هل للكيان بديل؟؟

د- عبد الناصر سكرية

مما ليس مجال نقاش أو خلاف، الدور الوظيفي للكيان الصهيوني كذراع متقدمة وقاعدة عمليات استعمارية في قلب الوطن العربي لخدمة أهداف الدول الغربية التي أنشأته وتحميه وتمده بكل أسباب الحياة والبقاء. قاعدة لحماية المصالح الاستعمارية التي يمكن إيجازها بما يلي:

– منع ومحاربة أية محاولة عربية للتحرر ثم للنهوض والتنمية والبناء والتقدم. فهذا يهدد مصالح الغرب الاستعماري في المنطقة والعالم..

– التمكن من القرار العربي الرسمي بما لا يسمح بأية معادلة للتغيير..

– الاستمرار في نهب موارد الوطن العربي كله وتوظيفها لخدمة المركز الاستعماري..

– الانطلاق من الموقع الجغرافي الإستراتيجي للوطن العربي للتحكم بمفاتيح النفوذ والضغط والتأثير على أمم العالم الأخرى..

– منع بلورة نموذج حضاري عربي جديد يمكن ان يشكل بديلا للنموذج الغربي المادي السائد..

عموما كان ولا يزال الهدف من إقامة الكيان الصهيوني هو منع العرب من أن يكون لهم دور حيوي وقوة نافذة وقرار مستقل حر.. طبعا لصالح المؤسسين والرعاة والحماة..

نبتت فكرة اغتصاب فلسطين من رحم الدراسات الفكرية والتاريخية التي تنقب في أسباب وسبل السيطرة على الشعوب وفي مقدمتها العرب..

كانت الدراسات والأبحاث التي قدمها المستشرقون غزيرة جدا فيما يخص معرفة وفهم تاريخ الشعب العربي ومكونات تراثه وفكره وتطلعاته المستقبلية. إلى جانب كل الثغرات التكوينية والمعرفية والسلبيات الاجتماعية والسلوكية كما كل أنواع التداخل فيما بين القوى الخارجية والذات العربية..

وفي كل مراحل التاريخ وتحديدا منذ ما بعد حروب الفرنجة (  المسماة بالصليبية ) كانت السياسات الغربية تستمد من أبحاث المستشرقين مادة حيوية لتحديد ملاح ومقومات برامجها السياسية الإستعمارية..مع العلم أن علم الإستشراق نشأ بعد فشل حروب الفرنجة وغزواتها المتكررة على الوطن العربي مما دفع أصحاب السلطة إلى توجيه باحثين ومثقفين وأكاديميين لدراسة اللغة والمجتمع العربيين لتسهيل مهمة السيطرة السياسية عليه..وفي البدايات كان كل المستشرقين بمثابة موظفين لدى حكوماتهم مدفوعين لهذه المهمة : دراسة المجتمع العربي ومعرفة ما فية من مكامن قوة ونقاط ضعف..

إن معرفة القوى الإستعمارية بالتاريخ عميقة ومتشعبة..وهي تدرك تماما أسباب ومقومات تطور المجتمعات ونشوء وسقوط  الدول ..وهي لهذا تدرك أن الكيان الصهيوني لا يملك مقومات البقاء على قيد الحياة كدولة طبيعية تشبه باقي دول المنطقة والعالم..وتدرك أيضا أن عمرها محدود وإنهيارها محتوم بحكم قوانين التطور وتكوين الأمم والمجتمعات..

وقد بذلت القوى الإستعمارية جهودا خارقة جدا من أجل حماية هذا الكيان المصطنع وإطالة عمره لأعلى مدة زمنية ولهذا أمنت له كل أسباب التفوق العسكري والتقني والبحثي كما وإنهاك القوة العربية وزعزعة مجتمعاتها بكل أنواع الحروب والفتن والدسائس والإنقسامات..

