
فتحت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين ولندن واحدة من أوجه “الصراع” التي بدت ملامحها بالأمس في دمشق، و”فجرت” باب الأسئلة والاشتباك الصحفي-“التوكترجي” وصولاً إلى الشارع القابل للاستقطاب، حول بنية وخيارات وتوجهات إدارة الملف الإعلامي السوري عموماً.
الفريق التقني والسياسي المعني بدعوات السوريين للقاء الرئيس، لم تسعفه المبررات الدارجة في دمشق: “من أنتم؟ ثوار الفنادق والخنادق؟ مجاهدون وفلول؟ مكوعون؟”. عبارات لا تأكل ولا تنطبق على واقع السوريين في برلين، لاختلاف الظروف أولاً، وغياب مؤثري دمشق ثانياً، وبروز صحفيين على الساحة الألمانية ومؤسساتها، وتشابه الجميع بالثورة ويومياتها في بلاد المهجر.
لماذا تكرار الاحتفاء بالمؤثرين؟
أهمية السؤال ما يقاس عليه غالباً، وأنه “باغت” الشارع وأحرج الفريق المعني، وبدت تبريراته غير مقنعة لأحد” لا نستطيع دعوة مليون ونصف”. وبدل أن تحضر أجهزة الدولة لفك” الاشتباك” بين الصحفيين والمؤثرين، وجدت نفسها طرفاً يحاول تبريراً غير مقنع، وبات الأمر مثيراً لحساسية وخصومة علنية.
الاحتفاء الواضح من الدولة السورية بنجوم التواصل الاجتماعي من Instagram وTikTok ويوتيوبرز وتويتر وفيس بوك، مكرر ويحتاج إلى محاولة تفكيك المشهد، على قاعدة “لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم”.
يقول الصحفي “لا حسد ولا ضيقة عين” نريد تأطير المشهد ومأسسته بما يعطي ويحفظ لكل الأطراف حقها واستمرار حضورها، لن نقبل هزيمة ليست قدرنا، والأصل ” أن العين لا تعلو على الحاجب”.
التنافر بالعموم ليس ظاهرة سورية خالصة، ما نحن به جزء من القرية العالمية، المتداخلة في تحولات المشهد الإعلامي برمته. الفرق أن هذه الظاهرة جرى تأطيرها في الغرب، بينما بقيت عندنا في حالة “مشاع”، مما زاد من تعقيدها.
يجمع خصوم المشهد بأن للدولة وأجهزتها حقاً في اختيار من تراه أهلاً لحمل “رايتها” ورسائلها. الدول لا تخجل من ذلك.
ولا يعني الرضا قبولاً بالتعسف في الحق، ولا ترك الأمور على نياتها. فحفظ الحقوق للجميع يعني أولاً مأسسة وقوانين. فكما لسوق التجارة والاستثمار أحكامه وضوابطه، فإن الإعلام أيضاً يخضع لمنطق المنافسة بين قديمه وحديثه، وتحت مظلة المساحة القانونية للجميع.
الصحفي بطبيعته حذر، ملتزم بقواعد المهنة، يدقق ويراجع ويستقصي، ويخشى الاصطدام بالقانون. في المقابل، المؤثر سريع، مباشر، يلتقط الجمهور صباحاً، وقد يعتذر مساءً. الصحفي يحشد الأدلة لتجنب تهمة الرأي، بينما يقول المؤثر ببساطة: “هذا رأيي”. هو في الأصل يبيع رأيه ويعيش منه، لأن جزءاً من الجمهور يرغب بهذا الطرح المباشر، حتى لو كان عارياً “دج”. ليس في ذلك عيب بحد ذاته.
الصحفي يبحث عن الحقيقة ويعرضها، تاركاً الحكم للقارئ ضمن قواعد المهنة. أما المؤثر، فهدفه التأثير على الجمهور، مشاعره ومواقفه، ولا يتركه قبل أن يقترب منه، حتى لو وصل إلى الخاص. هذا الشعور بعدم العدالة بين الطرفين هو ما يفجر الصراع.
الإعلام التقليدي (تلفزيون، راديو، صحف) لم يعد وحده في الساحة. المؤثر اليوم ينافس قنوات كاملة، بمحتوى سريع ومكثف، وبأرقام تصل إلى الملايين.
نرى رؤساء دول مثل Donald Trump وEmmanuel Macron يتجهون نحو المؤثرين، لقدرتهم على الوصول المباشر من دون فلترة. لكن في المقابل، هناك أطر قانونية واضحة. المشرّع الغربي لا يتعامل بالعاطفة، بل بالضرائب أولاً، باعتبارها أساس الاقتصاد.
في سوريا، اكتفت وزارة الإعلام بمدونة سلوك أخلاقية تشمل الصحفي والمدون. هذا لا يكفي لتحقيق العدالة الإعلامية. من وجهة نظر الصحفي.
في الغرب، فُرض الترخيص، واعتُبر المؤثر صاحب نشاط تجاري يُحاسب على الإعلانات، والمخفية منها تُضاعف غراماتها.
في فرنسا، صدر عام 2023 قانون ينظم نشاط المؤثرين، يفرض الشفافية، وكتابة “إعلان” أو “شراكة مدفوعة”، ويمنع الترويج لبعض المجالات الخطرة.
كما يدفع المؤثرون ضرائب قد تصل إلى 45%، وتزداد في حال التحايل أو عدم التصريح بالمزايا مثل السفر المجاني أو الهدايا أو الإقامات الفندقية، والتي تُعتبر “مقابل عيني” (avantage en nature).
الترويج المدفوع المخفي يعاقب عليه القانون، وكذلك الشتم والتحريض وبث الكراهية وتعكير السلم الأهلي.
ما ينطبق على الصحفي يجب أن ينطبق على المؤثر.
كل ما تخضع له صحيفة، يجب أن تخضع له منصة المؤثر، حتى لو كان فرداً. قد تكون المساواة بين الطرفين صعبة، لكنها ضرورية لحماية المجتمع. فلا غلبة لطرف على الآخر.
“الباب مفتوح للجميع”، يقول المؤثر السوري و”ليس لدي إعلان لا صريح ولا مخفي”.
ربما صحيح، لكنه في أحد وجوهه هروب من مسؤولية التنظيم والعدالة. فليس مطلوباً من الصحفي أن يتحول إلى مؤثر ليُحتفى به، ولا أن تبقى الدولة تغمض عينيها عن انتهاكات المدونة الأخلاقية لصالح المؤثر، فيما تحاسب الصحفي. هذا أشبه برعاية أحادية.
يترك للمؤثر الفضاء العام،”عارياً” يقول هجاء الفرزدق بجرير، ولا يسأل عن “الكحل في عينيه” ويلعب على غرائز العامة، بعضهم يشتم، ويحرض، ويكتب بلغة عدائية” وبدل المساءلة والمحاسبة يحتفى ويكرم من الدولة وأجهزتها الداعية للسلم الأهلي، في حين تمر كلمات الصحفي عبر فلترة ذاتية ومؤسساتية، وصولاً لضوابط قانونية تصل إن تجاوز للتجريم.
تحولات العصر الرقمي قد لا تناسب الجميع. وكما يقول أهل الشام: “كار مو كارك يخرب ديارك”.
كما أن التجارة الإلكترونية لا تناسب كل التجار، ولا التعليم الرقمي يناسب كل المعلمين. يتردد الصحفي في الاستجابة للتحول الرقمي، لكن عينه على قرينه المؤثر كمقياس لكفاءة أجهزة الدولة وحوكمتها ونجاحها، ولسان حاله: “إذا هيك معنا كصحفيين، فكيف مع من لا صوت لهم؟”.
العدالة… هي الأساس.
المصدر: تلفزيون سوريا







زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين ولندن فتحت الباب من جديد للصراع بين الصحفيين و“التوكترجي” و”فجرت” باب الأسئلة والاشتباك الصحفي- وصولاً إلى الشارع القابل للاستقطاب، وليفتح الباب أمام تقديم “التوكترجي” على حساب المناضل الثائر بالتكريم في برلين وقبلها بحلب و… إنه توجهات غير وطنية ثورية من بعض أصحاب القرار الغير ناضجين ثورياً .