من الانتظار إلى الاستدانة.. كيف يؤثر تأخير الرّواتب على حياة المواطنين السوريين؟

بارعة جمعة

في ظلّ التحديات الاقتصادية العميقة التي تمر بها سوريا، أصبح تأخر صرف الرواتب والأجور ظاهرة تؤثر بشكل ملموس على حياة المواطن السوري، ليزيد من وطأة الأعباء اليومية التي يواجهها.

ومع نهاية كل شهر، يتحوّل انتظار الرّاتب إلى حالة من القلق المستمر، حيث يتساءل الموظف إن كان سيحصل على أجره في الوقت المحدد أم سيضطر لمواجهة تأخير قد يمتد لأيام أو حتى أسابيع.

هذا التأخير لا يقتصر على موظفي القطاع العام، بل يعاني منه أيضاً العاملون في القطاع الخاص، ما يضطرهم إلى تقليص احتياجاتهم الأساسية بشكل مستمر، كما تحوّلت هذه الأزمة إلى مسألة تتجاوز البُعد المالي، لتؤثر على الاستقرار الاجتماعي والنفسي للأسر السورية التي تجد نفسها مضطرة للتكيّف مع واقع اقتصادي لا يوفّر الحد الأدنى من الأمان المالي.

ويُرجع الخبراء في الشأن الاقتصادي مسألة تأخر صرف الرواتب في سوريا الى ضغوط السّيولة النقدية على الخزينة العامة، إذ تُدفع الرواتب نقداً وتتطلب كميات ضخمة من العملة الورقية شهرياً، مع احتمالية تأثير المرحلة الانتقالية للإدارة المالية، التي تشمل تغييرات تقنية أو تنظيمية مثل: الانتقال نحو الدفع الإلكتروني وإعادة هيكلة قنوات الصّرف عبر المصارف.

نستعرض ضمن هذا التقرير قصص معاناة المواطنين من جرّاء هذه الأزمة، كما نُسلّط الضوء على الآثار الاجتماعية والنفسية العميقة التي عكسها تأخر صرف الرواتب على المستوى الفردي والعائلي، في ظل غياب الحلول الفعّالة والآليات المُستدامة التي تضمن استقرار دخل المواطن السوري.

مُعاناة شهريّة وغياب الأمل في الاستقرار المالي

تتنقل أمينة الحموي كل يوم بين مكتبها في إحدى الدوائر الحكومية وبيتها، بدأت معاناة جديدة في شكل تأخير متكرر في صرف راتبها.

تقول أمينة التي أصبحت تتعامل مع تأخير رواتبها بشكل روتيني: “يتحول آخر الشهر إلى لحظة انتظار جديدة، عندما لا أتلقى راتبي في الوقت المحدد، لا أستطيع تدبير شؤون أسرتي، وأضطر إلى تأجيل دفع الإيجار والفواتير الأساسية، حتى الطعام أحياناً يصبح رفاهية غير مُمكنة”.

هذه الحالة ليست استثنائية، بل هي قصّة العديد من موظفي القطاع العام في سوريا الذين يعانون من تأخر الرواتب.

تتشارك أمينة وعلي المحمد وهو موظف في القطاع الخاص المعاناة نفسها، يوضح علي المشهد أكثر قائلاً: “ننتظر في بعض الأحيان لشهور طويلة قبل أن نحصل على رواتبنا، وفي لحظة تقاضي الدفع، فإن المبلغ لا يكفي لتغطية احتياجاتنا الأساسية”.

أما حسن مروة، وهو موظف حكومي سابق، فقد اتخذ قراراً بالاستقالة بعد سنوات من المعاناة، شارحاً ذلك بقوله: “قررت ترك الوظيفة العامة بعد أن شعرت أن هذا الوضع لا يُطاق، تأخير الرواتب كان يضعني في موقف غير إنساني، اليوم، أبحث عن فرصة عمل في قطاع العمل الحر رغم الظروف الصعبة”.

هموم يوميّة وأمل مشروط بين الموظفين والمواطنين

مع نهاية كل شهر، يتفقد سامي موسى وهو موظف حكومي تطبيق “شام كاش”، في خطوة منه لإيقاظ الأمل برؤية إشعار صرف راتبه ضمن قائمة “التحويلات”، سلوك شهري يتبعه سامي مع أخذ الاحتياطات اللازمة لعدم تأخر وصول راتبه لأي سبب كان تقني أم إداري.

يقول موسى في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: بمجرد الوصول لختام شهر وبداية شهر جديد، ينتابني شعور بعدم الاستقرار والخوف من تأخير الراتب واللجوء للاستدانة التي تعد سلوكاً شهرياً لدى غالبية الموظفين، لكن السؤال اليوم الذي يطرح نفسه، من هو القادر على تقديم مبلغ إضافي وهل من أحد قادر على إعانة غيره؟.

يبدو سؤال موسى الأكثر تداولاً بين الأوساط الشعبية، التي بات لسان حالها يقول: “من وين بدنا نجيب مصاري لنكفي لآخر الشهر.. كلنا بالهوى سوى.. الحال من بعضه”.

هذه الأفكار لم تغب عن ذهن الموظفة في القطاع الخاص منى العبدالله من دمشق، التي شرحت في حديثها معنا تقاسم القطاعين الخاص والعام الأزمة المشتركة في تأخر صرف الرواتب والأجور، مضيفة: “صار بدي 3 رواتب لأوفي ديوني المتراكمة عند البقالية، مع تأجيل قسم من الديون النقدية التي تعد مؤجلة لدى أصحابها.

في نهاية الشهر، يتقاسم الموظف والبقّال قيمة الرواتب، لا لشيء فقط بحكم تأجيل النظر بها لحين قدوم موعد صرف الرواتب والأجور في الجهات العامة والخاصّة.

تأخير صرف الأجور يُقلّص الحاجات الأساسيّة للعائلة

تعيش رشا مع أسرتها الصغيرة في منزل دمشقي متواضع، أصبح تأخر الراتب الهمّ الأول في حياتهم، في كل مرة تنتظر فيها الراتب، تبدأ بتقليص قائمة احتياجاتها الأساسية، أول شيء تؤجله هو شراء الطعام الفاخر، ثم تتبعه بديون البقالية، في النهاية، تكتفي رشا بالخبز والحبوب، وتتمنى أن يأتي الراتب في الوقت المحدد حتى نتمكن من دفع الإيجار.

رشا، الموظفة في القطاع الحكومي، تشرح في حديثها لموقع تلفزيون سوريا الوضع الذي أصبح روتينياً في حياتها فتقول: لم يعد لدي رفاهية اختيار نوع الطعام الذي سأشتريه أو أين سأذهب، أصبح كل شيء يعتمد على الراتب الذي يأتينا متأخراً، في كثير من الأحيان، لا يكفي راتبنا لتلبية احتياجاتنا الأساسية، وعندما نتأخر في الدفع، نضطر إلى الاستدانة.

في حي آخر، تروي رنا الكرم، وهي موظفة في القطاع الخاص الواقع ذاته فتقول: في كل شهر ينتابني القلق، فإذا تأخر الراتب، تبدأ أسرتي في بتخفيف الاحتياجات الأساسية، فلا أستطيع شراء الطعام لأطفالي كما أريد، وأشعر دائماً أنني مضطرة للتعامل مع أقل مما أحتاج، أضطر أحياناً للعودة إلى شراء الأطعمة الرخيصة، حتى لو كانت لا تحتوي على ما يحتاجه جسدنا من عناصر غذائية.

تتشارك هذه الشخصيات وقسم كبير من الموظفين الهمّ اليومي ذاته، وهو التخلي عن الحاجات الأساسية بسبب تأخر صرف الرواتب والأجور، الذي يشكل عبئاً إضافياً، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل يضغط أيضاً على الحياة الاجتماعية والعائلية، حيث تضطر الأسر إلى تعديل أولوياتها والعيش ضمن إمكانات محدودة.

وفي نهاية الحديث، تقول رنا: “أصبحنا لا نعلم ما إذا كان هناك أمل في أن تتحسن الأمور، ولكننا نأمل أن يأتي يوم نتمكن فيه من تأمين احتياجاتنا الأساسية دون القلق من تأخر الراتب”.

وزير المالية السوري يكشف الأسباب ويعد بحلول جذريّة

“الكثير من الشكاوى والاستياء الذي يصلنا من الأخوة والأخوات العاملين في الدولة لتأخر صرف رواتبهم، وهم محقين”، بهذه العبارة أكد وزير المالية السوري محمد يسر برنيّة في أحدث تصريح له، أن وزارة المالية تدرك تماماً معاناة العاملين في القطاع العام بسبب تأخر صرف رواتبهم، وأنها تتفهم الاستياء الواسع من هذه المشكلة.

وأوضح برنيّة أن الوزارة لا تتحكم في مواعيد صرف الرواتب بشكل مباشر، بل تنفذ الصرف بناءً على الجداول التي تُرسل من قبل الجهات والهيئات العامة. وكشف الوزير أن التأخير يعود في الغالب إلى تباطؤ بعض الجهات في رفع جداول أسماء العاملين.

وأشار برنية إلى أن الوزارة أصدرت مؤخراً تعميماً يلزم جميع الجهات بتسريع عملية رفع قوائم رواتب شهر نيسان، بهدف صرف الرواتب في الموعد المحدد، وأن الوزارة لن تتردد في كشف أسماء الجهات المتأخرة في هذا الشأن.

وأضاف: “هناك تحديات تقنية ومصرفية أخرى خارجة عن إرادة الوزارة، والتي تتطلب حلولًا جذرية ومستدامة”.

كما أكد وزير المالية عزمه على معالجة هذه المشكلات بشكل نهائي لضمان انتظام صرف الرواتب في مواعيد ثابتة، بالإضافة إلى توحيد جميع الرواتب ضمن النظام المالي والمصرفي، وأشار إلى تقديم خدمات خاصة لكبار السن من المتقاعدين، مؤكداً أن هذا الملف يمثل مصدر قلق كبير له، وأنه سيتم العمل على حل هذه المشاكل رغم الحاجة لبعض الوقت.

إصلاحات ضرورية لاستعادة الثقة

أكد استشاري التدريب عبد الرحمن تيشوري في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الرواتب في سوريا مُنخفضة جداً مقارنة بدول الجوار، وأن 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر العالمي، موضحاً أن التفاوت الكبير في توزيع الدخل يؤثر سلباً على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وأشار تيشوري إلى أن تحسين الرواتب والأجور يعد خطوة أساسية لتقليل الفقر وضمان استقرار الموظفين في القطاع العام، مشدداً على أهمية صرف الرواتب في وقتها وبانتظام.

وأوضح استشاري التدريب أن تأخر الرواتب في بعض المؤسسات والذي يصل إلى عدّة أشهر، يؤثر على سمعة المؤسسات من جهة ويزيد من أزمة الثّقة بين المواطن والحكومة من جهة أخرى، لافتاً إلى إصدار وزارة المالية تعميماً بضرورة انتظام مسألة صرف الرواتب والأجور، مع استمرار الأزمة رغم محاولات وزارة المالية من خلال أنظمة مثل “شام كاش” تسهيل عمليات الدفع الإلكترونية.

وفي إشارة منه لتأثير هذه الأزمة على الموارد البشرية في الجهات العامة والخاصة وعلاج ظاهرة الهروب من الوظيفة العامة “الاستقالات”، اقترح تيشوري ضرورة تطوير مشاريع جديدة لزيادة فرص العمل ودعم الدخل الوطني، بالإضافة إلى محاربة الفساد بكل أشكاله وأنواعه، وأكد أن تحسين الأجور لا يعد مطلباً اجتماعياً فقط، بل هي ضرورة أمنية وسياسية واقتصادية، مع ضرورة إغلاق ملف الرواتب والأجور لضمان حياة كريمة لجميع العاملين وبكافة القطاعات.

تأخّر صرف الرّواتب في سوريا.. ضغوط نقديّة أم تحديثات إداريّة؟

أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن المرحلة الحالية في سوريا تشهد أزمة اقتصادية كبيرة، حيث أن سياسة حبس السّيولة تُعدّ المشكلة الرئيسية التي تواجه الاقتصاد السوري، مما يؤدي إلى ضعف القطاع المالي في البلاد.

ويردف: “هذه السياسة تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصّرف، إلا أن التحديات الإقليمية والدولية تلقي بظلالها على هذا الجهد، خاصة مع ارتفاع سعر الدولار العالمي بسبب زيادة أسعار النفط ورفع معدلات الفائدة من قبل البنك الفدرالي الأميركي”.

الخبير الجاموس أشار إلى أن هناك تأثيرات واضحة على استقرار الليرة السورية أمام الدولار، حيث تأثرت بشكل كبير نتيجة للتحديات الداخلية والخارجية، المُتمثلة بنقص الثقة في عملية تبديل العملة السورية الجديدة التي لم تُسجل نجاحاً يُذكر، مما دفع العديد من المواطنين إلى التحوّل نحو “الدولرة” كملاذ آمن للحفاظ على قيم أموالهم.

وأضاف الجاموس: “زيادة الرواتب الأخيرة لم ترافقها زيادة في الإنتاج المحلي، مما أدى إلى فائض في السّيولة لا يوجد ما يمتصّه من قطاعات الإنتاج المختلفة مثل الصناعة والزراعة والسياحة”.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن ضعف برنامج “شام كاش” الخاص بصرف الرواتب، وكذلك المشكلات التقنية في التطبيق، يزيد من تعقيد الوضع ويؤثر على قدرة الحكومة في تسديد الرواتب في الوقت المحدد، عازياً أمر التأخير إلى نقص السيولة العامة بسبب ضعف الإيرادات التي تغذي خزينة الدولة، وهو ما يفاقم الوضع المالي.

وفيما يتعلق بالإيرادات الحكومية، أشار الجاموس إلى العجز الكبير في تحقيق الإيرادات، مما يجعل من الصعب تمويل الرواتب وأجور الموظفين البالغ عددهم حوالي 1.8 مليون موظف، بما فيهم المتقاعدون، ولفت إلى أن نقص الإيرادات يعود إلى غياب السياسات الفعالة لزيادة الإنتاج المحلي، مشدداً على أن دور المجتمع الدولي بما فيها صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة يقتصر فقط على الاستشارات والإدارة ولا يمكن الاعتماد عليه كمصدر تمويل فعّال لإنعاش الاقتصاد السوري.

وتُمثّل قصص الموظفين جزءاً من الواقع المؤلم الذي يعيشه المواطن السوري بسبب تأخر صرف الرواتب، فظاهرة التأخير المتكررة في دفع الرواتب ليست مجرد مشكلة مالية، بل أزمة اجتماعية كبيرة، لها أثر على الاستقرار العائلي وتفاقم الضغوط الاقتصادية وتزيد من مشاعر الإحباط والقلق لدى المواطنين، مما يؤدي إلى تآكل الثقة بين الشعب والدولة.

المصدر: تلفزيون سوريا

تعليق واحد

  1. تأخر رواتب الموظفين والمتقاعدين في سورية ، يضع المواطن أمام تحديات كبيرة ، أما الإستدانة أو الإنتظار للفرج ، وزيادة الرواتب للمتقاعدين بعد الزيادة الأخيرة للموظفين ، تزيد وضع المواطن المعيشية سوءً ، الى متى ؟؟.

اترك رداً على khatib yehya إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى