اتفاق جديد بين أردوغان وبوتين في إدلب قد يكون مفيداً – في الوقت الحالي

سونر چاغاپتاي

يبدو أن الاشتباكات الأخيرة التي وقعت بين القوات التركية وقوات النظام السوري في محافظة إدلب قد قضت على آخر بقايا اتفاقية سوتشي من أيلول/سبتمبر 2018، والتي توسط فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كسبيل لإيقاف الأعمال العدائية وتقسيم السيطرة على آخر محافظة خاضعة للمتمردين في البلاد. وابتداءً من كانون الأول/ديسمبر الماضي، أدت الهجمات الروسية والسورية المتجددة ضدّ المدنيين إلى نزوح مليون شخص باتجاه الحدود التركية، مما تسبب في كارثة إنسانية أخرى. ثم في 27 شباط/فبراير، لقي 33 جندياً تركياً حتفهم حين تعرضت وحدتهم للهجوم في إدلب – وهو أكبر عدد يومي من الضحايا لقوات تركيا في سوريا حتى الآن.

وفي البداية، حمّلت تركيا بشار الأسد مسؤولية مقتلهم، غير أنه سرعان ما تحوّلت الأنظار نحو راعيه الروسي باعتباره المذنب الأكثر ترجيحاً، مما أجج التوترات بين أنقرة وموسكو إلى درجة لم يشهدها أحد منذ أن أسقطت القوات التركية طائرة روسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015. وفي غضون ذلك، شن الجيش التركي وقواته الشريكة المحلية سلسلة من الهجمات ضد النظام السوري وحلفائه من الميليشيات التي تدعمها إيران.

وفي الخامس من آذار/مارس، سيلتقي الرئيس رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي في موسكو لمناقشة هذه التوترات المتنامية. وإذا توصل الرئيسان إلى اتفاق آخر لوقف إطلاق النار، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل سيستمر هذا الاتفاق لفترة أطول من اتفاق سوتشي القصير الأجل؟ والأهم من ذلك، ما هو التأثير الذي قد يكون له على أزمة اللاجئين الأخيرة التي تهدد بتجاوز تركيا وأوروبا؟

لماذا هناك احتمال لاتفاق آخر – ومؤقت

كان اتفاق أيلول/سبتمبر 2018 قد منح تركيا وشركاءها المحليين السيطرة على غالبية محافظة إدلب، مما جعلهم مسؤولين عن ضمان التزام قوات المتمردين المعادية للأسد في الشمال لاتفاق وقف إطلاق النار. وتحقيقاً لهذه الغاية، أقامت الأطراف منطقة منزوعة السلاح على طول الحدود بين المتمردين وقوات النظام، وعزّزتها بنقاط مراقبة عسكرية تركية.

واليوم، انتقصت أهمية هذا الترتيب بشكلٍ كلي تقريباً. فبعد ثلاثة أشهر من الغارات الجوية الروسية والهجمات التي شنها نظام الأسد، فقدت القوات المدعومة من تركيا قبضتها على أجزاء كبيرة من المحافظة، وهناك ثمانية مراكز مراقبة تركية على الأقل محاطة في الوقت الحالي. ومع ذلك، لدى أردوغان وبوتين سببان ملزمان على الأقل لإبرام اتفاق جديد بشأن إدلب، حتى لو كان مقدراً له الفشل أيضاً في مرحلة ما بالنظر إلى الاعتراضات المستمرة للأسد:

أردوغان لا يرغب في القطيعة مع بوتين. اعتمد أردوغان على موسكو دبلوماسياً منذ تواصل بوتين معه في أعقاب الانقلاب الفاشل في عام 2016، ولم تسهم علاقاته الدولية المتوترة سوى في تعزيز اعتماده على هذا الدعم منذ ذلك الحين. بالإضافة إلى ذلك، تجعل القدرات العسكرية الروسية وسجل الأداء التاريخي ضد تركيا الرئيس أردوغان حذراً من [اندلاع] صراع كبير.

بوتين لا يرغب في القطيعة مع تركيا. ساعدت سياسة موسكو تجاه سوريا في دق إسفين بين تركيا والولايات المتحدة، ويهدف بوتين إلى استغلال مثل هذه الانقسامات كوسيلة لتقويض حلف “الناتو”. كما أنه يدرك أن ممارسة الضغوط على تركيا بشكل كبير بشأن القضايا الأمنية الأساسية مثل الحدود السورية والتدفقات الجماعية للاجئين قد يعيد تركيا إلى أحضان واشنطن.

وللولايات المتحدة حصة مهمة خاصة بها في مواجهات إدلب. وفي الوقت الحالي، ينقسم المسؤولون الأمريكيون حول مقدار المساعدة التي يمكن تقديمها إلى تركيا. فموقف البنتاغون لم يعد يميل لصالح أنقرة في السنوات الأخيرة بسبب الخلافات السياسية حول حرب العراق وسوريا، لذلك فهو يعترض على تزويدها بمساعدة عسكرية أكبر في إدلب، وخاصة ضد روسيا. وفي المقابل، حشد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبو والممثل الأمريكي الخاص جيمس جيفري عناصر أخرى من الحكومة الأمريكية لدعم تركيا. وشجع المسؤولون الأمريكيون أيضاً أعضاء  حلف “الناتو” مثل بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا ودول الشمال الأوروبي على إرسال دعم عسكري وسياسي إضافي – على الرغم من عدم حصول أنقرة بعدْ على ما طلبته أكثر من أي سلاح آخر، وهو أنظمة الدفاع الجوي من طراز “باتريوت”.

أما أولئك الذين يدعمون هذه التدابير في واشنطن فيعتبرونها الاستجابة الصحيحة للأزمة الإنسانية الناجمة عن النزوح السكاني الجديد الهائل في إدلب. كما يأملون في التصدي للأسد وروسيا مع إصلاح علاقات أمريكا المتدهورة مع تركيا.

وقد لا تكون الفرصة متاحة لفترة طويلة. ففي أعقاب الهجوم على القوات التركية في 27 شباط/فبراير، وقفت روسيا جانباً بينما شنت أنقرة هجوماً مكثفاً تركز على الطائرات بدون طيار ضد الجيش السوري وشركائه المدعومين من إيران. وبشكل عام، أسقطت القوات التركية ثلاث طائرات سورية، ودمرت عدداً من الدبابات والمروحيات، وقتلت مئات من الأفراد السوريين والميليشيات، بمن فيهم المقاتلون المرتبطون بـ «حزب الله» اللبناني. ومع ذلك، يدعم بوتين في النهاية هدف الأسد المتمثل في إعادة السيطرة على معظم أراضي سوريا أو كلها، لذلك لن يسمح للهجمات التركية بالاستمرار إلى أجل غير مسمى. علاوة على ذلك، يستلزم هدف الأسد طرد أكبر عدد ممكن من العرب السنة، لأنهم المناصرين الذين أطلقوا التمرد عام 2011. وبشكل افتراضي، إذن، يدعم بوتين رؤية الأسد الإقليمية والديمغرافية لإدلب، وليس تلك التي يؤمن بها أردوغان.

نتائج القمة المحتملة وتداعياتها

نظراً للظروف الحالية، سيعرض بوتين على الأرجح على أردوغان اتفاقاً جديداً يستعيد بموجبه الأسد القسم الأكبر من أراضي إدلب بينما تحصل تركيا على الجزء الصغير الذي يضم الجزء الأكبر من السكان المدنيين المشردين في المحافظة. وقد لا يقبل أردوغان هذه الشروط على الفور، لكن الزعيمين سيبدآن على الأقل مناقشة معايير اتفاق جديد لتقاسم السلطة في إدلب.

ومع ذلك، فمن الواضح أن هذا الترتيب لن يحل مشكلة إدلب الأوسع نطاقاً. فالأسد شخص لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يقوم به – فإذا ما استمر في المطالبة بالسيطرة الكاملة على كل سوريا، فقد تشجع إيران هذا الموقف من أجل أن تظهر له أن طهران، وليس موسكو، هي صديقه الحقيقي. بعبارة أخرى، حتى لو أسفر الاجتماع بين أردوغان وبوتين عن اتفاق تسوية، فقد يسعى الأسد إلى نقضه قريباً.

وبالنسبة لأردوغان، قد يساعده اتفاق جديد على تحقيق هدفه الرئيسي المتمثل بإبعاد موجة كبيرة أخرى من اللاجئين عن الحدود – لكن فترة نجاح هذه الخطوة غير واضحة. وتستضيف تركيا بالفعل حوالي 3.6 مليون نازح سوري، في الوقت الذي تأخذ فيه المشاعر المناهضة للاجئين في الارتفاع في جميع أنحاء البلاد، مما يخلق تحديات سياسية كبيرة لأردوغان. ولا توجد نتائج مثالية متاحة في الوقت الحالي، لذلك قد يعتبر الرئيس التركي أنه إذا تحتّم على حكومته تحمل المسؤولية عن رعاية المزيد من المدنيين السوريين، فسيفضل أن يكونوا على الجهة الأخرى من الحدود ضمن أحد جيوب إدلب وليس داخل تركيا.

وعلى الرغم من التحديات الطويلة الأجل التي تطرحها هذه النتيجة، إلّا أن الحكومة الأمريكية يمكن أن تنظر إليها بإيجابية نسبية، على الأقل من منظور تحسين العلاقات الثنائية مع أنقرة. فقد ذكّرت الأزمة في إدلب الرئيس أردوغان بأنه بوجود اتفاق أو بدونه، لا يمكنه مواجهة روسيا بمفرده، وأنه من الأفضل له إصلاح العلاقات مع واشنطن. وقد رحبت أنقرة بالجهود الحثيثة التي بذلها الممثل الأمريكي السفير جيفري والمسؤولون الآخرون لحشد الدعم لموقف تركيا في إدلب، مشيرة إلى أنه قد يتم توقيف الانهيار في العلاقات الثنائية في الوقت الحالي.

المصدر: معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى