
في ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، تبرز تساؤلات عديدة حول طبيعة الأهداف الحقيقية للسياسة العسكرية الإيرانية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالهجمات التي تطول دول الخليج. فالملاحظة الأساسية في هذا السياق هي أن إيران، رغم خطابها الحاد تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تتجه غالباً إلى استهداف المصالح الأميركية أو العمق الاستراتيجي الإسرائيلي بشكل مباشر، بل تميل إلى توجيه ضرباتها نحو ساحات إقليمية أقل كلفة من حيث الردع المباشر.
تفسير السلوك الإيراني
أحد التفسيرات المحتملة لهذا السلوك يتمثل في محدودية القدرة الإيرانية على خوض مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، أو تنفيذ ضربات عسكرية مؤثرة داخل إسرائيل باستخدام أسلحة متطورة. لذلك قد تلجأ طهران إلى استهداف دول الخليج كرسالة سياسية أكثر منها عسكرية، في محاولة لإظهار قدرتها على التأثير في أمن المنطقة وتهديد استقرارها. هذه الرسائل ليست بالضرورة موجهة إلى دول الخليج بقدر ما هي موجهة إلى القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، لتأكيد أن إيران لا تزال قادرة على تعطيل التوازنات الإقليمية إذا ما تعرضت لضغط كبير.
كما يمكن فهم هذه الاستراتيجية ضمن محاولة توسيع دائرة المتضررين من الصراع. فكلما اتسعت رقعة التوتر، ازدادت الأطراف التي قد تسعى إلى الوساطة أو الضغط من أجل وقف التصعيد. ومن هذا المنطلق، قد تراهن طهران على أن دولاً متضررة من عدم الاستقرار ستسعى إلى التأثير على واشنطن لاحتواء الصراع أو تقليصه. إلا أن هذه المقاربة تحمل مخاطر كبيرة، إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع دائرة الخصوم بدلاً من خلق وسطاء محتملين، خصوصاً لدى دول الخليج التي راكمت، على مدى سنوات طويلة، تجربة من التوترات مع السياسات الإيرانية في المنطقة.
في الوقت ذاته، يخدم هذا النوع من العمليات هدفاً داخلياً مهماً للنظام الإيراني، وهو الحفاظ على صورة القدرة على الرد. فالجمهور الداخلي، وكذلك الجماعات والحركات المتحالفة مع إيران في المنطقة، يتوقعون موقفاً يظهر أن طهران لا تقف مكتوفة الأيدي أمام الضغوط أو الهجمات. ومن هنا قد تصبح الضربات في الساحات الإقليمية وسيلة لإظهار الرد دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع خصوم يمتلكون تفوقاً عسكرياً واضحاً.
تبدو دول الخليج، في نظر بعض دوائر التفكير الاستراتيجي في طهران، أقل ميلاً إلى التصعيد العسكري المباشر، إذ تميل سياساتها في السنوات الأخيرة إلى التركيز على التنمية الاقتصادية والشراكات الدولية والاستقرار الإقليمي.
انتقاء الأهداف من المنظور الإيراني
غير أن ما يلفت الانتباه في السلوك الإيراني هو الانتقائية الواضحة في اختيار الأهداف. فعلى سبيل المثال، لم تتجه إيران إلى استهداف تركيا بشكل مباشر، رغم وجود خلافات سياسية وأمنية بين البلدين في عدة ملفات إقليمية. ويبدو أن أحد أسباب ذلك يعود إلى إدراك طهران لطبيعة الرد التركي المحتمل. فتركيا تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، إضافة إلى كونها عضواً في حلف شمال الأطلسي، ما يجعل أي تصعيد معها أكثر تعقيداً من الناحية الاستراتيجية، وحتى العسكرية.
إلى جانب ذلك، تتميز أنقرة بسياسة ردع مختلفة عن كثير من دول المنطقة، إذ أظهرت في تجارب متعددة استعداداً للرد العسكري المباشر عندما تتعرض مصالحها أو أراضيها للتهديد. كما أن تركيا تمتلك أدوات ضغط متنوعة يمكن أن تطول المصالح الإيرانية في أكثر من ساحة، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي، أو حتى عبر ملفات النفوذ الإقليمي. هذه المعادلة قد تجعل أي مواجهة مباشرة مع تركيا خياراً محفوفاً بكلفة مرتفعة بالنسبة لصانع القرار الإيراني.
في المقابل، تبدو دول الخليج، في نظر بعض دوائر التفكير الاستراتيجي في طهران، أقل ميلاً إلى التصعيد العسكري المباشر، إذ تميل سياساتها في السنوات الأخيرة إلى التركيز على التنمية الاقتصادية والشراكات الدولية والاستقرار الإقليمي. غير أن هذا التصور قد يكون مبسطاً أو حتى مضللاً، لأن الضغط المستمر قد يدفع هذه الدول إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية وتعزيز تحالفاتها الدفاعية بصورة أكبر.
ومن زاوية أوسع، قد يكون الهدف الأبعد لمثل هذه العمليات هو إرسال رسالة مفادها أن تضييق الخناق على إيران قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. فكلما شعر النظام الإيراني بأنه محاصر، قد يلجأ إلى توسيع نطاق التوتر ليشمل أطرافاً إضافية، في محاولة لفرض معادلة مفادها أن أمن المنطقة مترابط، وأن أي استهداف مباشر لإيران قد يفتح الباب أمام مرحلة من عدم الاستقرار الإقليمي.
هذا النمط من التفكير ليس جديداً في العلاقات الدولية، إذ لطالما سعت الدول التي تشعر بالضغط إلى توسيع نطاق الأزمات لتغيير موازين التفاوض. وكما قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر: «القوة لا تُقاس فقط بالقدرة على القتال، بل بالقدرة على تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالخصم». وهذا ما لم تستطع الولايات المتحدة تأمينه حتى الآن لحلفائها من الدول المجاورة لإيران. وفي هذا الإطار، قد تحاول إيران تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط بطريقة تجعل أي مواجهة معها ذات كلفة إقليمية مرتفعة، وأن مفهوم الخسارة سيعم المنطقة بأكملها.
سيناريوهات محتملة
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الحرب إذا استمرت وتيرة التصعيد الحالية. السيناريو الأول هو سيناريو الاحتواء والتصعيد المحدود، حيث تبقى المواجهة ضمن نطاق ضربات متبادلة وغير مباشرة دون انتقالها إلى حرب إقليمية شاملة. في هذا المسار، تستمر إيران في استخدام أدوات الضغط غير المباشر أو الضربات المحدودة في محيطها الإقليمي لإظهار القدرة على الرد، بينما تحرص القوى الكبرى على استنزاف إيران مع منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تهدد استقرار المنطقة وسوق الطاقة العالمي.
أما السيناريو الثاني، فهو سيناريو التوسع الإقليمي للصراع، وفيه قد تتسع دائرة المواجهة لتشمل أطرافاً إضافية في المنطقة إذا شعرت طهران بأن بقاءها تحت ضغط عسكري أو سياسي مباشر يهدد استقرار النظام. في هذه الحالة، قد تلجأ إيران إلى توسيع نطاق الضربات لتشمل دولاً أخرى أو ساحات جديدة، بهدف فرض معادلة مفادها أن استهدافها لن يبقى محصوراً داخل حدودها، وقد تعمل على تحريك أجنداتها في العراق واليمن، وخلق اضطراب أمني واسع في الشرق الأوسط.
السيناريو الثالث هو سيناريو المواجهة المباشرة واسعة النطاق، وهو أقل احتمالاً لكنه الأكثر خطورة. يحدث هذا السيناريو إذا وقع خطأ استراتيجي كبير، أو ضربة مباشرة تُحدث خسائر كبيرة وتدفع أحد الأطراف إلى رد واسع. في هذه الحالة، قد تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية تشمل عدة دول وقوى دولية، ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط لفترة طويلة.
في حال استمرار هذا الصراع، فإن الشرق الأوسط قد يجد نفسه أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث تتقاطع حسابات الردع مع مخاوف الانزلاق إلى حرب أوسع.
إدارة صراع غير متكافئ
في ضوء هذه المعطيات، تبدو التحركات الإيرانية في الإقليم جزءاً من محاولة إدارة صراع غير متكافئ، حيث تسعى طهران إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التأثير السياسي والعسكري دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع قوى تفوقها عسكرياً، وتكون بذلك قد وضعت المسمار الأخير في نعش نظامها السياسي. وبينما قد توفر هذه الاستراتيجية هامشاً من المناورة على المدى القصير وفرصة للنجاة، فإنها تحمل، في الوقت نفسه، مخاطر توسيع دائرة التوتر وزيادة عدد الخصوم في المنطقة.
وفي حال استمرار هذا الصراع، فإن الشرق الأوسط قد يجد نفسه أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث تتقاطع حسابات الردع مع مخاوف الانزلاق إلى حرب أوسع. فكلما حاولت الأطراف استخدام الضغط غير المباشر لتعديل موازين القوى، ازدادت احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود. لذلك يبقى مستقبل هذا الصراع مرتبطاً بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على منع تحوله من صراع محسوب إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود السيطرة السياسية والعسكرية.
المصدر: تلفزيون سوريا