أما وهي تدرك أن لعمر الكيان حدا لن يتخطاه  ( بتأكيد دراسات وأبحاث أكاديمية قام بها مؤرخون يهودا وصلت إلى الخلاصة ذاتها : إنهيار الكيان أمر حتمي ) ، فكان من المنطقي والبديهي أن تبحث عن البدائل التي يمكن تأسيسها لأداء ذات الدور الوظيفي..ومن البديهي أن تكون بدأت بإعداد البدائل قبل سنوات طويلة وليس متوقعا أن تنتظر نهاية الكيان لتبدأ بإعداد البديل..إن إعداد بديل يحتاج أيضا إلى إستراتيجيات متعددة متكاملة بناء على معرفة ودراية تامة بالواقع العربي..كما يحتاج إلى إمكانيات ضخمة وتضحيات هائلة ..

وكما أن القوى الإستعمارية أخفت دوافعها بخلفيات وإدعاءات وأساطير دينية – تلمودية كاذبة شكلت المادة الأساسية في تشكيل العقيدة الصهيونية ، فإنها قامت وتقوم باللجوء إلى إستراتيجيات تمويهية وتكتيكات مخادعة من أجل إنجاح البديل الذي تعمل على تأسيسه..

ولقد إستفادت من تجربتها مع إغتصاب فلسطين وما تمحور حول قضيتها من تجارب وحروب وما أفرزها من دروس وعبر ، فتحاول وتسعى إلى أن يكون البديل أكثر قدرة على البقاء..فكان ما يلي على صعيد تلك الدروس المستقاة من تجربة فلسطين :

1- تأسيس الكيان الصهيوني كان قرارا خارجيا وإسقاطا خارجيا أيضا..فكانت عصابات المستعمرين تأتي خلسة ثم جهارا لإستعمار أرض فلسطين تدريجيا… قرار بريطانيا ومعها القوى الإستعمارية ومنظومة الرأسمالية العالمية وجزء أساسي فيها الرأسمالية الصهيونية بتصنيع كيان غريب في قلب الأرض العربية  مناقض لكل مقوماتها وخصائصها وثقافتها وحتى لتكوينها البشري والسكاني..وكانت بريطانيا تدرك تماما أن غربة هذا الكيان المراد عن المنطقة المستهدفة وأبنائها ، سوف تكون أحد أبرز العوامل التي ستنهي حياته ولو بعد حين..

أما البديل المفترض والجاري الإعداد له منذ عقود فلن يكون غريبا عن المنطقة بل سيكون جزءا أصيلا من بنيانها السكاني وتكوينها التاريخي..وبالتالي سوف تكون قدرته على البقاء والإستمرار أكبر وأقوى..

2 – وطالما أنه بديل من أبناء المنطقة ومحيطها الإقليمي فقدرته على التمزيق المجتمعي أكثر فاعلية كما أن قدرته على الفتنة سوف تكون أكثر أشد إيلاما وأعمق أثرا ..مما يضمن فعالية أكبر في تحقيق أهداف القوى الاستعمارية التي أقامت دولة الكيان وتهيئ البديل المحلي له..

3 – وكما تم تغليف المشروع الصهيوني بأساطير تاريخية ليس لها أساس ديني صحيح ؛  فضلا عن كونه مقطوع الصلة بالواقع العربي الراهن وغير ممتد فيه تاريخيا   ؛ فإن البديل المعمول عليه  يستند إلى تاريخ متواصل ومتراكم من الأحداث والوقائع والروايات المطردة التي تجعل منه حدثا قائما مستمرا غير مقطوع الصلة بالواقع الراهن وبالتالي سوف يكون أكثر قربا وإختراقا للحياة اليومية لأبناء المجتمعات العربية سيما بتوفر مصادر متعددة تزكيه وتطوره وتبلوره وتربطه باستمرار بالثقافة الجماعية والحياة اليومية..

4 – إن الكلفة الباهظة الثمن جدا لحماية الكيان الصهيوني ؛ وإضطرار القوى الراعية له ذاتها إلى التنكر لكل تراثها الثقافي والفكري من أجل تسويق مبررات لممارسات الكيان العنصرية وغير المنسجمة مع بنيان الغرب – نظريا على الأقل – سوف يترك آثارا سلبية كثيرة على مصالح الغرب ذاته وعلى مرجعيته كمركز للحضارة العالمية ( كما يقدم نفسه )  ولسوف يضطره إلى تقديم تضحيات كبيرة متزايدة أكثر فأكثر للحفاظ على مبررات إنشاء ورعاية الكيان..

