العراق.. وقائع ملتبسة وعجز عن الحل

عبد اللطيف السعدون

                           

مرّت مائة يوم على الانتخابات البرلمانية العراقية ورجال “الإطار التنسيقي” يدورون في حلقة مفرغة من أجل “العثور” على رئيس وزراء وفق مواصفاتهم، وقد جرّبوا طرقاً شتى كان منها دعوة من يرى في نفسه القدرة على إشغال المنصب التقدّم بترشيحه عبر نافذة إلكترونية، وقابل قادة “الإطار” المرشحين، واستقرّ الرأي على ترشيح تسعة، ثم تقلص العدد إلى ثلاثة. وفجأة ألغيت العملية، لتتحوّل الى مادة للطرافة والتندّر ليظهر بعدها زعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، منقذاً، ولكن “تغريدة” لا سابق لها من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في رفض هذا الترشيح ألقت بظلالها عليه، وقذفت به بعيداً. ومع ذلك، ظل المالكي مصرّاً على ترشيح نفسه، خصوصاً بعد أن حصل على مباركة طهران له. ومع انقسام قادة “الإطار” من حوله، على وقع تهديد واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية ومالية على العراق، ارتفع رصيد محمد شياع السوداني الذي يصفه خصومه بأنه يمثل “المحور الأميركي”، وهو يطمح للحصول على ولاية ثانية، مراهناً على ما يسمّيه “نجاحه في تحقيق إنجازات خلال أكثر الفترات تعقيداً”. وفي تغريدة لعضو برلماني مقرّب من المالكي، “على السوداني أن يمر على جثث 100 نائب قبل أن يحصل على ما يطمح إليه”، في إشارة إلى وجود معارضة قوية له في البرلمان، وهذا كله أخّر ظهور الدخان الأبيض، ولا يتوقع أن تحدث مفاجأة ما في ملف اختيار رئيس الوزراء قبل انتهاء عطلة العيد.

على هامش تلك الوقائع الملتبسة، ظهر العراقيون في غير وارد الاهتمام بلعبة كهذه، يكفي أنهم يعانون من حالة كمد مزمن نتيجة عملية سياسية فاشلة صنعتها الولايات المتحدة بعد غزوها بلادهم. وها هم اليوم يقعون، لسوء الحظ وبحكم الجغرافيا، وسط أتون حرب كارثية مشتعلة، تحوّلت في ظلها الأرض العراقية إلى ساحة مفتوحة أمام المتحاربين، وأهلها يتلقون الضربات من كل الأطراف، من الأميركيين والإسرائيليين، ومن الإيرانيين، وحتى من رجال الفصائل المسلحة الذين لا يخفون ارتباطهم بطهران، وتماهيهم مع مخططاتها وتوجهاتها في المنطقة.

وفي تفصيل لما حدث في الأسبوع الأخير، طفت على السطح أخبار الضربات الأميركية على مواقع لهذه الفصائل، وسقط عشرات من منتسبيها بين قتيل وجريح، وتوافق ذلك مع انكشاف حقيقة صادمة، أن معظم الضحايا كانوا من المنتسبين مما أثار لغطاً أن القادة وفروا حماية كافية لأنفسهم، وهجّروا الأماكن التي اعتادوا الوجود فيها، وبعضهم وجد ملاذاً آمناً له في مسجد أو كنيسة لتلافي الضربات التي كانت متوقعة، فيما تركوا أتباعهم يلاقون مصيرهم!

لا أحد من قادة الإطار التنسيقي، ولا من مسؤولي حكومة تصريف الأعمال، امتلك الشجاعة الكافية لإحاطة مواطنيه بحقيقة ما يجري

واللافت بعد كل هذه التداعيات أن لا أحد من قادة الإطار التنسيقي، ولا من مسؤولي حكومة تصريف الأعمال، امتلك الشجاعة الكافية لإحاطة مواطنيه بحقيقة ما يجري، وبعجزهم عن إيجاد مخارج عملية تضمن توفير متطلبات الدفاع عن البلد، وما يؤمن سلامة أبنائه، ولو بالحد الأدنى، كما لم نلحظ في الأفق عملية إنقاذٍ قادمة في الطريق، ولو من “قماشة” انقلاب عسكري ربما يتطور لاحقاً لينزع بدلة العسكر عنه، بعدما فقدنا الأمل في إمكانية حل “ديمقراطي” يحمي العراقيين من كوارث محتملة جديدة.

هكذا تغيب الحلول، وتستمر اللعبة فصولاً رغم أنوفنا، ويستمر “القادة التاريخيون” الماثلون في التصرّف بمقدّرات العراقيين متجاهلين ما سبّبوه من مآس وكوارث، وما ارتكبوه من أخطاء وخطايا لا سبيل لمعالجتها غير الكي الذي لم يعد في أيدينا!

وعلى حد ما قاله العرافون وقارئو البخت الذين يظهرون على الشاشات ليصدّعوا رؤوسنا ليل نهار، فإن “العرّاب” الأميركي سيتقدّم ليدير اللعبة بنفسه، وهو وحده القادر على الرقص مع الثعابين، ولا يجد بعضهم ضيراً، بعد الذي حدث، أن يعوّلوا عليه في إنقاذهم مما هم فيه، على قاعدة “إن لون القطة غير مهم ما دامت قادرة على اصطياد الفئران”، وهو أمرٌ ستكون أكلافه عالية، حيث سيستهدف ليس حرية المواطن وكرامته فحسب، إنما البلد كله، أرضاً وشعباً وثروات. وهذا ما ينبغي أن يثير في العراقيين نزعة ترميم مفاهيمنا في الحرية والوطنية، والعودة إلى الماضي القريب، عندما غزا العرّاب نفسه بلادنا قبل عشرين عاماً، ووضع في قمة السلطة من لا نزال نكتوي من أفعالهم. وليس من الحكمة أبداً أن نعاود الكرة معه بتبرير التماس الحلول من أي وعاء خرجت!

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى