السفير فهمي رسميًا خلفًا لأبو الغيط.. ملفات كبيرة تنتظره

  راغب العطيه

قرر مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري رفع توصية إلى الدورة العادية الـ35 للقمة العربية المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية، بترشيح وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي لمنصب الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية لمدة 5 سنوات، تبدأ في 1 تموز القادم، خلفا للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط الذي تنتهي ولايته في 30 حزيران 2026.

وجاء قرار وزراء الخارجية العرب خلال اجتماع الدورة العادية الـ165، التي عقدت أمس الأول، الأحد 29 آذار، عبر تقنية الاتصال المرئي، بمشاركة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني.

وخصصت أعمال هذه الدورة، التي ترأسها وزير خارجية البحرين عبد اللطيف بن راشد الزياني، وبحضور أبو الغيط، لمناقشة عدد من القضايا السياسية ذات الاهتمام العربي المشترك، وفي مقدمتها تطورات الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” – الإيرانية، وما ينجم عنها من انعكاسات على أمن وسيادة عدد من الدول العربية، إلى جانب ما تثيره من مخاطر وتحديات على المستويين الإقليمي والدولي.

ولم يكن الإجماع العربي على اختيار فهمي أمينا عاما جديدا للجامعة، وفقا لترشيح مصر، مفاجأة للمتابعين، على الرغم من حالة الجدل التي سادت وسائل التواصل الاجتماعي صيف العام الماضي، والتي استثمرت بشكل غير صحيح فيما اعتقده البعض أزمة بين مصر ودول عربية، فراحت هذه المنصات تروج لأخبار غير صحيحة ودون أدنى معرفة بآليات اختيار من يشغل هذا المنصب، وكأنها في واد، وما يجري على الأرض من مشاورات رسمية بين وزارة الخارجية المصرية، بقيادة الوزير بدر عبد العاطي، وبين نظرائه العرب، في واد آخر.

والحقيقة هي أن الرؤية المصرية التي عملت الخارجية عليها تمثلت في طرح اسم نبيل فهمي للمنصب، ويومها بدأ التحرك على أعلى المستويات في مصر، حيث قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإرسال رسائل إلى القادة العرب بشأن الترشيح، وذلك توازيا مع جهود الخارجية، فكان هذا الموضوع مطروحا في كل لقاءات واجتماعات عبد العاطي، لاستطلاع آراء الدول العربية، وكانت سوريا والمملكة العربية السعودية في مقدمة الدول العربية التي أيدت هذا الترشيح، وكذلك أيدته بقية دول الخليج ودول المغرب العربي.

تعزيز مسارات البناء وتنمية المصالح المشتركة

وأعلن وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي، في أول تصريح له عقب اختياره أمينا عاما لجامعة الدول العربية، عزمه العمل على مواجهة المخططات التي تستهدف الهيمنة على المنطقة العربية والمساس بأمنها واستقرارها، مؤكدا التزامه بالمسؤولية التاريخية التي ينطوي عليها هذا المنصب.

وأوضح فهمي أن ترشيحه جاء نتيجة إدراك عميق لأهمية الأمانة التي يحملها، لافتا إلى أن الظروف الراهنة التي تمر بها الأمة العربية تتطلب جهدا مضاعفا لمواجهة التحديات غير المسبوقة، بما فيها المخالفات الصارخة للقانون الدولي والانتهاكات التي تعرقل حقوق الأشقاء عبر احتلال طويل الأمد.

وفيما يتعلق بالمرحلة المقبلة، أكد فهمي أن عمله سيرتكز على التشاور المكثف مع الدول الأعضاء لتطوير الرؤى والقدرات المؤسسية للجامعة العربية، وتعزيز مسارات البناء وتنمية المصالح المشتركة، وصولا إلى مستقبل عربي أكثر أمنا واستقرارا وازدهارا.

ومع تولي فهمي هذا المنصب، يتوقع المتابعون أن يشهد العمل العربي المشترك مرحلة جديدة من التنسيق والتعاون، في ظل التحديات الإقليمية المتنامية، مما يعكس أهمية الدور الذي ستلعبه الجامعة العربية بقيادة أمينها الجديد في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة.

ويعول العديد من المراقبين العرب على دور نبيل فهمي، الذي يبدأ عمله خلال الأشهر القليلة القادمة، في ظل المرحلة الدقيقة التي يمر بها العمل العربي المشترك من ناحية، والرغبة العربية في تنفيذ مقترحات تطوير هذا العمل، التي تقدمت بها دول عربية في سنوات سابقة.

وكانت القاهرة قد حسمت أمرها منذ عدة أشهر بترشيح فهمي لمنصب الأمين العام للجامعة، وذلك بعد التشاور والتنسيق مع الدول العربية الفاعلة في الجامعة، من بين عدة أسماء تداولتها أوساط سياسية مصرية، كان أبرزها وزير الخارجية الحالي بدر عبد العاطي، ووزير الخارجية السابق سامح شكري، فضلا عن رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي.

وتنص المادة 12 من ميثاق جامعة الدول العربية على أن مجلس الجامعة يعين الأمين العام بأكثرية ثلثي دول الجامعة، ويكون في درجة سفير، في حين تنص المادة العاشرة على أن تكون القاهرة المقر الدائم لجامعة الدول العربية، مع إمكان أن يجتمع مجلس الجامعة في أي مكان آخر يحدده.

وعلى الرغم من أن ميثاق الجامعة العربية لا ينص على أن تتولى هذا المنصب دولة بعينها، فإن “العرف” جرى على أن يختار الأمين العام من مصر.

أبرز الأصوات الدبلوماسية المصرية

يعد نبيل فهمي، وزير الخارجية المصري السابق، أحد أبرز الأصوات الدبلوماسية المصرية خلال العقود الأخيرة، وينتمي إلى أسرة دبلوماسية، إذ عمل والده إسماعيل فهمي وزيرا للخارجية في عهد الرئيس السابق أنور السادات بين عامي 1973 و1977، قبل أن يستقيل خلال مفاوضات كامب ديفيد مع “إسرائيل”.

وفهمي، أحد كتاب “اندبندنت عربية” منذ سنوات، هو من مواليد نيويورك عام 1951، وتولى منصب سفير مصر لدى الولايات المتحدة الأميركية بين عامي 1999 و2008، وشغل منصب سفير مصر لدى اليابان بين عامي 1997 و1999، ومثل مصر في عديد من لجان نزع السلاح بمنظمة الأمم المتحدة، وذلك قبل أن يشغل منصب وزير الخارجية عام 2013 خلال الفترة الانتقالية التي تلت إطاحة نظام جماعة الإخوان المسلمين من الحكم، حيث قاد الدبلوماسية المصرية لتوضيح الرؤية عالميا واستعادة دور مصر الإقليمي.

وبتولي فهمي المنصب، يكون الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها في عام 1945، والأمين العام الثامن من مصر، حيث لم يتول المنصب من خارجها سوى وزير الثقافة التونسي آنذاك الشاذلي القليبي في الفترة ما بين 1979 و1990، بعد انتقال مقر الجامعة إلى تونس في أعقاب توقيع القاهرة اتفاقية السلام مع “إسرائيل” ونقل مقر الجامعة منها.

وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو أن اختيار دبلوماسي قدير وذي خبرة سياسية مشهود لها، كالسفير فهمي، قد يكون قادرا على إعادة النشاط والحراك العربي من جديد، وتفعيل دور الجامعة العربية التي لا بد من تفعيلها خدمة للقضايا العربية، وخاصة أنه في ظل الحرب على إيران، مطلوب من العرب إنتاج واقع عربي جديد، مبني على مشروع عربي موحد، يحافظ على الأمن القومي العربي، الذي بات مهددا بقوة من قبل مشروعين خطرين على المنطقة العربية، وهما المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني، وقال: أصبح من الضروري استبدال الأمين العام الحالي أبو الغيط بآخر أفضل منه، ليس لانتهاء ولايته فقط، بل لأدائه المتواضع في قيادة جامعة الدول العربية، الذي كان يعتريه الكثير من التعثر.

وأضاف سعدو، في تصريحات لصحيفة “الثورة السورية”، أن أهم ملف ينتظر الأمين العام الجديد للجامعة، في ظل التغيرات الجيوسياسية الحادة في المنطقة والعالم، هو التأسيس لحالة عربية جديدة تقوم على التضامن والعمل العربي المشترك، وضرورة قيام تجارة بينية بين الدول العربية، بما يساهم في إعادة إنتاج واقع عربي جديد قادر على تفعيل الدور العربي، ليس في منطقتنا فحسب، بل على المستوى العالمي الذي أصبح قرية صغيرة، مشيرا إلى ضرورة الإسراع في بناء اتفاقات دفاع مشترك بين الدول العربية في مواجهة التعديات الإيرانية التي طالت العديد من الدول العربية خلال الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث شكلت ضربات الطيران المسير والصواريخ البالستية الإيرانية على الجوار العربي ما نسبته 85 بالمئة، مقابل 15 بالمئة باتجاه “إسرائيل” والقواعد الأميركية، وكذلك ضد الاعتداءات الصهيونية على العرب والمنطقة.

اختيار في ظل مرحلة إقليمية شديدة التعقيد

وفي الصيف الماضي، تداولت مصادر دبلوماسية عربية أن القاهرة سترشح أربعة أسماء لخلافة أحمد أبو الغيط على رأس الجامعة العربية، الذي ستنتهي ولايته في حزيران 2026، كاشفة أن المرشحين هم وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والأمين العام المساعد للجامعة السفير حسام زكي، ووزيرا الخارجية السابقان نبيل فهمي وسامح شكري.

