
تأتي زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق ولقاؤه في قمة تاريخية مع الرئيس السوري أحمد الشرع، في خضم تحول جيواستراتيجي عميق في السياسة الخارجية الأوكرانية، والفهم الأوكراني المتجدد لأهمية المنطقة العربية والشرق الأوسط، وعلاقاتها فيما يخص وزنها الجيواستراتيجي في العالم. إذ يتزامن اللقاء مع تغيرات جيوعسكرية وأمنية وسياسية كبرى في الوطن العربي والمنطقة الغنية بالثروات والطاقة، اللتين تحتاج إليهما القوات الأوكرانية في معاركها الحالية.
إن التعاون السوري الأوكراني في مجال الطاقة سيسهم في توسيع آفاق إعادة الإعمار في قطاعات الطاقة والسدود والنفط والغاز، بالاستفادة من الخبرات الأوكرانية العريقة في هذا المجال، لوضع اللبنة الأساسية لانطلاق العجلة التقنية السورية، لتنتقل إلى صدارة الفعالية في الدبلوماسية والسياسة الخارجية الرائدة. كما يأتي هذا التعاون مؤشراً لتحولات جيواستراتيجية مفصلية تعيد صياغة توازنات القوى في منطقة الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط، بالتوازي مع الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، والتوغل العسكري الإسرائيلي في جنوبي لبنان، وحضور تركي وازن متمثلاً بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وأثر ذلك على صياغة مستقبل علاقات المحور الثلاثي السوري التركي الأوكراني، الذي وُلد بعد الجولة الخليجية التي قام بها الرئيس زيلينسكي، واتصاله مع الرئيس المصري، ولقائه الرئيس التركي أردوغان.
إن تصدير القمح عن طريق الموانئ السورية يُعد ضربة رمزية وعملية للنفوذ الروسي السابق في سوريا، بما يعيد ترسيخ السيادة الوطنية السورية على مرافقها الحيوية.
لا شك في أن هذه الزيارة، كخطوة أولى من نوعها، تؤسس لشراكة موثوقة في ملفات مشتركة تبدأ من التعاون الاستخباري ولا تنتهي عند الأمن الغذائي، بل تمتد إلى أبعد من ذلك في التبادل التجاري. حيث تبرز فكرة تحويل الموانئ السورية (التي كانت تحت سيطرة روسيا) إلى مراكز لوجستية في شرق المتوسط لتخزين وإعادة تصدير الحبوب الأوكرانية، لتصبح أوكرانيا شريكاً استراتيجياً في الغذاء كمصدّر للحبوب بكل أشكالها، وخاصة مع سوريا التي لا تزال تعاني من عدم استقرار في الأمن الغذائي. كما أن قرب الموانئ الأوكرانية من الموانئ السورية سيجعل أوكرانيا شريكاً أساسياً لسوريا لمعالجة انعدام الأمن الغذائي، وتفعيل الدور الأوكراني المحوري في ضمانه.
إن تصدير القمح عن طريق الموانئ السورية يُعد ضربة رمزية وعملية للنفوذ الروسي السابق في سوريا، بما يعيد ترسيخ السيادة الوطنية السورية على مرافقها الحيوية، ويُوسّع آفاق التعاون العسكري والتقني، لا سيما في مجال تكنولوجيا الطائرات المسيّرة الدفاعية والهجومية والاعتراضية، والاستفادة القصوى من الخبرة الأوكرانية الميدانية المتراكمة في التصدي للتهديدات الجوية وبناء منظومات الأمن السيبراني المتطورة.
ويمثل هذا التعاون ركيزة أساسية في مسار استعادة السيادة الوطنية السورية الكاملة، خاصة مع الإعلان عن تحويل القواعد والمواقع التي كانت تخضع للسيطرة الروسية إلى مراكز تدريب وطنية تحت إدارة الدولة السورية، وبمشاركة مشرفين ومدربين من أوكرانيا وتركيا لإعادة تأهيل القوات العسكرية والأمنية السورية وفق أحدث المعايير التقنية، بما يضمن فرض السيادة للدولة السورية الحديثة النشأة على كامل التراب الوطني، تنفيذاً لمقررات اتفاقيات يناير 2026 التي تم توقيعها آنفاً. وهو ما يعكس تحول أوكرانيا من طرف يتلقى الدعم إلى دولة مصدّرة للحلول الأمنية والتقنية الفعالة.
إضافة إلى ذلك، يمكن للخبراء الأوكرانيين، الاقتصاديين والعسكريين والإداريين، أن يلعبوا دوراً محورياً في إعمار سوريا، بما يمتلكونه من خبرة تكنولوجية حديثة في إدارة المنشآت الكهرومائية والطاقة، وإعادة صيانة العنفات على سدي الفرات وتشرين، مما يجعل هذه الشراكة مدخلاً استراتيجياً لتمكين المؤسسات السورية من استعادة زمام المبادرة في الملفات الأمنية والاقتصادية على حد سواء.
وبالتالي، يمكن لسوريا الاستفادة من الخبرة والتمويل الأوكرانيين، بما يعيد تموضعها في الميزان الجيوسياسي والجيواستراتيجي والجيوبوليتيكي المتميز، بالتعاون مع تركيا. وهذا سيجعل من سوريا محطة قوية ورائدة في المنطقة في مجال الأمن التكنولوجي والأمن السيبراني، في ظل خبرات أوكرانية واسعة في التصدي للهجمات الإلكترونية، وبناء الأنظمة والبرمجيات الحكومية التي تسهم في تسهيل حياة المواطنين، بالتعاون مع الجانب التركي.
إن الأهمية الدبلوماسية لقرار إعادة فتح السفارات بين كييف ودمشق تمثل تتويجاً لعودة العلاقات الرسمية، وتسهيلاً لشؤون الجالية السورية الكبيرة في أوكرانيا، مما يمهد الطريق لتعاون اقتصادي وثقافي مستدام ينهي حقبة التجاذبات الدولية السابقة ويفتح آفاقاً جديدة للسيادة والتنمية المشتركة.
كما يُعد تتويج هذه التفاهمات بإعادة فتح قنوات الدبلوماسية بين كييف ودمشق خطوة مهمة لخدمة المصالح المشتركة والجالية السورية الكبيرة في أوكرانيا، بعد أن كان نظام الأسد المخلوع قد أيد الغزو الروسي لأوكرانيا، وأغلق السفارة السورية في كييف، وطُرد السفير السوري التابع للنظام السابق. وتبرز أهمية إعادة العلاقات الدبلوماسية في خدمة أكبر جالية عربية سورية تُقدّر بنحو مئة ألف سوري في أوكرانيا، إضافة إلى الجالية الأوكرانية في سوريا، بما يسهم في تسهيل العلاقات بين البلدين.
من الناحية السياسية والاستراتيجية بالنسبة لأوكرانيا، هو السعي لإخراج روسيا من المنطقة وإنهاء النفوذ الإيراني وامتداداته في سوريا، حيث يُعد هذا النفوذ عائقاً كبيراً أمام تطور العلاقات السورية الأوكرانية في المرحلة المقبلة.
وفي ظل هذا التحول الجيواستراتيجي المتسارع والدور الأوكراني المتصاعد في المنطقة، فإن نجاح سوريا في استعادة سيادتها على الموانئ والقواعد العسكرية وتكنولوجيا المسيّرات المتطورة يهدف إلى نقل التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة الدفاعية والهجومية، ومنظومات الأمن السيبراني، وبطاريات وأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات الاعتراضية القادرة على التصدي للأهداف الجوية وتدميرها قبل وصولها إلى المنشآت الحيوية.
ويسهم ذلك في إنهاء حقبة النفوذ الأجنبي التقليدي، وبناء قطب إقليمي جديد قائم على السيادة التكنولوجية والأمن السيبراني والعسكري والزراعي والصناعي والغذائي، في مختلف المجالات الوطنية الحيوية التي تشكل أساسيات الدفاع الوطني وإدارة الأزمات والبنية التحتية وسلاسل الإمداد.
كما تأتي الزيارة في سياق إعادة تصويب التفاهمات والتوجهات الرئيسية للمستقبل المشترك بين الدول. والأهم، من الناحية السياسية والاستراتيجية بالنسبة لأوكرانيا، هو السعي لإخراج روسيا من المنطقة وإنهاء النفوذ الإيراني وامتداداته في سوريا، حيث يُعد هذا النفوذ عائقاً كبيراً أمام تطور العلاقات السورية الأوكرانية في المرحلة المقبلة.
وفي ظل هذا التحول الجيواستراتيجي المتسارع والدور الأوكراني التركي المتصاعد، تطفو على السطح مؤشرات هذه القمة الثلاثية التي تناولت رسم خريطة طريق جديدة لاستعادة سوريا زمام المبادرة الكاملة على المرافق الحيوية والموانئ والقواعد العسكرية التي كانت خاضعة للنفوذ الروسي، وتحويلها إلى مراكز تدريب وطنية ومنصات لوجستية عالمية.
المصدر: تلفزيون سوريا






