتحدة أو أيَّة جهة أخرى بتدمير الحشد الشعبي وكتائب حزب الله وغيرهما من الجهات الموالية لإيران (بالمناسبة، أتساءل إن كان المالكي الموالي لإيران سيصبح رئيساً للوزراء في بغداد).
خلاصة القول: سييبقى لبنان يعاني ما دام بقي نتنياهو قوياً وحافظت إيران على نفوذها. ولن يسقط وكلاء إيران إلا إذا انهارت الجمهورية الإسلامية الثالثة كلياً،عسكرياً وسياسياً، وهو أمر بعيد كل البعد عما يحدث حالياً.
المصدر: المدن