وجرى العرف الدبلوماسي على أن يكون الأمين العام من مواطني دولة المقر، وهي مصر، حيث يقضي العرف المتداول بأن يكون الأمين العام من دولة المقر، لكن من دون إلزام قانوني بذلك. غير أن هذا العرف تعطل عام 1979، حيث جرى تعليق عضوية مصر ونقل مقر الجامعة مؤقتا إلى تونس عقب توقيع القاهرة اتفاقية كامب ديفيد مع “إسرائيل”، وفي ذلك الوقت تم اختيار وزير الثقافة والإعلام التونسي الأسبق الشاذلي القليبي أمينا عاما للجامعة ممثلا لدولة المقر المؤقت، إلى أن عادت الجامعة إلى مقرها الرئيسي في مصر عام 1990.

ويمثل الأمين العام جامعة الدول العربية في المحافل الإقليمية والدولية، وينسق بين الدول الأعضاء، ويعبر عن المواقف العربية الموحدة في القضايا الكبرى، ويشرف على تنفيذ قرارات القمم ومجالس الجامعة على كافة مستوياتها، ويساهم في حل النزاعات العربية – العربية.

ووسط ترقب الأوساط الدبلوماسية في العواصم العربية تطورات المشهد المتعلق بمن سيخلف أبو الغيط مع قرب انتهاء ولايته في حزيران القادم، أعلن أمس الأول القرار العربي باختيار السفير نبيل فهمي لخلافة أبو الغيط.

ويأتي اختيار فهمي في ظل مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، تتسم بتصاعد الأزمات، ما يضعه أمام تحديات سياسية ودبلوماسية كبيرة منذ اليوم الأول لتوليه المنصب، بحسب المراقبين.

ويأتي تعيين فهمي تتويجا لمسار طويل في العمل الدبلوماسي، حيث يعد فهمي أحد أبرز وجوه السياسة الخارجية المصرية، وصاحب خبرة تمتد لعقود في إدارة الملفات الإقليمية والدولية.

وكان فهمي، في مقابلة مع شبكة التلفزيون العربي، قد تناول عددا من الملفات المهمة، أبرزها فعالية جامعة الدول العربية، والأوضاع في غزة وإيران، إلى جانب قضايا الأمن الإقليمي، كما تطرق إلى الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وكواليس اتخاذ القرار في مصر وعلاقاتها بالولايات المتحدة، فضلا عن التحولات في السياسة الأميركية.

وأكد السفير فهمي في المقابلة أنه لا يمكن النظر إلى جامعة الدول العربية كفاعل مستقل يمتلك قرارا منفصلا عن الدول الأعضاء، بل هي انعكاس مباشر لإرادتهم السياسية، مشيرا إلى أن أي تقييم لضعف دور الجامعة يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة، إذ لا يمكن أن تكون المؤسسة أقوى من الدول التي تشكلها.

وشدد فهمي على أن التحدي لا يكمن في تغيير القيادات فقط، بل في تطوير آليات العمل العربي المشترك، بما يسمح للجامعة بالانتقال من إصدار البيانات إلى التأثير الفعلي في مسارات الأزمات، وقال إن أي أمين عام، مهما كانت خبرته، لن يتمكن من تحقيق نتائج ملموسة من دون توافر إرادة سياسية جماعية تدعم هذا الدور، داعيا إلى بناء منظومة أمن إقليمي تبدأ من الإطار العربي، ثم تتوسع تدريجيا لتشمل دول المنطقة.

وترأس عبد الرحمن عزام جامعة الدول العربية للمرة الأولى بعد تأسيسها لمدة سبع سنوات، إلى أن استقال عام 1952، وعين محمد عبد الخالق حسونة، حفيد أحد شيوخ الأزهر، خلفا له لنحو 20 عاما حتى عام 1971، ليكون بذلك الأطول مدة في شغل هذا المنصب.

وعقب حسونة، تولى محمود رياض، مدير الاستخبارات الحربية المصرية في غزة سابقا، المنصب في حزيران 1972، وظل أمينا عاما للجامعة 8 سنوات، وذلك قبل أن تحدث أزمة تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية ونقل مقرها إلى تونس نهاية سبعينيات القرن الماضي.

وبقيت مصر خارج الجامعة العربية قبل أن تعود إليها في قمة عمان عام 1987، ويعود إليها منصب الأمين العام عام 1990 بعد استقالة القليبي آنذاك اعتراضا على الحرب في العراق، أو ما عرف بعملية درع الصحراء، ومنذ ذلك الحين توالى على الأمانة العامة كل من أحمد عصمت عبد المجيد لمدة 10 سنوات، وعمرو موسى لمدة 10 سنوات، ونبيل العربي لمدة 5 سنوات انتهت عام 2016، وهو العام الذي خلفه فيه أحمد أبو الغيط.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى