
شكلّت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع برلين محطّةً سياسيةً بارزةً في مسار إعادة تموضع سورية إقليمياً ودولياً، خصوصاً إذا ما أخذنا بالاعتبار التطوّرات الكبيرة التي حصلت في سورية في المدّة التي تلت سقوط نظام الأسد، والتحوّلات الجيوسياسية في المنطقة، بما في ذلك الحرب الدائرة في منطقة الخليج العربي. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصّة نظراً إلى تعدّد مستوياتها، إذ شملت لقاءات الجالية السورية، واجتماعات مع رجال الأعمال والمستثمرين، إلى جانب مباحثات رسمية مع الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير والمستشار فريدريش ميرز، تطرّقت، بشكل أو بآخر، إلى التوتّرات على الحدود مع إسرائيل، وإلى موقف سورية من الصراع مع إيران، خصوصاً أنّ سورية كانت في عهد نظام الأسد من بين دول محور المقاومة الذي كانت تتزعّمه إيران.
على الحكومة السورية، إذا أرادت جلب المستثمرين، والألمان خصوصاً، أن تعمل لتوفير إطار قانوني مستقرّ يحمي الملكية ويحدّ من التقلبات التشريعية
عكس التنوع في جدول اللقاءات إدراكاً متزايداً بأنّ إعادة بناء الدولة السورية لا يمكن أن تتم عبر المسار السياسي وحده، بل تتطلّب تفعيل أدوار المجتمع في الداخل والخارج، وإيجاد بيئة اقتصادية ومؤسّساتية قادرة على استعادة الثقة. وجاء لقاء الرئيس مع الجالية السورية في ألمانيا في سياق إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج، فهذه الجالية، التي تشكّل إحدى أكبر التجمّعات السورية في أوروبا، لم تعد مجرّد امتداد اجتماعي، بل أصبحت فاعلاً مؤثّراً اقتصادياً وثقافياً، لتشمل النقاشات معها الوضع الداخلي في سورية، من حيث تحسين الخدمات الأساسية وتعزيز الاستقرار، وعودة الكفاءات التي تمثّل عنصراً حاسماً في إعادة الإعمار، لكنّها تبقى مشروطةً بوجود بيئة آمنة ومؤسّسات فعّالة، وبدور الجالية جسرَ تواصلٍ بين سورية ودول الاغتراب، سواء عبر الاستثمار أو نقل المعرفة والخبرات. في هذا السياق، تبرز أهمية رأس المال البشري في بناء الدول الحديثة، إذ أصبحت المعرفة والكفاءات من أبرز مصادر القوة في عالم اليوم، وهو ما يجعل مسألة استعادة العقول السورية أولويةً استراتيجيةً للدولة السورية، ويجب التركيز عليها بكلّ ما أوتيت من قوة. لذلك يمثّل لقاء المستثمرين ورجال الأعمال محطّة محورية في الزيارة، إذ يعكس الحاجة الملّحة لإطلاق عملية اقتصادية حقيقية. غير أن الاستثمار لا يقوم على الوعود، بل على بيئة مؤسّسية واضحة ومستقرّة. على الحكومة السورية، إذا أرادت جلب المستثمرين الأجانب، والألمان خصوصاً، أن تعمل لتوفير إطار قانوني مستقرّ يحمي الملكية ويحدّ من التقلبات التشريعية، وأن تضمن استقلال القضاء وفعّاليته في فضّ النزاعات، وأن تركّز في تطوير آليات التحكيم التجاري وفق المعايير الدولية، وأن تسرّع في إصلاح النظام المصرفي لتسهيل العمليات المالية، وأن تعتمد سياسات ضريبية وجمركية شفّافة تقلّل من البيروقراطية والفساد. لسنا بحاجة في هذا الإطار للتأكيد على أنّ التجارب المقارنة تثبت أنّ نجاح الدول اقتصادياً يرتبط بوجود مؤسّسات شاملة تتيح المشاركة وتحمي الحقوق، وهو ما يشكّل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة في سورية.
أمّا اللقاءات مع القيادة الألمانية، فتناولت مجموعة من الملفّات الحسّاسة التي تجمع بين البعدين السياسي والاقتصادي. في مقدّمة هذه الملفّات، من الناحية السورية، العلاقات الثنائية وإمكانية تطويرها على أساس المصالح المشتركة، وملفّ اللاجئين السوريين، والتأكيد على مبدأ العودة الطوعية الآمنة المرتبطة بتوفير شروط الحياة الكريمة، وملفّ إعادة الإعمار، وضرورة دعم القطاعات الخدمية والبنية التحتية. وبالنسبة إلى الألمان، فهناك الإصلاح السياسي في سورية، بما يشمل تعزيز الشفافية والتشاركية والانفتاح السياسي، إضافة إلى موضوع إعادة اللاجئين الذي يشكّل مصلحة ألمانية كبيرة لمنع استغلاله من أحزاب اليمين، وخاصّة حزب البديل من أجل ألمانيا. والنجاح في إبرام اتفاقية عادلة لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم سيحقّق مكاسب كبيرة للائتلاف السياسي الحاكم الآن في ألمانيا، خاصّة أنّ هذا الملفّ معقّد للغاية وتحكمه اعتبارات قانونية لا يمكن لألمانيا تجاوزها من دون مخالفة دستورها وقوانينها. أمّا من جهة السوريين، فإنّه يمكن بكلّ تأكيد التركيز على طلب المساعدة لتهيئة فرص العمل والحياة الكريمة المنتجة للسوريين الراغبين بالعودة إلى بلادهم.
يسعد الألمان بسماع ما يؤكّد بألا تكون سورية معبراً لنقل الأسلحة إلى حزب الله في لبنان كما كان سابقاً
تناولت المباحثات الأوضاع الإقليمية، بما في ذلك التوتّرات القائمة، وإمكانية لعب دور ألماني في تخفيف حدّتها ودعم الاستقرار. والعلاقة المميّزة بين ألمانيا الاتحادية وإسرائيل يمكن أن تكون مفتاحاً يدفع الأخيرة إلى وقف اعتداءاتها المستمرّة على سورية والتدخّل في شؤونها الداخلية، وإلى إيجاد صيغة تفاهم بين الجانبين السوري والإسرائيلي برعاية ألمانية، وبما يحفظ الأمن والاستقرار في جانبي الحدود. وكان متوقّعاً أن يشرح الشرع موقف سورية من نظام الحكم في إيران، وأن يوضّح القطيعة النهائية مع محورها الذي لم يجلب للمنطقة إلا الحروب والدمار والخراب. سيكون الألمان سعداء بسماع أخبار تؤكّد عدم فتح المجال أمام أيّ قوى لتهديد دول الجوار، وعدم السماح بأن تكون سورية معبراً لنقل الأسلحة إلى حزب الله في لبنان كما كان سابقاً.
تمثل زيارة الرئيس أحمد الشرع برلين فرصةً سياسيةً واقتصاديةً مهمّة، لكنّها في الوقت نفسه تطرح تحدّيات جوهرية تتعلّق بمدى قدرة الدولة السورية على ترجمة هذه اللقاءات إلى سياسات عملية، فالنجاح الحقيقي للزيارة لا يُقاس بالتصريحات أو البروتوكولات، بل بمدى التقدّم في بناء بيئة داخلية قائمة على الثقة، ومؤسّسات قادرة على استيعاب التغيير، وعلاقات خارجية قائمة على المصالح المتبادلة. وفي عالم يشهد تحوّلات متسارعة، لم يعد الانخراط في الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية خياراً، بل ضرورة، وهو ما يجعل من هذه الزيارة، ومخرجاتها، اختباراً حقيقياً لإرادة الإصلاح والانفتاح، وفرصة لإعادة رسم موقع سورية في النظامين الإقليمي والدولي.
المصدر: العربي الجديد