أما في حالة البديل فلن يدفع الغرب الإستعماري أية تكاليف باهظة لأنه سوف يمول ذاته بذاته بمعنى أن قوته في التدبير والتمرير سوف تكون ذاتية فيستغني الغرب عن التضحية بسمعته ومقدراته لتسويق البديل الذي يتمتع بمقومات ومبررات ذاتية ونابعة من واقع المنطقة وتراثها الثقافي..

5 – تأسيس الكيان الصهيوني ساهم في تخليق وعي عربي عام بألأخطار المرسومة للوجود العربي ذاته وبالتالي دفع لظهور تيار توحيدي قومي عبرت عنه حركات شعبية وصلت إلى إمتلاك فعالية ثورية عالية ونفوذ شامل كبير..فمن طبيعة العدوان الخارجي أن يدفع إلى تظهير لحمة وطنية وتضامن قومي يعبر عن وحدة المصير المستهدف فيتقارب أبناؤه ويتفاعلون إيجابيا مما يعزز مقدرتهم على حماية أنفسهم ذاتيا والتلاحم النضالي في معارك المصير بمواجهة العدوان الخارجي..

أما حينما يكون البديل من أبناء الأمة وأدواتها ومكوناتها ؛ فلن يكون إلا انقساميا قائما على الفتنة  التي يستمد منها مبررات وجوده و بقائه..فيعكس دوافعها للتوحيد بدفعها إلى الإنقسام..وهكذا يكون عاملا فاعلا في إعاقة تقدمها وعرقلة قدرتها على وعي ذاتها ومعرفة الأخطار الحقيقية على وجودها فتتحول إلى مواجهات تدميرية بدلا من خوض معارك تصهر أبناءها وتوحد طاقاتهم لصنع مستقبلهم الأفضل..فيكون البديل الإنقسامي  مدمرا للمستقبل مقيدا لإمكانية التنمية والتطور والتقدم..فيكون البديل رجعيا بكل أبعاد الوصف لكونه يدفع المجتمع للعودة والرجوع إلى الوراء بدل التقدم إلى الأمام على طريق مفتوح وواضح.. وهذا ما يوفر على القوى الإستعمارية إمكانيات ضخمة بما يسمح لها بتوظيفها في أهداف إستعمارية إضافية..

6 – إن العدوان الخارجي يعزز المقدرة على الإبداع في كل مجال كرد على تحديات العدوان وأخطاره..فيتعزز الوعي وتزداد المعرفة وتتنوع ميادين الصراع وتتكامل مستوجبات البناء والنضال والمواجهة فتتبلور أكثر فأكثر شخصية الأمة ومقوماتها وقدراتها ؛ أما في حالة البديل الداخلي ، يحدث العكس تماما مما يزيد في التخلف وأسبابه ويعزز مقوماته ويحميها ويمدها بالمزيد من اسباب البقاء والتعمق..

وهذا فارق إضافي لمصلحة الأهداف الإستعمارية ؛ فالكيان الصهيوني وإغتصاب فلسطين ، كان دافعا للعقل العربي وللقوة العربية للتقدم ورد الخطر واكتساب أسباب القوة والإنتصار ؛ أما البديل المراد فيفعل عكس كل هذا تماما..

7 – إن ألبديل المحلي الذي يقوم على أدوات من أبناء الأمة ؛ سيقع حتما تحت الوصاية الأجنبية وحمايتها ..وهو لن يكون قادرا على البقاء إلا تحت تلك الحماية والرعاية..في حين أن مواجهة المشروع الصهيوني – حينما كان هناك مشروع عربي في مواجهته – دفع العرب للإستقلال والتحرر والإعتماد على القوة الذاتية..وفي هذا فارق نوعي خطير..

يبدو لنا أن المواصفات المطلوبة لتشكيل بديل يحقق أهداف القوى الإستعمارية في مواجهة الوطن العربي والأمة العربية ، بديل عن دولة الكيان الصهيوني التي ستنهار حتما يوما ما ، قد أصبحت واضحة ومعروفة ولا يختلف عاقلان أنها تتوفر كاملة غير منقوصة بالإنقسام الديني المذهبي بين أبناء المجتمع العربي الواحد ، أي بين ” السنة ” و ” الشيعة “..

إن الفتنة المذهبية السنية – الشيعية هي أفضل بديل يحقق للقوى الاستعمارية جميع أهدافها في الوطن العربي والمنطقة بأقل قدر من التكاليف المادية والمعنوية والبشرية..

إنها الفتنة التي تعمل تلك القوى على توقدها وصياغتها وبلورتها ذرائع وحيثيات ووقائع وأدوات أيضا حتى لتبدو وكأنها تطور طبيعي لتلاحق الأحداث المرتبة المتراكمة بين أبناء الأمة الواحدة والدين الواحد والمصير الواحد..

إنها الفتنة التي لن تستثني أحدا من أبناء الأمة بنيرانها وقوتها التدميرية الهائلة وقابليتها للتوسع والامتداد والبقاء عمرا طويلا..

وحيث أن المجتمعات العربية تضم جميعها من أبناء المذهبين ، فإن أي صراع مذهبي بينهم سوف يدمرهم جميعا ويسمح لقوى الأعداء – أعداء الوجود العربي أيا كانوا – بتحقيق أهدافهم التوسعية والإستعمارية بيسر وسهولة..

وليس في علم الغيب أن القوى الإستعمارية تعمل لتصنيع كل أسباب نجاح مثل هذه الفتنة وهذا الصراع المذهبي وتحولها إلى حروب أهلية متنوعة الأشكال متعددة الأساليب كثيرة الواجهات خافية الدوافع والخلفيات..

هذه الفتنة تستخدم لأداء وظيفتين أساسيتين متكاملتين :

الأولى : تدمير مقومات الأمة وقدرتها على المواجهة ورد الأخطار ..وهذا جزء من برنامج القوى الإستعمارية لحماية الكيان الصهيوني وزيادة فعاليته وإطالة عمره وتمكينه من السيطرة والإمتداد والتوسع والهيمنة..

الثانية : أن تكون بديلا جاهزا – عن الكيان اللقيط – في أي وقت يتعرض فيه للإنهيار أو الإندحار..المهم أن تبقى أهداف القوى المعادية وألإستعمارية نافذة سارية متحققة..

وسواء انهارت دولة الكيان أو طال أمدها أكثر ، فإن البديل المذهبي الفتنوي جاهز تمام الجهوزية وقادر بذاته على تجسيد أهداف الأعداء المتربصين وحماية مصالحهم.. يكمل وظيفة الكيان ويستعد لتوليها ذاتها حينما تدعو الحاجة..

وعليه يصبح من البديهي واللازم معا ، إدانة كل فكر مذهبي وكل عمل مذهبي انقسامي وكل أداة تسعى لانشقاقات مذهبية تحت أية ذريعة وأي عنوان وأية مبررات..مع العلم أن جهودا جبارة تبذل مصحوبة بصناعة وعي زائف  ومدعمة بإمكانيات ضخمة غامضة ومشبوهة من أجل تحويل الانقسام المذهبي إلى صراع ديني ، وإلى تحويل الفتنة المذهبية إلى حرب أهلية ..جار مثل هذا في كلا الوسطين : ” السني ” و ” الشيعي “..

وكثير منه خفي أو ناعم سلس وكثيره فج وبغيض..

لقد أصبحت القوى المذهبية ذات إمكانيات كبيرة ونفوذ ميداني أكبر ؛ فعلا صوتها وتناثرت مفاعيلها حتى لتكاد تغطي معظم أرجاء الحياة العربية وميادينها..

إن محاربة الفتنة المذهبية واجب على كل عربي حر وكل مسلم مؤمن وكل مؤمن يعبد الله وحده..

فهل من سبيل لمواجهة هذه الفتنة ووأدها قبل أن تدمر مجتمعاتنا وبلادنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى