
بعد أحداث الساحل السوري الدامية، وكذلك أحداث السويداء المماثلة في بشاعتها، وبعد ما حدث من تطورات أخيراً في المنطقتين، سواء في ما يتعلق بتوحيد عدة مليشيات في السويداء تحت ما سمِّي “الجيش الوطني الموحَّد في السويداء” الذي أُعلِنَ في 27 أغسطس/ آب الجاري، وفي اليوم والتاريخ نفسيهما، أُعلِنتْ قيادة تنظيم جديد، يتحدّث باسم السوريين في غرب سورية ووسطها (الساحل ريفًا ومدنًا)، وأطلق عليه من أصدره اسم “المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا” (PCCWS) ونشر بيانًا تبنّاه 13 سوريّاً بينهم امرأة! وكلهم مثقفون مهنيون: (محامون، أطباء، مهندسون، إعلاميون).
والمعتقد أيضاً أن هناك خصوصية لسكان الجزيرة السورية، وإن لم يُعلنها أحد رسميّاً، لكنها ملحوظة من خلال تشكيلة سكانها، وتنوّعهم القومي، والديني، والمذهبي… وقد كانوا في ظلِّ النظام السابق مهمّشين كما بقية المحافظات الطرفية أو الأرياف السورية، ويأتي التهميش من إهمالٍ يتعلق بخدمات الصحة، والتعليم، والاتصالات، وسواها، فهي في حال متدنّ جدّاً..
والحقيقة إذا ما أتينا إلى أية منطقة سورية، وجدنا لها تميُّزَها وفرادتها، وعراقة انتمائها السوري، ولا أحد يتشكّك في الروح الوطنية لدى أيَّة جماعة تعيش على الأرض السورية.. ومن هنا، ربما بات ضروريّاً أن تتوقف القيادة السورية الجديدة، ممثلة بالرئيس أحمد الشرع وحكومته، عند هذه الحالات الخطيرة إن أرادوا لسورية التخلُّص مما كانت عليه من أوضاع بائسةٍ قادت إلى الثورة السورية التي تكللت بالنجاح يوم 8 ديسمبر (2024). وأرى أن يجري العمل الجديّ من أجل تشكيل “هيئة حكم انتقالية” تمثِّلُ الأطياف السورية كلَّها ليصار إلى اتخاذ قرار جماعي، يوضِّح أيَّ نظام يريده الشعب السوري، ويعيد توحيد سورية على أسس أكثر رسوخاً وموضوعية، أهو القائم حالياً؟ أم اللامركزي الإداري؟ أم أيّ شكل من الأنظمة التي تحقق التشاركية الفعلية التي يرتئيها الشعب السوري بكل أطيافه؟ وهكذا يمكن تجنيب البلاد الانجرار إلى حرب أهلية، قد لا تبقي ولا تذر… وربما جلبت أوجاعًا إضافية لا تنقص سورية.
الواقع السوري الراهن كئيبٌ ومحزنٌ.. ولعل أمره طبيعي بعد نحو عقد، وأكثر من الاقتتال الضاري بين الإخوة، وبعد 14 عاماً من مرارة الفقد، وقسوة التشتت والضياع بين الخيام، وزواريب العالم، وحجم الخراب ورعبه. لكن الطبيعي والأهم الالتفات إلى ما يوحِّد مهما كانت العوائق، ولا بد من إعادة النظر في الكيفية الواجب البدء منها، وهي التي تتطلب عملاً جدّيّاً، يأخذ الجميع إلى ذلك الحلم الأول الذي أوشك بعضهم أن يبتعد عنه، إن لم أقل أنْ ينساه. ولفعل ذلك، لا حاجة اليوم إلى الحيرة أو التردّد، ولا للبحث عن مسلك ما، فالحياة مليئة بالتجارب، وليس هناك سياسيٌّ لا يعرف كيف يكون البناء راسخاً، وألَّا يكرّر التجارب الفاشلة التي قادت إلى ذلك الخراب كله. ولعلَّ أسباب الفشل كثيرة، ومتعددة، لكنَّ أساسها يكمن في الانطلاق من بؤرة “الأنا” القاتلة.
بناء الأوطان عمل جماعي بالمطلق، ويستوعب قدرات أبناء الوطن وخبراتهم، وسورية الموحدة وطن يعلو فوق جميع مكوِّناته، أقلية كانت أم أكثرية. ولابد من إدراك أن لا وجود لأحد، فرداً أم جماعة، ليس له خصوصيته. ولكنَّ الشر كلَّ الشر أن تصل الخصوصية إلى حدود المرض، فلا تعود تأتلف مع الشأن الوطني العام، وفي الوقت نفسه، يجب ألا يفترض التآلف خضوعاً لنظام لا يؤمن بالتنوع، والتعدّدية، ولا بالعدالة والمساواة التامة بين أبناء الوطن الواحد. وعلى ذلك، ليست الحال السورية على ما يرام، وتعديلها يتطلب عملاً جدّياً يكمن جوهره في الاستماع بأناة إلى السوريين كافة.
صحيح أنَّ السلطة الحالية كانت قد عقدت مؤتمراً تشاوريّاً، لكنه، وبالشكل الذي جاء به، لم يعط فرصة كافية ليفهم السوريون بعضهم بعضاً، وإذا ما أسأنا الظن نقول: لم يُرَد منه غير ذلك… ليس كاتب هذه السطور هنا في موقع الناصح لأحد، وأعرف أنَّ موقع الرئيس، خصوصاً عند السوريين، متعب، ولعلَّ ذلك يُعَدُّ ظاهرة إيجابية عند الشعب السوري الذي يعشق الحريَّة، ويأنف الخضوع، ولعلَّ السوري متأثر بجَدِّه عبد الرحمن الكواكبي الذي فصَّل في “طبائع الاستبداد…”، وأمراضه، وما يجلبه على العباد من مصائب ونوائب.
وعوداً على بدء أقول: معايشتنا تجاربَ عديدة، وسماعنا أو قراءتنا عن تجارب أخرى كثيرة ومتنوّعة، أن لا علاج لسورية إلا بتشاركية واسعة تستوعب الجميع، ولا تُقصي أحداً، فلكل مكانه وإمكاناته التي يغتني بها المجتمع، خصوصاً في ما يتعلق بالجانب السياسي، فما الذي يمنع ما دمنا جميعاً سوريين. فالسلام الوطني القائم على التشاركية الحقيقية الفاعلة، ذات الهدف الواحد، ولأجل تحقيق الرخاء الاجتماعي، بسلامة بنائه الداخلي، وبزيادة تماسك أبنائه، وبتدعيم استقلال الوطن، وحفظ حدوده من عدوان إسرائيلي يتكرر، ويتمادى في وقاحته، واستعلائه، مستغلاً أوضاعاً غير عادية، قد تكون مشجّعة لنياته ومطامعه، لا في سورية وحدها، بل في المنطقة كلِّها.
المصدر: العربي الجديد